جيوبوليتيكال فيوتشرز: الانسحاب الأمريكي من سوريا يعكس نفوذ تركيا

جيوبوليتيكال فيوتشرز: الانسحاب الأمريكي من سوريا يعكس نفوذ تركيا
مُسند للأنباء - ترجمة: الخليج الجديد   [ الأحد, 23 ديسمبر, 2018 10:42:00 مساءً ]

أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، صباح الأربعاء الماضي، أنها ستسحب جميع القوات الأمريكية من البلاد خلال الأيام المائة المقبلة.
 
وزعم مسؤول مجهول كذلك أنه سيتم إجلاء جميع مسؤولي وزارة الخارجية في سوريا، بينما قال مسؤولون أمريكيون مجهولون لـ "رويترز" إن الحملة الجوية الأمريكية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا ستتوقف أيضا.
 
وجاءت هذه الإعلانات بعد أيام من إعلان قوات سوريا الديمقراطية، وهي جماعة متمردة من الأكراد، تدعمها الولايات المتحدة، تحقيق الانتصار في معقل "الدولة الإسلامية" الأخير في شرق سوريا. والآن مع اقتراب هزيمة تنظيم الدولة، فقد حققت الولايات المتحدة أهدافها في سوريا.
 
وسوف تتسبب مغادرة الولايات المتحدة في جعل شركائها الأكراد في سوريا وحدهم في العراء دون درع حماية. وشاركت الولايات المتحدة مع قوات سوريا الديمقراطية عبر أعوام في محاربة التنظيم.
 
ومنذ أن بدأت أنقرة عملية "درع الفرات" عام 2016، قامت أيضا بحماية وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر عضو في قوات سوريا الديمقراطية الائتلافية، من هجوم قامت به تركيا، التي تعتبر المجموعة منظمة إرهابية.
 
وبدون وجود أمريكي على الأرض، سيكون لدى تركيا حرية الانتقال إلى الأجزاء التي يسيطر عليها الأكراد في شمال وشمال شرق سوريا.
 
ويبدو أن تركيا تستعد لملاحقة الأكراد. وخلال الأسبوع الماضي، أعلنت عزمها بدء هجوم جديد شرق نهر الفرات، وادعى متحدث باسم المسلحين السوريين الموالين لتركيا، في 14 ديسمبر/كانون الأول، أنه تم حشد 15 ألف مقاتل للعملية.
 
وبعد بضعة أيام، قالت صحيفة "يني شفق" التركية إن 24 ألف جندي، بينهم جنود أتراك، مستعدون للقتال.
 
وإذا كانت تلك الأرقام دقيقة، فإن تركيا تخطط لنشر المزيد من جنودها في هذه العملية الجديدة مقارنة بما فعلته في هجومها في عفرين في وقت سابق من هذا العام.
 
كما ظهرت تقارير تفيد بأن تركيا تنقل الدبابات والمدفعية إلى حدودها مع سوريا، وإن كانت غرب الفرات. ورغم أن تركيا أعلنت أنها ستؤجل هجومها المنتظر في سوريا لفترة قليلة، فمن المرجح أن يواجه الأكراد في شمال شرق سوريا التهديد التركي وحدهم.
 
مصالح مشتركة
وعلى الرغم من أن إعلان البيت الأبيض أخذ بعض المسؤولين الأمريكيين على حين غرة، إلا أن التوقيت يبدو معقولا.
 
وسوف يمكّن إعلان هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" واشنطن من سحب قواتها من سوريا مع إظهار النصر. ولطالما شكلت الجهادية العابرة للحدود القضية الرئيسية للولايات المتحدة في سوريا.
 
ويوضح استيلاء قوات سوريا الديمقراطية على معقل "تنظيم الدولة" الرئيسي الأخير شرق نهر الفرات نجاح جهودها ضد الجهاديين باستثناء "هيئة تحرير الشام"، التي لم تتخل عنها تركيا بعد.
 
وفي وقت سابق من الحرب الأهلية السورية، أرادت واشنطن أن تلعب تركيا دورا أكثر نشاطا في الصراع. وكان أملها بالطبع هو أن أنقرة ستشارك في الحرب ضد المنظمات الجهادية مثل تنظيم الدولة.
 
لكن الحكومة التركية كانت مترددة في غزو سوريا بغرض صد الجماعة السنية التي كانت تضعف إدارة "بشار الأسد"، الذي اعتبرته تركيا خصما إقليميا. وعلى النقيض من ذلك، كانت وحدات حماية الشعب هدفا أكثر جاذبية لتركيا. وبمجرد انتزاع القوات التركية السيطرة على شمال وشمال شرق سوريا من الأكراد، وقد يحدث ذلك قريبا نظرا لتفوقها العسكري، فإنها ستقوم بإنشاء هياكل إدارية دائمة هناك، كما فعلت في عفرين، لمحاولة إنشاء منطقة استقرار دائمة.
 
ولكن القوات التركية ستحل محل وحدات حماية الشعب كهدف لهجمات تنظيم الدولة في المنطقة، مما سيجبرها على مواجهة الجماعة الجهادية.
 
وبذلك تحصل الولايات المتحدة على ما أرادته من تركيا، ليس لأن أنقرة غيرت رأيها، ولكن لأن مصالحها اتفقت مرة أخرى مع مصالح واشنطن.
 
وسوف يمهد الانسحاب الأمريكي من المنطقة الطريق للهجوم الذي تريد تركيا إطلاقه ضد وحدات حماية الشعب. وفي المقابل، فسوف يمهد هجوم تركيا الطريق لقوة عسكرية أكثر احترافية تريدها الولايات المتحدة في المنطقة لإبقاء "تنظيم الدولة" بعيدا.
 
إيقاف إيران
علاوة على ذلك، سيزيد هجوم تركيا من القيود على سلطة إيران في سوريا. ومن مصلحة الولايات المتحدة أن تقلل من مساحة الأراضي التي تستعيدها إدارة "الأسد" في سوريا بقدر ما يمكن.
 
وحتى لو استعاد "الأسد" 75% من بلاده، فإن ذلك يعني أنه لا يزال هناك 25% من الأرض خارج نفوذ طهران. ولو استمرت الحرب على نفس الوضع، من المرجح أن يستعيد "الأسد" جميع الأراضي التي يسيطر عليها المسلحون غير الأكراد، تاركا إدلب كاستثناء وحيد، قبل أن يوجه انتباهه إلى الشمال والشمال الشرقي.
 
ومع سيطرتها المنتظرة على الأراضي التي يحتلها الأكراد، فإن أنقرة سوف توقف "الأسد" قبل أن تتاح له فرصة للتعامل مع إدلب، حيث توجد تركيا أيضا. ولا يزال بإمكان إيران الوصول إلى بعض طرق الإمداد عبر جنوب سوريا، رغم أنها تتعرض لضغوط جديدة مؤخرا لدرجة أن طهران وجدت طرقا أخرى لتزويد "حزب الله" بالأسلحة والمعدات، بما في ذلك تطوير الأسلحة في لبنان.
 
وبينما تستعد تركيا لشن هجومها على شرق الفرات، فإنها تنشغل أيضا بإعداد خطة سلام لسوريا مع إيران وروسيا.
 
واتفق الثلاثي على هيكل لجنة دستورية يمكنها إنهاء الحرب سياسيا. وهي تتألف من 150 مندوبا، بينهم 50 ممثلا عن حكومة "الأسد"، و50 ممثلا عن الجماعات المعارضة في سوريا.
 
لكن لايزال الحديث قائما حول المندوبين الـ 50 المتبقين، الذين من المفترض أن يكونوا أعضاء "مستقلين"، أو بعبارة أخرى، ممثلين عن تركيا وروسيا وإيران. وتحاول تركيا جمع أكبر قدر ممكن من أوراق المساومة لتقوية موقفها في المحادثات، كما تفعل الدول في كثير من الأحيان عند التفاوض على تسوية سياسية في الحرب. وطالما لم تستخدم أنقرة تواجدها النهائي في شمال سوريا لتقويض حكم "الأسد"، فمن المحتمل أن تكون موسكو مستعدة لقبول ترتيب تبقي فيه بعض الأراضي خارج سيطرة الحكومة السورية.
 
طموحات أنقرة
وستكون مكاسب الأطراف الأخرى خسارة للأكراد السوريين. وكان الدعم الأمريكي للجماعات الكردية السورية دائما تحالفا تكتيكيا، يهدف إلى تقليل عدد القوات الأمريكية التي تقاتل تنظيم الدولة على الأرض.
 
وفي الوقت الذي تنتهي فيه المهمة، فإن واشنطن تفقد المنطق الاستراتيجي للحفاظ على هذا الدعم، خاصة وأن ذلك من شأنه أن يعرض علاقاتها مع تركيا للخطر، والتي يبدو أنها الآن في طريقها إلى الانتعاش بعد عام صاخب.
 
ويبدو أن المبعوث الأمريكي الخاص في سوريا يدعم فكرة أن تنهي واشنطن دعمها للأكراد حيث قال في كلمة ألقاها في المجلس الأطلسي، إن الولايات المتحدة "لا تقيم علاقات دائمة مع كيانات فرعية".
 
ومن بين أسباب الاعتقاد بأن هجوم تركيا المعلق سوف ينجح في هزيمة القوات الكردية بعد أن تسحب الولايات المتحدة دعمها، أنها فعلت ذلك في شمال غرب سوريا في عملية "درع الفرات" عام 2016، ومرة ​​أخرى في عفرين في عملية "غصن الزيتون" هذا العام.
 
ومع الوقت الذي يستغرقه انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، اضطرت تركيا إلى تأخير اجتياحها لفترة. وقد تواجه أيضا عقبات تشغيلية، مثلما حدث خلال درع الفرات، قد تبطئ تقدمها. ثم هناك دائما احتمال أن تكون واشنطن وأنقرة قد توصلتا إلى تفاهم خاص بحيث توقف القوات التركية تقدمها عند نقطة معينة، وإلا تستأنف الولايات المتحدة دعمها لوحدات حماية الشعب.
 
وبغض النظر، تعكس التطورات في سوريا دور تركيا المتنامي في الشرق الأوسط، والتوسع الحاصل في مصالحها الجغرافية. فلم تعد تركيا تركز على الدفاع عن حدودها، بل تحول نظرتها إلى أبعد من ذلك بكثير، ناحية الشرق.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات