هل ينجح المجتمع الدولي في انتشال اليمن من أزمته الإنسانية؟

هل ينجح المجتمع الدولي في انتشال اليمن من أزمته الإنسانية؟
مُسند للأنباء - نون بوست   [ الأحد, 11 نوفمبر, 2018 12:19:00 صباحاً ]

في الـ2 من شهر نوفمبر الحاليّ، قال أنطونيو غوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة، إن 14 مليون أي نحو نصف السكان في اليمن سيتعرضون لخطر المجاعة في الأشهر المقبلة، داعيًا لتفادي كارثة وشيكة والعمل لعدة خطوات لتجنب ذلك بحسب رأيه.
 
وأوضح في مؤتمر صحفي أن من ضمن تلك الخطوات وقف العنف في كل مكان لا سيما حول البنية التحتية الحيوية والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، مرحبًا بالمشاركة القوية والبناءة من العديد من الدول الأعضاء في الأيام الأخيرة بالانضمام إلى نداءات الأمم المتحدة المتكررة بوقف الأعمال القتالية ودعم جهود المبعوث الخاص.
 
وطالب بدعم الاقتصاد اليمني بما يشمل اتخاذ خطوات حاسمة لتثبيت سعر الصرف ودفع الرواتب وزيادة التمويل الدولي حتى تتمكن الوكالات الإنسانية من توسيع نطاق وصولها حسب الضرورة، مشددًا على ضرورة أن تشارك الأطراف اليمنية بحسن نية ودون شروط مسبقة مع المبعوث الخاص مارتن غريفيث للتوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية لإنهاء النزاع.
 
ما يقوله غوتيريس هو القليل مما يواجهه أبناء اليمن بسبب المليشيات الحوثية التي سعت إلى استنزافه وقطع المرتبات على موظفي الدولة، وتحويلها إلى المجهود الحربي فضلًا عن استغلال المساعدات الغذائية الدولية التي تصل إلى مطار صنعاء والمنافذ التي تسيطر عليها المليشيات الحوثية وتوظيفها لصالح مجهودها الحربي، إضافة إلى الحكومة اليمنية التي هي الأخرى وجدت في ذلك متاجرة لزيادة الأموال وجنيها.
 
ويوم الجمعة 9 من نوفمبر 2018 أعلن برنامج الأغذية العالمي خططًا لمضاعفة المساعدات الغذائية إلى اليمن لتصل إلى 14 مليون شخص شهريًا، أي ما يقرب من نصف السكان، وذلك مع احتدام المعارك حول مدينة الحديدة، وقال البرنامج التابع للأمم المتحدة، إن الوضع في اليمن الذي يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم، يتفاقم يومًا بعد آخر، مؤكدًا الحاجة إلى مزيد من الأموال لتوفير الغذاء.
ووفقًا للمتحدث باسم البرنامج هيرفيه فيرهوسل، فإن برنامج الأغذية العالمي يقدم مساعدات غذائية لنحو 7 إلى 8 ملايين شخص يوميًا في اليمن، لكن الوضع الآن أصبح أكثر إلحاحًا إلى الدرجة التي دفعت البرنامج إلى الاستعداد لزيادة المساعدات.
 
تصاعد وتيرة الأزمة الإنسانية
في 18 من سبتمبر 2016 أصدر الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، من مقر إقامته المؤقت في الرياض قرارًا جمهوريًا رقم (119) للعام 2016 بموجبه أقال مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، وشكل أخرى جديدة، ونقله من العاصمة اليمنية صنعاء إلى عدن العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دوليًا، رغم التحذيرات الدولية من التداعيات الخطيرة على الوضع الاقتصادي للبلاد.
 
وبعد أربعة أشهر من نقله، بات اليمن على حافة كارثة أو مجاعة إنسانية وفقًا لمعطيات تقارير دولية تتحدث عنها، يقابل ذلك التقارير مسؤولي الصراع بمزيد من التشبث برأيهم ووضع شروط مسبقة للدخول في أي حوار لإنهاء الأزمة في اليمن.
 
وصول اليمن إلى هذه المرحلة، شارك فيه أطراف عدة بشكل أو بآخر، تتصارع على السلطة وهدفها الوصول إلى الكرسي دون أن تأبه إلى النفس البشرية.
 
في طليعة قائمة هذه الأسباب، المليشيات الحوثية التي اجتاحت العاصمة اليمنية صنعاء في 21 من سبتمبر 2014، وفور سيطرة الحوثيين على صنعاء، وإعلان ما يسمى "الإعلان الدستوري" للحوثيين، وتكوين لجان شعبية، اتجهت تلك اللجان إلى البنك المركزي اليمني وسيطرت عليه، لفرض واقع جديد على اليمنيين، حيث وصل الأمر أن عملية الصرف منه، باتت تتم بمخالفة للقوانين النافذة، وهو ما كان أحد الأسباب في انهيار الاحتياط النقدي للبنك المركزي اليمني، واستنزاف كل الأموال داخله لصالح المجهود الحربي للحوثيين.
 
ومنذ بداية الحرب في اليمن نزح أكثر 3 ملايين يمني عن منازلهم بسبب الحرب، وهو ما جعلهم يواجهون تحديات يومية تتمثل في البحث عن الطعام من أجل البقاء على قيد الحياة، فضلًا عن أن معدلات سوء التغذية قفزت إلى 400% خلال ثلاثة أعوام، وفقًا لتقارير منظمات إنسانية دولية.
وتوقف نحو 50% من المنشآت الطبية عن العمل، حيث قصفت بعضها من جانب التحالف العربي الذي تقوده السعودية واستخدام المليشيات الحوثية بعضها ثكنات عسكرية، بينما توقف البعض الآخر بسبب نقص التمويل.
 
وفي 16 من ديسمبر 2016، قال أكبر مسؤول إغاثة دولي في اليمن إن الكارثة الإنسانية تتفاقم في وقت تسببت فيه الحرب بتخريب الاقتصاد ووقف توزيع الإمدادات الغذائية مما يدفع البلاد إلى شفا المجاعة، وقال جامي مكجولدريك منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن في مقابلة نقلتها وكالة أنباء "رويترز" إن الأطفال يموتون في مختلف أنحاء هذا البلد، وهذا ما باتت تكرره الأمم المتحدة باستمرار.
 
ويوم الثلاثاء 6 من نوفمبر من هذا العام، حذرت المديرة التنفيذية لليونيسف هنرييتا فور من تعرض الأطفال في مستشفى الحديدة في اليمن "لخطر الموت الوشيك"، في ضوء اقتراب القتال العنيف بشكل خطير من مستشفى الثورة، مما يعرض حياة 59 طفلاً، بينهم 25 في وحدة العناية المركزة.
 
وقالت المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة المعنية بالأطفال: "الطاقم الطبي والمرضى في المستشفى أكدوا سماعهم لأصوات القصف الشديد وإطلاق النيران، والخطر الآن يتهدد إمكانية الوصول إلى المستشفى والخروج منه، وهو المستشفى الوحيد العامل في المنطقة".
 
وأضافت، في بيان صحفي أصدرته "لن يكون بوسع الأطفال بالتحديد تحمل وصول الاقتتال إلى مستشفى الثورة، ففي الحديدة والمحافظات المجاورة لها، يعاني 40% من أصل 400 ألف طفل من سوء التغذية الحاد والشديد، ويتم نقل بعض الأشد مرضًا منهم إلى المستشفى لتلقي الرعاية العاجلة".
 
المساعدات الإنسانية
تلعن الأمم المتحدة منذ العام 2016 أرقامًا متفاوتة عن الأوضاع الإنسانية في اليمن، وتقول إن أكثر من 22 مليون بحاجة للمساعدة، وفي 2017 أعلنت أن كل 10 دقائق يموت طفل دون سن الخامسة بسبب مرض كان من الممكن تفاديه، ونصف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 أشهر إلى خمس سنوات يعانون نقصًا شديدًا في التغذية، و8 ملايين شخص لا يعرفون من أين يمكن الحصول على وجباتهم التالية.
رغم أن الأرقام تعد ثابتة لم تتغير في بيانات متتالية للأمم المتحدة عن الوضع المعيشي في اليمن، فإن ذلك يشير إلى نقطة مهمة وهي أن الأمم المتحدة لم تف بالتزاماتها تجاه الوضع المعيشي في اليمن وما تعلنه يوميًا أنها أرسلت بمساعدات إنسانية لليمن يثير العديد من علامات الاستفهام عن إمكانية وصول تلك المساعدات إلى مستحقيها.
 
ومنذ التفاهم الذي وقعه التحالف العربي مع الأمم المتحدة عام 2016، تصل يوميًا طائرتان إلى أربع طائرات أممية محملة بالمساعدات الإنسانية للشعب اليمني، لكن لا يوجد ما يثبت أن تلك المساعدات التي يتم تفريغها في مطار صنعاء ويتسلمها كبار قيادات المليشيات الحوثية تصل إلى أفراد الشعب أو الأسر التي هي في أمس الحاجة لذلك، ووفقًا لتقارير ميدانية فإن المليشيات الحوثية تعمل على نهب المساعدات الإنسانية الأخرى التي تأتي عبر ميناء الحديدة، وتوظيف كل المساعدات التي تصلها لصالح مجهودها الحربي.
 
يقول سكان محليون في محافظة إب، إن الحوثيين فاوضوا الكثير من الأسر المعدمة على السماح لأولادهم بالالتحاق بجبهات الساحل الغربي وفي محافظة صعدة والبيضاء مقابل تسجيل اسم كل أسرة تسلم أحد أفراد أسرتها للحوثيين في سجلات المساعدات الإنسانية، بينما تبيع المساعدات الأخرى في السوق السوداء وبأسعار باهظة.
 
ورغم إعلان برنامج الأغذية العالمي عن خطط لمضاعفة المساعدات الغذائية إلى اليمن لتصل إلى 14 مليون شخص شهريًا، أي ما يقرب من نصف السكان، لا نتوقع أن تصل كل تلك المساعدات الإنسانية إلى اليمن بسبب الآلية التي تعمل عليها الأمم المتحدة وتسليم تلك المساعدات إلى المليشيات الحوثية التي توظفها لصالح مجهودها الحربي، وتعمل على خلق أزمة إنسانية كبيرة بغرض الضغط على الحكومة اليمنية والقبول بشروط الحوثي في أي حوارات سياسية قادمة، ولهذا لا يمكن أن توفي تلك المساعدات الغرض أو تفيد اليمنيين.
 
كيف يمكن وقف الأزمة في اليمن؟
يوميًا تزداد معاناة الإنسان في اليمن نتيجة للقوة الحديدية التي تحكم بها المليشيات الحوثية ونتيجة لما أحدثت من فارق مجتمعي كبير بين مختلف مكونات الشعب، فمنهم من يعيش حياة رخاء وغناء ويعيش كالأمراء وهم من أقرباء المليشيات الحوثية أو من ينتمون إلى الأسر الهاشمية في اليمن، بينما يعيش بقية الشعب اليمني كادحًا باحثًا عن لقمة عيش أو ما يسد رمقه مع أسرته وأطفاله.
وهذا يشير إلى أن التفاهمات السياسية مع المليشيات الحوثية ستبقي تلك الطبقة، ولن يعود اليمن إلى ما قبل انقلاب الحوثيين على الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي أو ما قبل 2010 حين كان اليمن لا يعرف الفوارق بين طبقات الشعب الذي يعد ذلك هدفًا أساسيًا من أهداف ثورة الـ26 من سبتمبر.
 
يؤكد الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه إلى اليمن مارتن غريفيث أهمية الجلوس على طاولة الحوار وإنهاء المعاناة الإنسانية في اليمن، لكن الحوثيين يرفضون ذلك وأفشلوا كل الحوارات أو المشاورات السياسية السابقة، وتلك أسباب رئيسية فيما وصل إليه الشعب اليمني من معاناة تعد الأسوأ في العصر الحديث وفقًا لتقارير دولية.
 
إن وقف الأزمة الإنسانية في اليمن يتطلب حلًا عاجلًا وسريعًا وهو الحل العسكري والتضييق على الحوثيين، وهذا عكس ما كان يدعو إليه المحللون السياسيون قبل عام من الآن، لكن استمرار الحوثيين في عرقلة الجهود الأممية في اختراق جدار الأزمة اليمنية وتسجيل أو مبادرة للصلح بين اليمنيين، وهو ما زاد تفاقم الأزمة الإنسانية، بات من الضرورة الضغط العسكري على الحوثيين من أجل إنهاء الأزمة السياسية وإجبارهم على الجنوح للسلم.
 
وإعلان الأمم المتحدة يوم الخميس 8 من نوفمبر 2018، تأجيل المباحثات السياسية في اليمن، ليس إلا نتاج تعنت المليشيات الحوثية ورفضها الحلول السياسية على مبدأ لا ضرر ولا ضرار، مستغلة الأوضاع الإنسانية الكارثية في اليمن لتحقيق مآربها وهو ما قد يطول أمد الأزمة أكثر مما هو متوقع، لهذا تتجه الدعوات إلى العودة للحل العسكري.
 
وإعلان تأجيلها لمباحثات سياسية يمكن من خلالها إنهاء الأزمة اليمنية، يبدو أنها وجدت عوائق كثيرة من المليشيات الحوثية الموالية لإيران، في سبيل اختراق جدار الأزمة اليمنية، من ضمنها رفض الحوثيين التخلي عن إيران وبرامجهم الصاروخية التي يقصفون بها المملكة العربية السعودية وعدم استعدادهم لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 2216، وهو ما جعلها تلجأ إلى تأجيل المشاورات شهرًا آخر، ويبدو أن ذلك متناسق مع أعلنته صحيفة واشنطن بوست عن رغبة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبار المليشيا الحوثية منظمة إرهابية، والهدف هو الضغط على الحوثيين للقبول بمسارات السلام.
 
لكن لا نتوقع أن يقبل الحوثيون أي وساطة أممية أو ضغط أمريكي من أجل الجلوس على طاولة الحوار بغرض تنفيذ المرجعيات الثلاثة ( قرار مجلس الأمن الدولي والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني)، لإنهاء الأزمة الإنسانية، وإنما سيقبلون الجلوس إلى تلك الطاولة أو إبداء نيتهم للتشاور حول الوضع السياسي دون أطر واضحة وحاسمة بهدف المراوغة لتخفيف الضغط العسكري عليهم في الجبهات.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات