حرب الموانئ.. كيف حوَّلت الإمارات القرن الإفريقي من الاقتصاد إلى العسكرة؟

حرب الموانئ.. كيف حوَّلت الإمارات القرن الإفريقي من الاقتصاد إلى العسكرة؟
مُسند للأنباء - نون بوست   [ الثلاثاء, 19 مارس, 2019 07:31:00 مساءً ]

لقرن الإفريقي، تلك المنطقة الإستراتيجية الواقعة على رأس باب المندب والمنحصرة بين البحر الأحمر شمالاً والمحيط الهندي جنوبًا، على شواطئه تشتعل حربًا باردة للاستحواذ على موانئه، حرب باتت جلية في السنتين الأخيرتين، ومع اندلاع الأزمة الخليجية عام 2017، في سبيل السيطرة على خطوط الملاحة العالمية تسارع الدول إلى حجز مواقع لها على الخارطة الجيوسياسية في الإقليم.
 
هذا الملف الساحن والمتطور وقف عنده فريق برنامج "المسافة صفر" المذاع على قناة الجزيرة؛ لتفكيك مشهد حرب الموانئ، والكشف مساعي الإمارات في منطقة القرن الإفريقي؛ لإيجاد موطئ قدم لها في المنطقة عبر احتكار إدارة موانئها، بل وحتى بناء قواعد عسكرية تمنحها القوة والنفوذ في هذه المنطقة.
 
كواليس الصراع في القرن الإفريقي
في الوقت الذي يتوسع فيه النفوذ الصيني لإحياء طريق الحرير عبر شبكة خطوط برية وبحرية لربط القارات الثلاث (آسيا وإفريقا وأوروبا)، تعمل الإمارات لوضع يديها على مواقع إستراتيجية في دول القرن الإفريقي (الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا)، وتختار لهذه الموانئ أن تعمل وفق ما ترسمه لها.
 
ظهر ذلك جليًا في الخلاف بين الإمارات وجيبوتي، المركز التجاري الرئيسي بشرق إفريقيا، ورابع أفضل دولة إفريقية طورت قدرتها على ربط العالم شرقًا وغربًا، و رغم أنها أصغر دول القرن الأفريقي، يستقبل ميناءها 850 ألف حاوية سنويًا وفقًا لاحصاءات البنك الدولي الذي يعتبر موانئ جيبوتي من أكثر الموانئ تطورًا في العالم.
 
من أجل منافسة موانئ أخرى كبيرة على البحر الأحمر مثل ميناء جدة السعودي، وعلى المحيط الهندي مثل ميناء صلالة في عُمان، تطمح جيبوتي إلى رفع كفاءة وقدرة موانئها لتتحول إلى مركز إعادة شحن دولي في المقام الأول، كونها تنفرد بموقع استراتيجي لا تتمتع به موانئ أخرى تعتمد على نشاط إعادة الشحن مثل ميناء جبل علي في الإمارات الذي يستحوذ على حصة الأسد بطاقة استعابية تبلغ 22 مليون حاوية سنويًا.
 
على إثر ذلك جاء الخلاف ووصل حد القطيعة واللجوء للمحاكم الدولية بين البلدين، خاصة بعد رفض الإمارات وشركتها قيام جيبوتي بتوسيع أو إنشاء موانئ جديدة على الساحل الجيبوتي مثل ميناء دوراليه متعدد الأغراض، الممتد من ميناء دواليه للحاويات، والذي أنشئ لتلبية الخدمات اللوجيستية لدى سفن الشحن وحاويات النفط بتكلفة نصف مليار دولار، وهو جزء من استثمار مشترك من قِبل شركة كيناء جيبوتي وشركة "ميرشنس" الصينية.
 
ومع ازدياد حدة المنافسة وانفتاح جيبوتي على كل الدول للاستثمار على أراضيها تصاعدت الخلافات مع الإمارات ووصلت ذروتها عندما قررت جيبوتي فسخ العقد المبرم عام 2006 حول ميناء دوراليه للحاويات، وقد حاولت جيبوتي تعديل هذا العقد عدة مرات، ما اُضطرها العام الماضي لتجريد شركة موانئ دبي من امتيازها، استنادًا إلى قانون أقره البرلمان في فبراير/شباط 2017، ومنح الحكومة سلطة إنهاء العقد مع مشغل الميناء في دبي، بسبب تعارضه مع المصالح الأساسية للدولة على حد قولها.
 
الأمر الذي برَّره ممثل حكومة جيبوتي الذي وقع العقد أبو بكر هادي، رئيس موانئ جيبوتي حاليًا، برفض الشركة الإماراتية استقبال السفن في ميناء دوراليه بحجة عدم وجود سعة وتوجيهها بدلاً من ذلك إلى ميناء جبل على في الإمارات، لكن بيانات البنك الدولي تؤكد أن عدد الحاويات التي تصل إلى ميناء دوراليه سنويًا لم يصل إلى سعته التخزينية المفترضة، وهو ما يفند أيضًا ادعاءات شركة موانئ دبي بأن القدرة الاستيعابية لميناء دوراليه قد تم تجاوزها.
 
منذ أن تم فسخ عقد شركة موانئ دبي تسابقت دول عدة مثل فرنسا وسنغافورة وكندا للاستحواذ على محطة دوراليه للحاويات، لكن جيبوتي كانت تثق في الصين التي ترى فيها بوابة تجارية هامة ضمن مشروعها الطموح "طريق الحرير"، ذلك المشروع الذي تضخ فيه الصين مليارات الدلارات للاستثمار في البنى التحتية العملاقة لأكثر من 65 دولة بدءًا من المحيط الهادى مرورًا بدول الشرق الأوسط وشرق إفريقيا وصولاً إلى أقصى شمال القارة الأوروبية.
 
موانئ وسجون وقواعد عسكرية
استحوذت الصين المنافس الشرس لللإمارات في القرن الإفريقي على معظم مشاريع إنشاء وتوسعة الموانئ، وكلا البلدين ينظر لجيبوتي كمفتاح من أجل الوصول إلى الدول الإفريقية الحبيسة، لكن الصين لم تكتف بتطوير البنية التحتية للموانئ والسكك الحديدية والمطارات في جيبوتي، بل قامت بإنشاء أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها، إلى جانب قواعد عسكرية أخرى لفرنسا والولايات المتحدة واليايان ومنظمة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، بالإضافة إلى قوات أجنبية لمكافحة القرصنة.
 
كما كانت للإمارات قاعدة عسكرية قبل أن يندلع خلاف بين الطرفين، طُردت على إثره الإمارات من جيبوتي، وأدَّى ذلك إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما، وكبديل عن القاعدة والميناء اللذين خسرتهما في جيبوتي، تجلى التغول الإماراتي عبر ذراع شركة موانئ دبي في القرن الإفريقي أيضًا عند السواحل الإريترية.
 
بعد خلاف الإمارات مع جيبوتي، اتجهت الإمارات إلى إريتريا ووقعت اتفاق في عام 2015، تستخدم بموجبه ميناء ومطار عصب على البحر الأحمر لمدة 30 عامًا، وينص الاتفاق على أن تدفع الإمارات مقابلاً سنويًا للسلطات الإريترية، إضافة إلى 30% من دخل الموانئ بعد تشغيلها.   
 
لكن تحقيق قناة "الجزيرة" كشف عبر صور الأقمار الصناعية أن المنطقة التي استحوذت عليها الإمارات منذ عام 2015 لم تخضع لأي أعمال تطوير أو إنشاءات لتطوير الميناء العسكري، بل تحولت لثكنة عسكرية إماراتية تنطلق منها طائراتها ضمن عمليات التحالف السعودي الإماراتي في اليمن.
 
لم ترصد الصور الملتقطة مؤخرًا أي وجود لحاويات أو سفن تجارية في ميناء عصب، وبدلاً من ذلك كانت هناك 13 سفينة، 11 سفينة عسكرية واثنتان للنقل الحربي، أمَّا مطار ميناء عصب التابع للإمارات أيضًا فظهرت فيه عشرات السفن، أغلبها لعمليات النقل العسكرية والباقي سفن قتالية.
 
يُضاف إلى ذلك وجود سجن سري يقع على السواحل الإريترية ضمن النطاق المستأجر من قِبل الإمارات، وأكد فريق تحليل صور الأقمار الصناعية وجود السجن في منطقة ساحلية بين مطار وميناء عصب، تبلغ مساحته 417 ألف متر مربع، ويضم غرفًا تحت الأرض، وهو ما يعني احتمال استخدام السجن في عمليات الإخفاء القسري المتهمة بها الإمارات من قبل المنظمات الدولية، خاصة مع وجود تقارير حقوقية تستند إلى شهادات لأهالي الضحايا عن ترحيل معتقلين يمنيين غلى سجون خارج اليمن.
 
ربما يكشف ذلك أيضًا الأهداف الحقيقية وراء سعي الإمارات إلى توسيع نفوذها في منطقة باب المندب، وهي إحدى أهم ممرات النقل البحري الرابط بين أوروبا والبحر المتوسط والمحيط الهندي وشرقي إفريقيا، كما يعتبر من أبرز الأسباب التي وضعت اليمن في مكانة استراتيجية مهمة من خلال السيطرة على الممر.
 
شركة موانئ دبي.. القوة الناعمة للإمارات
على الرغم من أن الخارطة العسكرية في اليمن ليست ثابتة أو محسومة، فإن استماتة الإمارات لبسط نفوذها على باقي المدن اليمينة المطلة على البحر الأحمر باتت حقيقة لا تقبل الشك، فاهي تبسط سيطرتها على أغلب موانئ اليمن التجارية والنفطية في محاولة منها لتوسيع نفوذها على ضفتي مضيق باب المندب دون وجود أي منافس لها.
 
لذلك لم يكن مستغربًا اندفاع الإمارات نحو موانئ الصومال، البلد الإفريقي الذي يتمتع بأطول ساحل في إفريقيا، ويطل على المحيط الهندي وخليج عدن، ويبلغ طوله 3 الآف كيلومتر، تتوزع على سواحله 3 موانئ رئيسية هي: ميناء العاصمة مقديشو وميناء كيسمايو في إقليم جوبالاند وميناء بوصاصو في ميناء بونتلاند وميناء بربرة في إقليم ارض الصومال.
 
اثنان من الموانئ الصومالية الأربعة استحوذت عليهما شركة موانئ دبي الإماراتية، في صفقات حامت حولها الشبهات، وأثارت خلافات حتى بين الصوماليين أنفسهم، فقد جرى ذلك دون موافقة الحكومة الفيدرالية في مقديشو، وترى الحكومة أن هذه الصفقات غير شرعية، لأن الإمارات تتعامل مع إقليم أرض الصومال الانفصالي الذي لم يحظ بأي اعتراف دولي، في حين تتعامل مع الإقليم كدولة مستقلة ودون الرجوع إلى الحكومة الفدرالية في مقديشو.
 
في مايو عام 2015، وقَّعت الإمارات مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي والمطل على خليج عدن لتطوير ميناء بريرة مع حق الوصول إلى مطار المدينة الساحلية المطلة على مضيق باب المندب شمالي غرب الصومال، وتُظهر صور الأقمار الصناعية التي بثتها "الجزيرة" وجود قاعدة جوية وبحرية إماراتية إلى جانب المطار، فقد قبلت حكومة أرض الصومال في فبراير/شباط 2017 طلبًا إماراتيًا رسميًا للحصول على إذن لفتح قاعدة عسكرية لها في بربرة.
 
اتفاق آخر أبرمته أبرمته شركة موانئ دبي في أبريل/نيسان عام 2017، مع إقليم بوتنلاند أو أرض البنط شبه المستقل، حيث استحوذت الشركة الإمارتية على امتياز لمدة 30 عامًا بقيمة 336 مليون دولار لتطوير وإدارة ميناء متعدد الأغراض في مديمة بوصاصو التي تقع إلى أقصى الشرق من بربرة.  
 
ليست الإمارات وحدها في الصومال، ففي سبتمبر 2014، انتقلت مهام إدارة ميناء مقديشو لشركة "بيراك" التركية، بموجب عقد أبرمته الحكومة الصومالية لمدة 20 عامًا، كما قامت تركيا بإنشاء أكبر قاعدة عسكرية لها خارج الحدود في الصومال.
 
قطر كذلك كانت لها حصة من الموانئ الصومالية بعد إبرام اتفاق مع مقديشو، في منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، لبناء ميناء "هوبيو" في منطقة مدغن وسط الصومال، وفي خطورة تعزز حضور الدوحة الإفريقي وفق الدبلوماسية الجديدة التي تنتهجها منذ فرض الحصار عليها في يونيو/حزيران 2017، وبعد الاتفاق على بناء أكبر ميناء على البحر الأحمر في السودان نوفمبر/تشرين الثاني 2017.
 
مثل هذه الاتفاقيات لم تعارضها مقديشو، فتركيا وقطر تستثمر في موانئ الصومال بالتنسيق مع الحكومية الفدرالية مباشرة بعكس الإمارات التي تؤكد مقديشو أنها دخلت من الأبواب الخلفية عبر المفاوضات السرية في يونيو/حزيران 2013 بين شركة موانئ دبي وإقليم أرض الصومال من خلال رجل الأعمال الجيبوتي عبدالرحمن محمود بوريه الذي لجأ إلى الإامرات بعد نشوب خلافات بينه وبين حكومة جيبوتي.  
 
ويكشف سباق القواعد العسكرية في القرن الإفريقي كيف أصبحت صفقات الموانئ التجارية مجرد مدخل لبناء تلك القواعد، فإلى جانب القواعد الأجنبية في جيبوتي وقواعد الإمارات في كل من إريتريا وإقليم أرض الصومال الانفصالي، باتت لتركيا أكبر قاعدة عسكرية خارج حدودها في مقديشو، ودول أخرى في الطريق، وهو ما أكسب موانئ القرن الإفريقي أبعادًا أمنية، ليس فقط لموقعها الإستراتيجي بين طرق التجارة البحرية، ولكن لقربها أيضًا من الصراعات الإقليمية.
 
بين القوة الناعمة المتمثلة في شركة موانئ دبي والقوة الخشنة المتمثلة في النفوذ العسكري تواصل الإمارات سعيها للاستحواذ على الموانئ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، لكنها تُقابل بمنافسة شرسة من دول كالصين وتركيا، ومع هذا التنافس المحموم تبدو منطقة القرن الإفريقي ذاهبة نحو مزيد من النفوذ الأجنبي، جالبًا معه صراعاته الخاصة إلى منطقة مضطربة بالأساس.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات