لماذا يقترح عليك يوتيوب فيديو دون آخر.. هل للأمر علاقة بالتجسس؟

لماذا يقترح عليك يوتيوب فيديو دون آخر.. هل للأمر علاقة بالتجسس؟
مُسند للأنباء - ترجمة: ميدان   [ السبت, 01 ديسمبر, 2018 04:28:00 صباحاً ]

من بين جميع مقاطع الفيديو المنشورة على موقع "يوتيوب" (YouTube)، هناك مقطع فيديو يقترحه الموقع أكثر من أي فيديو آخر حاليا، وذلك وفقا لدراسة أجراها مركز "بيو" للأبحاث ونُشِرت يوم الأربعاء الماضي. هذا المقطع يسمى "Bath Song | +More Nursery Rhymes & Kids Songs - Cocomelon ABCkidTV". وقد أوصى الموقع بهذا المقطع 650 مرة من بين 696468 مُقتَرَحا تعقّبها مركز "بيو"، متفوقا بشكل كبير على المقطع الذي يحتل المركز الثاني، ألا وهي أغنية "Girls Like You" من فرقة "Maroon 5" بالاشتراك مع المغنية "Cardi B".
 
أخذت الدراسة الجديدة 147117 جولة عشوائية عبر عوالِم "يوتيوب" (YouTube). واستخدَمَت برنامجا يُولِّد مئات الآلاف من الاقتراحات عبر اختيار مقطع فيديو بشكل عشوائي، ومن ثمّ اختيار المقطع التالي بشكل آلي من بين أعلى 5 مقاطع يقترحها الموقع بعد مشاهدة المقطع. وقع الاختيار على مقطع مُقتَرَح أربع مرات متتالية لكل جولة على "يوتيوب" (YouTube). هذه المنهجية مذهلة، إن لم تكن مثالية، لاستكشاف أحد أهم أنظمة الخوارزميات في العالم، والتي ظلت غامضة إلى حد كبير بالنسبة للباحثين، ناهيك بالمستخدمين العاديين.
 
هيمنت مقاطع الفيديو المخصصة للأطفال على أعلى 10 مقترحات موصى بها من قِبَل الموقع. فبجانب "Bath Song"، هناك أيضا:
 
 (Learn Colors with Spiderman 3D w Trucks Cars Surprise Toys Play Doh for Children)
(Wheels on the Bus | +More Nursery Rhymes & Kids Songs - Cocomelon (ABCkidTV))
(Learn Shapes with Police Truck - Rectangle Tyres Assemby - Cartoon Animation for Children).
 
جميع هذه المقاطع تحوي ضمن عناوينها كلمات مفتاحية (Keywords) تبدو منطقية لنظام الخوارزمية، حتى وإن بدَت مبهمة بالنسبة للآباء. ولكن عند إلقاء نظرة عن كثب، تبدو هذه المقترحات غريبة. لماذا تُفضِّل الخوارزمية مقاطع الفيديو هذه دونا عن سائر مقاطع الأطفال على الموقع؟
 
ولكن عند النظر إلى الأمر من زاوية أوسع، تلك الزاوية التي -على الأرجح- يُوليها "يوتيوب" (YouTube) اهتمامَه، تبدو الأمور في سياقها الطبيعي. فمن بين أعلى 50 فيديو مقترحا، كان 43 منها عبارة عن مقاطع فيديو موسيقية (14)، ومقاطع فيديو للأطفال (11)، ومسابقات تلفزيونية (11)، ومقاطع عن المهارات الحياتية (7).
 
يريد "يوتيوب" (YouTube) اقتراح المقاطع التي سيحبها الناس، وأوضحُ مؤشرٍ على ذلك هو ما إذا كان قد أحبها أشخاص آخرون أم لا. وجد مركز "بيو" في دراسته أن 64% من الاقتراحات كانت لمقاطع فيديو تحتوي على أكثر من مليون مشاهدة. أما أعلى 50 مقطع فيديو يقترحها الموقع، فيكون متوسط نسبة المشاهدات فيها 456 مليون مشاهدة للمقطع الواحد. الشُهرة تولِّد الشُهرة، وهذا على الأقل من منظور المستخدمين (أو برامج التتبع bots، كما هو الحال هنا) الذي لا يعرف موقع "يوتيوب" (YouTube) الكثير عنه.
 
من ناحية أخرى، صرّح "يوتيوب" (YouTube) في عمل سابق يصف الخوارزمية المستخدَمة لديه بأن المستخدمين يُحبون المحتوى الجديد، بافتراض أن جميع العوامل الأخرى متساوية. ولكن الأمر يستغرق وقتا حتى يستطيع مقطع ما تحصيل عدد كبير من المشاهدات وإرسال إشارة للخوارزمية بأن هذا المقطع يستحق أن يكون ضمن الاقتراحات. لذلك، يكمن التحدي في كيفية التوصية بـ "مقاطع فيديو جديدة يرغب المستخدمون في مشاهدتها" بينما تكون هذه المقاطع مستجدة على النظام وتحوي عددَ مشاهدات صغير. (وقد كتب الباحثون لدى "يوتيوب" (YouTube) أن العثور على مقاطع فيديو جديدة وجذابة أمر مهم "لنشر وترويج المحتويات سريعة الانتشار viral").
 
كشفت دراسة "بيو" أن نحو 5% من المقترحات هي لمقاطع فيديو تحوي عدد مشاهدات أقل من 50 ألفا. يستطيع النظام أن يميِّز الأداء المبكر لمقاطع الفيديو (أي مدى تحصيلها للمشاهدات خلال فترة ما)، وإذا كان أداؤها جيدا، فقد تزداد أعداد المشاهدات بشكل متسارع. في إحدى الحالات، كان عدد المشاهدات لفيديو مقترح مخصص للأطفال 34,000 عندما دخله مركز "بيو" للمرة الأولى في يوليو/تموز، ليرتفع العدد ويُصبح 30 مليونا في أغسطس/آب.
 
كان سلوك النظام قابلا للتفسير بعدة طرق أخرى أيضا، وبخاصة مع تكيُّفه مع ازدياد عدد النقرات (اختيارات الفيديو) داخل نظام "يوتيوب" (YouTube). أولا: كلما استمرّ البرنامج الذي استخدمه مركز "بيو" في اختيار المقاطع، حدَّد له النظام في المقترحات مقاطعَ بمدة زمنية أطول. يبدو الأمر كما لو أن برنامج "يوتيوب" (YouTube) استطاع إدراك أن المستخدِم (برنامج "بيو" في هذه الحالة) سيتصفّح الموقع لفترة طويلة، ومن ثم يبدأ في عرض مقترحات لمقاطع ذات فترة زمنية أطول. ثانيا: بدأ الموقع في التوصية بمقاطع الفيديو المشهورة، بصرف النظر عن مدى شهرة أول مقطع تم تشغيله.
 
من المؤكّد تقريبا أن هذه الشروط لم تكن ضمن آلية اتخاذ القرار لدى الخوارزمية. ومثل معظم شركات "غوغل" (Google) الشقيقة، فإن "يوتيوب" (YouTube) تستخدم شبكات عصبية للتعلُّم العميق (Deep-Learning)، وهي نوع من البرامج التي تُعيد تشكيل مخرجاتها استنادا إلى البيانات التي تُغذّيها. ليس الأمر وكأن مهندسا لدى "يوتيوب" (YouTube) يُصدِر الأوامر قائلا: "فليقترِح الموقع على المستخدمين مقاطع فيديو للأطفال، ولتكن طويلة وذات شعبية"، ولكن بالأحرى يستنتج النظام إحصائيا أن هذه المقاطع هي الأكثر مُلاءمة من جميع الأبعاد التي يريدها "يوتيوب" (YouTube).
 
إلّا أن دراسة مركز "بيو" بها بعض جوانب القصور المهمة. يعتمد "يوتيوب" (YouTube) بشكل كبير في تخصيصه للمقترحات على سِجِل المُستخدِم (History)، والذي يستحيل محاكاته عبر الموقع. لكن ما قام مركز "بيو" باختباره هو المقترحات التي يخصصها "يوتيوب" (YouTube) لمُستخدِم مجهول. غير أن معظم مستخدمي "يوتيوب" (YouTube) يكونون مسَجَّلين ضمن الموقع، ومن ثم تُخصص المقترحات استنادا إلى سِجِل مشاهداتهم. يقول نِك سيفر، عالِم أنثروبولوجيا يَدرس أنظمة المقترحات في جامعة تافتس، إن الدراسة تفترض أن مستخدِما مجهولا يولِّد نوعا من "البيانات المبدئية" التي لن يقوم نظام التخصيص بتعديلها ومعالجتها إلا بشكل طفيف للغاية. ويستطرد سيفر قائلا: "لا أعتقد أن هذا افتراض معقول لتُبنى عليه الدراسة، وذلك نظرا لطبيعة عمل نظام التخصيص".
 
ثانيا، ظهر أكثر من 70% من مقاطع الفيديو المقترحة في القائمة لمرة واحدة فقط. من المستحيل فحص كيفية اتصال مئات الآلاف من مقاطع الفيديو بكل مقطع عشوائي أولي دون توفُّر بيانات كافية حول كل مقطع. لذا فإن دراسة مركز "بيو" تترك بعض الأسئلة الجوهرية دون إجابة. يرغب الناس في معرفة ما إذا كان "يوتيوب" (YouTube) يدفع إلى التطرف بشكل منتظِم بسبب مقترحاته، حسبما تشير الباحثة زينب توفكجي. تقترح هذه الدراسة أن "يوتيوب" (YouTube) يدفع بالمستخدم المجهول نحو المحتوى الأكثر شعبية، لا الهامشيّ. ولكن، على حد قول سيفر، قد لا ينطبق الأمر ذاته على مستخدم معتاد ذي سِجِل مشاهدة حقيقي.
 
يقول سيفر: "لا تدحض هذه الدراسة بأي حال من الأحوال حجة زينب توفكجي حول التطرف، حتى وإن كانت تُظهِر الانتقال من المحتوى المهمّش إلى الشعبي، لأن هذا بالضبط ما يُتوَقَّع أن يقوم به نظام التخصيص". على سبيل المثال، أظهرت تغريدة شهيرة على "تويتر" (Twitter) قبل عدة أسابيع لمضيف قناة "MSNBC"، كريس هايز، ما قد يحدث إذا بحثتَ في "يوتيوب" (YouTube) عن معلومات حول الاحتياطي الفيدرالي.
 
تجعل طبيعة نظام التخصيص لدى "يوتيوب" (YouTube) من عملية تتبع المقترحات بشكل كمّي أمرا صعبا للغاية. بالطبع فإن إمكانية انجرافك إلى إحدى زوايا الموقع المجنونة أمر محتمل، ولكن كم عدد المرات التي يقودك فيها الموقع عمدا إلى إحدى تلك الزوايا؟ لا يزال هذا السؤال محل جدل حادّ.
 
أما بالنسبة للأطفال، فيتمحور السؤال حول كم مرة ينقل فيها "يوتيوب" (YouTube) طفلا من مشاهدة مقاطع للأطفال كالموجودة بقناة "PBS" إلى محتوى غير لائق. قال 80% من الآباء لمركز "بيو" إنهم يسمحون لأطفالهم بتصفح "يوتيوب" (YouTube) في بعض الأحيان على الأقل، وقال أكثر من 60% منهم إن أطفالهم "شاهدوا محتوى على "يوتيوب" (YouTube) يشعرون بأنه غير مناسب للأطفال".
 
أما بالنسبة لمقالي لعدد شهر نوفمبر/تشرين الثاني من مجلة "ذا أتلانتيك" (The Atlantic) حول "يوتيوب" (YouTube) للأطفال، فقد كان رد الشركة على هذه الأنواع من الاقتراحات المثيرة للقلق هو أن "يوتيوب" (YouTube) ليس للأطفال. أخبروني أنه ينبغي للأطفال استخدام تطبيق "يوتيوب كيدز" (YouTube Kids) فقط، والذي أُنشِئ خصيصا كمساحة تصفُّح آمنة لهم. وقد أصرّوا على رأيهم هذا بعد دراسة مركز "بيو"، قائلين: "حماية الأطفال والعائلات كانت دائما على رأس أولوياتنا. ونظرا لأن "يوتيوب" (YouTube) غير مخصص للأطفال، فقد استثمرنا بشكل كبير في إنشاء تطبيق "يوتيوب كيدز" (YouTube Kids) لتوفير بديل مصمم خصيصا للأطفال".
 
وكأن "يوتيوب" (YouTube) علّق لافتة كُتِب عليها: "ممنوع دخول الأطفال" عند باب حانة، مشيرة إلى ملعب في الجوار، ولكنهم في كل الأحوال يقدمون الخدمة لأي شخص يدخل الحانة. وبالنظر إلى قلة معرفتنا بطريقة عمل نظام الموقع، فهل هذا أمر كافٍ؟ وحتى إذا قررنا، كمجتمع، أن هذا الأمر ليس كافيا، يبقى السؤال: مَن الذي يستطيع جعل "يوتيوب" (YouTube) يقوم ببذل جهد أكبر لإبقاء الأطفال بعيدا؟



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات