سؤال الساعة: لماذا تتقلص شعبية أردوغان في المدن الكبرى بتركيا؟

لماذا تتقلص شعبية أردوغان في المدن الكبرى بتركيا؟
مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ الخميس, 04 أبريل, 2019 10:27:00 مساءً ]

ظهر الأمر في الأيام الماضية على النحو التالي: تراجعٌ مُدوٍّ ربما يهدد مسيرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يحكم بلاده منذ 16 عامًا؛ فبلدية إسطنبول ـ موطن صعوده السياسيّ ـ التي رأسها عام 1994، كانت سببًا مباشرًا في صعوده لرئاسة الوزراء في الانتخابات البرلمانية عام 2002، ومنذ 25 عامًا بقيت تلك البلدة الأكبر والأهم في البلاد تحت سيطرة «حزب العدالة والتنمية»، قبل أن تعلن المعارضة أنه فقدها خلال الانتخابات المحلية الأخيرة ضمن بلدات أخرى مؤثرة (أنطاكيا، وأزمير، وأنقرة) ضمن ثماني بلدات أخرى بما مجموع الخسارة 12 بلدةً.
 
لكن اليوم جد جديد؛ إذ بدأت إعادة فرز الأصوات، وبدأ مرشح العدالة والتنمية، بن علي يلدرم، في حصد المزيد من الأصوات كما تشير بعض المصادر؛ مما قد يغير تجاه الأمور، لكن يظل الأمر جليًا رغم ذلك أن شعبية أردوغان والعدالة والتنمية ليست بنفس قوتها داخل المدن الكبرى في تركيا كما كانت من قبل.
 
النتيجة الأولى التي صدمت الرئيس التركي تسبق حدثًا فاصلًا، فعام 2023 الذي يشهد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية معًا، يتزامن مع الذكرى المؤية لتأسيس تركيا الحديثة، وهي المحطة الأخيرة الفاصلة التي ربما ستنهي الإرث العلماني التركي في حال فاز أردوغان، كما وعد، أو ربما قد تنهي مسيرة حزبه بوصول كمال أتاتورك جديد إلى الحُكم.
 
هذا التقرير يوضح لك لماذا تقلّصت شعبية أردوغان بحسب – نتائج الصناديق حتى اللحظة – في المدن الكبرى بتركيا.
 
نظرية «فوكوياما»: المدن الكبرى تنتفض ضد «ديموقراطية السود»
مثّلت استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات، تقدمًا ملحوظًا لحزب الشعب الجمهوري المعارض على حزب العدالة والتنمية في المدن الكبرى التي خسرها لاحقًا، واللافت أنّ الانتخابات البلدية السابقة في عام 2014، شهدت فوز الحزب الحاكم ببلدية أنقرة الكبرى بفارق %1 فقط، وهو العام نفسه الذي انتزع مدينة أنطاكيا التي كانت حكرًا على القوميين والعلمانيين لعقود، قبل أن تسقط هذه المرة من أردوغان.
 
بمقارنةٍ بسيطة، فخلال استفتاء التعديلات الدستورية التركي عام 2017، والذي مثَّل اختبارًا حقيقيًا لشعبية أردوغان، جاءت النتائج بتأييد 51% لصالح التعديلات أغلبهم من القرى الصغيرة والمدن الداخلية (شرق وجنوب وجنوب شرق الأناضول وبحر مرمرة) والقلب نفسه ظل داعمًا منذ انتخابات 2002، بينما شهدت المدن الحضريّة دومًا ممثلة في المدن الساحلية غربًا حارسًا أمينًا لحزب الشعب الجمهوري المعارض حاليًا، والذي أسسه مصطفى أتاتورك.
 
الفجوة الجغرافية تمثِّل حاليًا أزمة للرئيس التركي الذي يتمتّع بشعبيةِ كبيرة – بحسب الأرقام الرسمية للانتخابات – في أماكن تمركز الطبقات المتوسطة والمحافظة، بينما لا يحظى برصيدٍ كبير في المدن الكبرى التي تضم الطبقات الارستقراطية، وهو ما يعدّ مثالًا واضحًا على نظرية «فوكوياما» التي قالها منذ ثلاث سنوات بأنّ أردوغان يمثل امتدادًا واقعيًا لظاهرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأوربان في المجر وغيرهم، فكلهم يتمتعون بشعبية ضخمة في معظم المناطق الصغيرة في بلادهم، لكن شعبيتهم تضعف في المدن الكبرى التي تضم أوساط أكثر ثقافة واهتمامًا بالعمل السياسي.
 
والمدن الساحلية – معقل حزب الشعب الجمهوري- التي كانت دومًا خارج نطاق شعبية أردوغان، وتضم ما يمكن وصفه بـ«الأتراك البيض» (النخبة الحاكمة السابقة)، الذين أجادوا اللغة الإنجليزية، واحتفظوا بالسلطة طوال القرن الماضي، واعتبروا أنفسهم النخبة التنويرية الراقية العلمانية، ربما الأكثر تشبهًا بالأوروبيين، والقادرة على طبع المجتمع التركي بالنمط الغربي الحديث بما حملوه من مشروع الحداثة.
 
أما «الأتراك السود» – وهو الوصف مجازي لهم في علم الاجتماع – فيمثلون تيارًا كبيرًا من الجماهير لديهم ثقافة شعبية واحدة، وتقاليد دينية وثقافية محافظة لا يمكن الخروج عليها، وبعيدًا عن تنظير علم الاجتماع، فالرئيس التركي سبق له أن صرح عقب فوزه ببلدية إسطنبول عام 1994: «يوجد في هذا البلد فصل بين الأتراك البيض والأتراك السود؛ وأخوكم (طيب) هو واحد من الأتراك السود».
 
يقول الدكتور سعيد الحاج، الخبير في الشأن التركي: «بينما كانت الخلفية القومية لمرشح الشعب الجمهوري في أنقرة سببًا مباشرًا في فوزه برئاسة البلدية، خسر مرشح حزب العدالة والتنمية لأنه ليس ابن أنقرة»، وبالعودة لمرشح الحزب الخاسر محمد أوزحسكي، فإنه ينتمي للأتراك السود القادمين من مدينة قيصري – وسط تركيا – ذات الطابع الإسلامي التي تشتهر بتمسكها بالتقاليد، وعدم السماح باختلاط الرجال والنساء في الشوارع.
 
لذا فالمدن التي رفضته في انتخابات الرئاسة عام 2018، ليس غريبًا أن تكرر الأمر نفسه في انتخابات 2023 الرئاسية والبرلمانية، على جانب آخر فحزب العدالة والتنمية طعن في نتائج البلديات بجميع أحياء إسطنبول، وتحدث كبار رجال الحزب عن عملية ممنجهة هدفت لإسقاط بلدية إسطنبول من عباءة الحزب الحاكم، مثل إلغاء نحو 300 ألف صوت بطريقة غير قانونية، وعدم إدارج نحو 17 ألف صوت، ومن المقرر أن تفصل الهيئة العليا للانتخابات في مصير البلديات الهامة.
 
الاقتصاد.. عدو أردوغان الأول وحليفه السابق
مثلما كان أردوغان صانع نهضة بلدية إسطنبول بعد تغيير معالمها، كان الاقتصاد نفسه هو سبب ضياع البلدة التي ظلت نحو 25 عامًا في قبضة الحزب عقب النتائح الأولية التي أشارت إلى خسارة مرشح الحزب بن علي يلدرم، رئيس الوزراء السابق أمام منافس حزب الشعب الجمهوري الذي تفوَّق مبدئيًا بنحو 28 ألف صوت، وهو هامش خسارة ضئيل مقارنة ببلدٍ تعداده نحو 15 مليون شخص، وبالرغم من أن الحزب الحاكم فاز برئاسة 24 من أصل 39 بلدية داخل إسطنبول، مقابل 14 لحزب الشعب الجمهوري، إلا أنّ خسارة إسطنبول أضاعت لذة الانتصار، وهو ما قد يتغير أمره بعد إعادة فرز الأصوات.
 
بالرغم من أن أردوغان يخطط فعليًا لجعل الاقتصاد التركي ضمن قائمة أقوى 10 اقتصادات في العالم، وثالث أكبر اقتصاد في أوروبا، بحلول عام 2023، الذي يوافق الذكرى المئوية الأولى لإعلان الجمهورية التركية، إلا أنّه منذ نهاية العام الماضي، ويسجّل الاقتصاد أسوأ أداء له في نحو عقدٍ من الزمن، عقب أزمة انخفاض قيمة الليرة بنسبة 30% على خلفية الأزمة مع واشنطن بسبب قضية احتجاز القس الأمريكي، بالإضافة إلى استقلال البنك المركزي.
 
وكالة «بلومبرج» الأمريكية اعتبرت أنّ الركود الاقتصادي كان سببًا رئيسًا في خسارة أردوغان كبرى المدن الرئيسة في تركيا، وسبق للحكومة أن منعت التعامل بالعملة المحلية قبيل عقد الانتخابات في محاولة لإنقاذ الليرة – تبلغ حاليًا 5.5 أمام الدولار الواحد – كما وصل التضخم – بحسب البيانات الرسمية – إلى 19.7% على أساس سنوي في فبراير (شباط) الماضي مسجلًا أسوأ مؤشر له منذ 15 عامًا.
 
كل تلك المؤشرات دفعت صحف أوروبا المتابعة باهتمام للانتخابات البلدية التركية إلى اعتبار أنّ ناخبي المدن الكبرى عاقبوا أردوغان الذي فشل في اختبار شعبيته، بالرغم من أنّ حزبه تصدَّر الانتخابات البلدية، لكنه خسر قلاعه الهامة، لكنّ الحزب الحاكم يقذف باللوم على انتهاكات اللجان التي تبث فيها حاليًا الهيئة العليا للانتخابات، بالإضافة إلى أنّ تركيا وجهت رسميًا اتهامًا لبنك أمريكي أصدر تقريرًا مضللًا قبيل الانتخابات تسبب في تراجع الليرة لأكثر من 4% وانخفاض حاد للبورصة التركية، وفي الوقت الذي اعترف فيه أردوغان بتراجع حزبه في تلك الانتخابات ألقى باللوم على أعدائه الذين يستهدفون الليرة التركية، وإحداث تقلب في أسواق المال.
 
في الوقت الذي تقدم فيه حزب العدالة بالتنمية بطعون على بلديات إسطنبول، كان وزير المالية بيرات البيرق يعلن ملامح ما بعد الإقرار بالهزيمة ببدء مرحلة الإصلاحات الاقتصادية، وبحسب دراسة تركية قارنت وضع النمو الاقتصادي أثناء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية حتى الانتخابات البلدية الأخيرة، فإنّ عامل الارتباط يبدو وثيقًا، في ظل بلدٍ تشهد أعلى معدل تصويت في العالم بلغ 87%، تزامنًا مع ارتفاع معدَّل البطالة، وهو ما يعني أنّ الناخب التركي صاحب الوعي بالمشاركة السياسية ربما يعاقب الحكومة على سياستها، وهو ما ظهر جليًا في المدن الساحلية التي صوت لصالح حزب الشعب الجمهوري، العدو اللدود لحزب العدالة والتنمية.
 
لو تمّت الهزيمة فسترسم خريطة سياسية جديدة
خلال الانتخابات الأخيرة، شهدت تركيا للمرة الأولى تأسيس تحالفات حزبية على غير العادة، فـ«تحالف الشعب» ضم حزب العدالة والتنمية و«حزب الحركة القومية». أما «تحالف الأمة» المعارض فكان الأخطر، نظرًا لأنه ضم للمرة الأولى تحالفًا موحدًا ضد الحزب الحاكم، بداية من «حزب الشعب الجمهوري» أقدم الأحزاب السياسية التركية، وحزب المعارضة الرئيس، و«حزب الخير» – لم يمض عامان على تأسيسه – وكلاهما حصد مكاسب انتخابية كبيرة، رغم أن كليهما ينتمي لمعسكر سياسي مختلف؛ فالحزب الجمهوري فاز بـ20 بلدية – مقارنة بـ13 في الانتخابات السابقة – في مقدمتها العاصمة أنقرة، وهو تقدم غير مسبوق جاء بعد هزيمة عام 2018 حين حصد مرشح الحزب محرم إنجة على أكثر من 30% خلال الانتخابات الرئاسية التي فاز بها أردوغان.
 
القاعدة الشعبية للمعارضة التي ارتفعت بوتيرة غير مسبوقة، يتخوف أردوغان أن تسهم الخمس سنوات القادمة في أن تكرر المعارضة نفس تجربة أردوغان في إسطنبول استعدادًا للانتخابات عام 2023، لذا رفعت المعارضة حاليًا شعار: «لا تدع أردوغان يسرق الانتخابات»، في إشارة للتخوف من عملية إعادة الفرز من جهة، وما يمكن للرئيس التركي فعله حتى لو لم يقم بإلغاء الانتخابات من خلال استبدال رؤساء البلديات المعارضين بآخرين موالين للحكومة، كما فعل بالفعل سابقًا، وتجدر الإشارة إلى أنّ الإدارات المحلية في تركيا لا تتمتّع بأية صلاحيات سياسية، لكنّها تدخل ضمن النفوذ وتؤثر بشكلٍ أو بآخر في الانتخابات البرلمانية.
 
أما على المستوى الداخلي للحزب الحاكم، فصحيفة «حرييت» التركية فأشارت إلى أنّ خطة الإصلاحات الاقتصادية التي أعلنها أردوغان من المتوقع أن تشمل تغيير قيادات حزبية بالإضافة إلى تغيير مستوى السياسة الداخلية والأمنية والحريات، واستدلت الصحيفة أنّ ما يحدث اليوم سبق أن تكرر عام 1989، مع حزب الوطن الأم، الذي تراجعت شعبيته في الانتخابات البلدية، وخسر سيطرته على أنقرة وإسطنبول حينها، ليتصدَّر مكانه في المشهد السياسي «حزب الرفاه»، ثم انتصر بعد تغيير سياساته في انتخابات 1994، واستعاد أنقرة وإسطنبول، ثم وصل في الانتخابات البرلمانية عام 1995، وشكّل الحكومة، وهو نفسه التحدِّي الذي يواجه الحزب الحاكم للاحتفاظ ببقائه في السلطة خلال انتخابات 2023 الفاصلة.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات