دولار دافع الضريبة الأمريكي يقتل المدنيين في اليمن

دولار دافع الضريبة الأمريكي يقتل المدنيين في اليمن
مُسند للأنباء - القدس العربي   [ الأحد, 09 ديسمبر, 2018 01:12:00 صباحاً ]

توصف المحادثات اليمنية – اليمنية التي بدأت في العاصمة السويدية ستوكهولم بأنها محاولة لبناء الثقة واستئناف المحادثات المتوقفة منذ عام 2106 لوقف النزاع المستمر منذ أربعة أعوام وأنتج أكبر كارثة إنسانية يعرفها العالم حسب الأمم المتحدة.
 
ويحاول مارتن غريفيث، المبعوث الأممي جر الأطراف إلى طاولة المفاوضات والتكريس للحل السلمي الذي يوقف المعاناة اليومية للشعب اليمني والبلد الذي يعد الأفقر في العالم العربي. ومن هنا دفعت المحادثات غير الرسمية بين وفدي الحوثيين والحكومة اليمنية إلى عملية تبادل أسرى سبقتها عملية نقل جرحى من المتمردين الحوثيين إلى عمان لتلقي العلاج.
 
وحقيقة جمع الأطراف اليمنية يعتبر نجاحا لغريفيث الذي لم تنجح جولة سابقة له في إقناع الحوثيين للسفر بسبب خوفهم من عدم العودة إلى اليمن نظرا لسيطرة التحالف الذي تقوده السعودية على المجال الجوي.
 
مطالب
وجاء كل طرف متمسكا بمطالبه، فالحكومة اليمنية المعترف بها دوليا والتي يدعمها التحالف السعودي – الإماراتي جاءت بطلب خروج الحوثيين من ميناء الحديدة الذي عقدت المحادثات من أجل منع معركة شاملة عليه من قوات الحكومة اليمنية بشكل يزيد من المعاناة الإنسانية للمدنيين. 
 
فالحرب تسبب بالجوع وتدمير البنية التحتية والمرض الذي كان يمكن وقفه لو توفرت المياه الصالحة للشرب والعناية الصحية المبكرة، فيما هدد الحوثيون بمنع طيران الإغاثة الدولية من استخدام مطار صنعاء الذي يسيطرون عليه منذ عام 2014. 
 
والمشكلة في مواقف الطرفين أن كلا منهما يحاول التمسك بمنجزاته وبالتالي فأن المطالب لا تعكس الدينامية الجديدة التي أدت إليها الحرب. فالحكومة اليمنية تتمسك بثلاثة مطالب تراها مرجعية للحوار وهي مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية وقرار مجلس الأمن 2216 وهي مرجعيات لا يعترف بها الحوثيون ويطالبون بمرجعيات جديدة. 
 
والحقيقة أن الصراع اليمني خلال السنوات الماضية خلق دينامياته وفرض واقعا جديدا على الأرض ضمن اللعبة الإقليمية بين السعودية وإيران المتهمة بدعم الحوثيين، بالإضافة لما فرضته القوى المحلية اليمنية من وقائع جديدة، فقد تحولت الحرب اليمنية إلى حروب داخل حرب واحدة. فلم تعد بين حكومة معترف بها ومتمردين حوثيين بقدر ما عكس الواقع المحلي بتعقيداته وقواه المتصارعة، من وطنية وقبلية وانفصالية وجهوية وما تقوم الدول الجارة من محاولات لفرض واقع جديد على الموانئ اليمنية والمناطق الحدودية خاصة المهرة. 
 
ولهذا فالأجندة التي طرحها غريفيث في محاولته الجديدة والتي ركزت في معظمها على الجانب الإنساني من ميناء الحديدة إلى مطار صنعاء المغلق وإطلاق سراح الأسرى والبنك المركزي وحصار تعز وإيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المتضررة، هي بداية لجمع الأطراف قبل الحديث عن المطالب الرئيسية التي تتعلق بالحل السياسي الشامل وتمثيل الحوثيين الذين لا يعترف بهم التحالف السعودي ولا يرى أنهم يمثلون طرفا له مظلوميات بقدر ما أطره كحليف لإيران في المنطقة أي على قاعدة ما ينظر إليه في سوريا ولبنان والعراق حيث تهيمن طهران بطريقة أو بأخرى على مفاصل في الدولة.
 
واقعية
ومن هنا كان غريفيث واقعيا في رؤيته للمحادثات بأنها محاولة لمنح “زخم” للعملية السلمية. وقال في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”(6/12/2018) إن المحادثات توفر بارقة أمل لليمن. فقد عانى اليمنيون الكثير من العذابات والمرض والتشريد وهم يلتقطون الآن بعض إشارات الأمل. وقال إن محادثات السويد جاءت بعد بدايات متعثرة حيث وافق الحوثيون الذين يطلقون على أنفسهم أنصار الله للجلوس مع الطرف الحكومي وهي “بداية مهمة لرؤية الأطراف المتحاربة وهي تجلس للحديث، وهو حوار يتطلب من الطرفين التخلي عن اعتقادهم بأن الانتصار العسكري ممكن”. 
 
 
وأكد غريفيث على أهمية المحادثات بالنسبة لميناء ومدينة الحديدة التي تحولت منذ الصيف إلى نقطة ساخنة وتناقص عدد سكانها إلى 150.000 نسمة. وقال إن محاولات تجنيب المدينة الدمار ظلت متواصلة وضمان استمرار شريان الحياة منها وهو المساعدات الإنسانية خاصة أن غالبية الدعم الإغاثي لليمن يمر عبر هذا الميناء. 
 
ولم يطلق غريفيث على اجتماع السويد محادثات أو مفاوضات، بقدر ما هي لقاءات تشاورية على أمل التوافق في النهاية على إطار للحل يقدم لاحقا إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومن ثم لمجلس الأمن الدولي للمصادقة عليه.
 
 ولا يزال التحالف يؤمن بأن السيطرة على ميناء الحديدة هو الطريق لوقف الحرب وفرض الشروط المناسبة على الجانب الحوثي. لكن غريفيث يؤمن بأن خطوات بناء ثقة بدون الحديث عن قضايا مثل وقف إطلاق النار قد تخلق الظروف لحوار وطني كالذي جرى ما بين عام 2013- 2014 بين اليمنيين أنفسهم وكان شاملا وتميز بتنازلات أدت إلى حل. فما يطرحه غريفيث هو مستقبل مختلف للنزاع قد يؤدي في مرحلة ما لبناء السلام لا الحرب.
 
وبشكل مأساوي لا يزال خطاب الحرب سائدا لدى الأطراف.
وتعتبر محادثات السويد خطوة مهمة وإن كانت متواضعة في منظورها وما تأمل تحقيقه نظرا لتعقد الظرف اليمني لكن علينا أن ننظر إلى ما يجري من حوارات ومداولات في واشنطن حيث خلقت جريمة مقتل جمال خاشقجي جوا من الشجب لدى المشرعين الأمريكيين، ومنحت زخما لقرارات ظلت تفشل في إقناع النواب والشيوخ لقطع الدعم الأمريكي عن الحرب في اليمن بما يعني وقف المساعدات اللوجستية.
 
حوار في واشنطن
وقد اتخذت الإدارة الأمريكية لدونالد ترامب بعض الخطوات الرمزية مثل التوقف عن توفير الوقود في الجو للطيران السعودي المشارك في الغارات على اليمن. وبعد استماع الشيوخ في الأسبوع الماضي لوزيري الدفاع والخارجية دفعوا بقرار يدعو لوقف كل الدعم العسكري للسعودية في الحرب وذلك من ضمن خطوات يحاول المشرعون الأمريكيون من خلالها معاقبة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان المتهم بجريمة مقتل صحافي “واشنطن بوست”.
 
 وسيرد الشيوخ على مقتل خاشقجي بتصويت تاريخي لوقف الدعم الأمريكي للحرب في اليمن، لكن أي قرار لن يؤدي لتغيير في السياسة إلا في العام المقبل حيث هناك فرصة لحدوث تغير في السياسة الأمريكية تجاه السعودية. وتقول صحيفة “واشنطن بوست” إن الزخم لمعاقبة محمد بن سلمان على أمره بقتل خاشقجي وتوبيخ الرئيس ترامب لدعمه بن سلمان وإنكاره القتل يواجه عقبة تتعلق بنهاية الدورة السنوية للكونغرس. ولا يحب الشيوخ تخصيص ما تبقى لديهم من وقت على قضايا لا تترك أثرها حالا. 
 
واعترف السيناتور الجمهوري ليندزي غراهام بأن الوقت هو عدو المداولات بالنسبة للسعودية. ويناقش مجلس الشيوخ عدة قرارات منها فرض عقوبات على ولي العهد باعتباره متواطئا. لكن كما تقول صحيفة “واشنطن بوست” (6/12/2018) فالوقت لا يسمح بتمرير القرارات مشيرة إلى أن القرار الوحيد الذي قد يمرر هو ما تقدم به السيناتور المستقل بيرني ساندرز والجمهوري مايك لي، ويستند على قانون سلطة الحرب لوقف الدعم الأمريكي للسعودية في اليمن. ومع أن تمرير القرار سيكون رسالة قوية للإدارة مع أن بعض الشيوخ يتساءلون عن فعاليته بعد قرار ترامب وقف عمليات توفير الوقود الشهر الماضي واستمراره بالتعاون مع التحالف السعودي وتوفير المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجيستي.
 
 إلا أن مشروع القرار تجاوز عقبة الدعم عندما حصل على 63 صوتا ولو ظل الوضع كهذا فسيتجاوز الشيوخ ولكن لم يتم وضعه أمام النواب قبل بداية العام المقبل ولا شيء يمنع ترامب من استخدام الفيتو. ولن يؤثر قرار اليمن على أي إجراء عقابي يتعلق بالسعودية. وتشير الصحيفة إلى أن بوب كوركر أكبر الناقدين لترامب وولي العهد سيتقاعد في نهاية العام ولا يضمن أن خليفته في لجنة الشؤون الخارجية سيميل لمعاقبة السعودية. لكن جيمس ريستش السيناتور الجمهوري عن إيداهو الداعم لترامب ألمح أنه سيقف مع الإجماع.
 
 عامل خاشقجي
ولا يمكن في هذا السياق الحديث عن “عامل خاشقجي” في تحولات الكونغرس ضد السعودية ومطالبة الإدارة بوقف الدعم للحرب في اليمن. والمفارقة أن خاشقجي دعا في آخر مقال نشره في “واشنطن بوست” لوقف الحرب في اليمن التي قال إنها شوهت صورة السعودية ومكانتها الدينية في العالم الإسلامي. 
 
 
وناقش باحثان في مجلة “بوليتكو” الطريقة التي تم فيها التحول نحو التعاطف مع اليمن بسبب جريمة قتل بشعة وكيف أثر حادث فردي على الأرقام التي تسقط منذ سنوات ولم تكن قادرة على تحريك العالم ولا اباليته تجاه حرب تجري في مكان بعيد. وفجأة بدأت صور الأطفال اليمنيين تحتل الشاشات والصفحات الرئيسية في الصحف العالمية. وبدا الناس يتعاطفون مع الطفلة أمل حسين التي وردت في تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” التي أخذتها والدتها للمخيم حيث ماتت مما أدى إلى ردود متهكمة على الصحيفة ولماذا لم تقم بإنقاذها.
 
 وفي مقاربة طويلة كتبها نيكولاس كريستوف المعلق في صحيفة “نيويورك تايمز” (7/12/2018) حذر فيها الأمريكيين من أن ضرائبهم استخدمتها إدارة باراك أوباما وترامب لتجويع الأطفال في اليمن. وهي رسالة قوية لم نسمعها من قبل حيث ظلت الحرب بعيدة عن دافع الضريبة الأمريكي.
 
 وقال إنه أحب اليمن بعد زيارته له عام 2002 لكنه اليوم بلد في حالة تشنج وبعد استماعه للمسؤولين على طرفي النزاع توصل إلى نتيجة وهي أن التصرف الأمريكي والسعودي في اليمن عديم الضمير. فوحشية الحوثيين وعدم مصداقيتهم ليست سببا في قتل وتجويع الأطفال اليمنيين.
 
 والمثير للحنق أن الجوع في اليمن لم تتسبب به الطبيعة والجفاف وشح المياه بل عبارة عن سلاح حرب تستخدمه واشنطن والرياض لتركيع الحوثيين. فالسعوديون وحلفاؤهم الإماراتيون يحاولون الضغط على أعدائهم بذريعة أنهم حلفاء إيران ولكنهم يتسببون في معاناة الأبرياء مثل الطفل يعقوب الذي شاهده في مستشفى الصدقة في عدن وفواز وصدام حسين 8 أعوام في صنعاء وكان يعاني من فقر التغذية والكوليرا. 
 
وصور الأطفال هؤلاء لا تريد السعودية للعالم رؤيتها فقد فرضت حصارا على اليمن. ويحاول كريستوف منذ عامين الوصول إلى اليمن بدون جدوى حتى استطاع الدخول عبر طائرة تابعة للأمم المتحدة. ويقول إن الحوثيين وإن نجحوا في بعض المظاهر إلا أنهم يتصرفون كدولة بوليسية وحتى وزير خارجيتهم يؤمن أن الحل بيد أمريكا. فعندما يقرر ترامب الضغط على وكيله السعودي ويعترف أن صفقات السلاح ليست قضية أمن قومي بل هي دمار للأطفال ستتوقف الحرب.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات