نار الحوثيين والتحالف.. آثار اليمن بين الفقد والتدمير والبيع

نار الحوثيين والتحالف: آثار اليمن بين الفقد والتدمير والبيع
مُسند للأنباء - نون بوست   [ الأحد, 09 سبتمبر, 2018 02:03:00 صباحاً ]

في بلد اختلط فيه الحابل بالنابل، ولم يعد قادرًا على حماية آثاره التي تتعرض لأبشع تدمير ممنهج، ينسف الحوثيون تاريخه متعمدًا، بينما لا يجد التحالف العربي سهولة في استهداف أهم آثاره، والحجة لديه جاهزة.
 
مع استمرار الصراع في اليمن منذ 26 من مارس 2015 وحتى اليوم، تعرضت الآثار اليمنية لعملية تدمير ممنهجة، سواء من خلال سرقتها استغلالًا للصراع القائم أم التدمير من طيران التحالف العربي أم الحوثيين الذين اتخذوا حصونها وقلاعها مكانًا للتمترس العسكري وهو ما جعلها عرضة للتدمير.
 
هدم آثار اليمن
حاليًّا، تواجه الآثار اليمنية التي تعود أغلبيتها إلى القرن الثامن قبل الميلاد، خطر الهدم والسرقة والنهب منذ اندلاع الحرب بين الحوثيين من جهة وتحالف "عاصفة الحزم" والمقاومة اليمنية من جهة أخرى، وارتفع معدل سرقة وتهريب الآثار بشكل كبير إلى خارج البلاد التي كانت تعرف سابقًا باسم "اليمن السعيد".
 
ومنذ انطلاق عمليات عاصفة الحزم في مارس 2015 أصبحت المواقع الأثرية اليمنية مباحة أمام القصف المتبادل بين مليشيات الحوثيين من جهة، ولجان المقاومة الشعبية من جهة أخرى، وغارات طائرات التحالف العربي بقيادة السعودية من جهة ثالثة، ورصدت العديد من الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للآثار والمتاحف اليمنية أضرارًا بالغة تعرضت لها مواقع أثرية في مناطق مختلفة من اليمن.
 
ففي محافظة صنعاء تعرض "قصر السلاح" المقام على أنقاض قصر غمدان الشهير الذي يعتبر واحدًا من أقدم القصور ومن عجائب الهندسة المعمارية، إلى الدمار، سكن فيه الملك سيف بن ذي يزن آخر ملوك الدولة الحميرية الذي حكم في القرن السادس الميلادي، وذكره كتاب "الإكليل" للمؤرخ اليمني أبو محمد الحسن الهمداني، كما اعتبره الرحالة محمد القزويني أحد عجائب بلاد العرب، إضافة إلى تعرض بعض المنازل الأثرية في مدينة صنعاء القديمة وقرية فج عطان إلى أضرار بالغة، جراء القصف الذي تتعرض له العاصمة بشكل متواصل.
 
كما تعرض "مسجد وضريح الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني" الواقع في منطقة حمراء بقرية دار الحيد بمديرية سنحان لتدمير بالغ، وفي محافظة تعز تسبب القصف الجوي بتعرض "قلعة القاهرة" التاريخية التي بنيت في عصر الدولة الصليحية (1045-1138م)، إلى أضرار جسيمة، ولعبت القلعة سالفة الذكر أدوارًا عسكرية وسياسية خلال تاريخها الطويل، كما أن الأيوبيين اتخذوها مقرًّا لإقامتهم وحكمهم بعد دخولهم اليمن عام 1173، فضلًا عن أنها كانت مقرًّا لحكم الرسوليين الذين قادوا اليمن في الفترة من (1229-1454).
 
وذكرت تقارير أن الحوثيين اتخذوا القلعة مقرًّا للقصف على المواقع الواقعة تحت سيطرة المقاومة الشعبية، الأمر الذي نتج عنه إغارة طائرات التحالف العربي عليها.
 
ومحافظة عدن دُمِّرت فيها "قلعة صيرة" التاريخية التي بنيت في القرن الحادي عشر الميلادي، وكان لها دور دفاعي في حياة المدينة خلال المراحل التاريخية المختلفة، إضافة إلى تضرر "مسجد جوهرة" التاريخي، كما تعرض الطابق الثالث من "المتحف الوطني" للقصف، الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1912 في عهد السلطان فضل بن علي العبدلي.
 
آثار اليمن للبيع
كان الـ21 من سبتمبر 2014 فاتحة لعصر جديد في نهب الآثار اليمنية التي عبرت الحدود بشكل أو بآخر، فقد طال النهب الذي نشأت له سوق سوداء مفتوحة يشرف عليها قادة من جامعة الحوثيين، معظم متاحف المدن التي وصلوا إليها، وكانت البداية من مدينة عدن التي اجتاحها الحوثيون في مارس 2015 وخاضوا فيها حربًا مدمرة أتت على معظم مبانيها ومعالمها التاريخية، قبل أن تمتد أياديهم إلى متحفها الوطني في منطقة "كريتر" في قلب المدينة.
 
مع انفلات زمام السيطرة على المتاحف الوطنية عقب سيطرة الحوثيين، تحدثت تقارير عن نشوء مافيا منظمة لتجارة الآثار طالت يديها المتحف الوطني بصنعاء الذي يعد البنك المركزي للآثار اليمنية.
 
وكشفت تقارير إخبارية اختفاء العديد من القطع الأُثرية الثمينة التي يعتقد بأنها عبرت الحدود لتصل إلى تجار آثار دوليين، وكانت السلطات الأمنية السويسرية قد أعلنت مؤخرًا ضبط قطع أثرية مسروقة من اليمن وليبيا وسوريا في جنيف.
 
وكشفت العديد من المواقع الإخبارية اليمنية النقاب عن قيام جماعة الحوثي بعملية تهريب واحدة من أقدم نسخ القرآن الكريم المحفوظة في الجامع الكبير بصنعاء التي كتبت على جلد الغزال، وأضاف الموقع أن قيادات في الجماعة الحوثية باعت النسخة النادرة لرجل أعمال إيراني مقابل 3 ملايين دولار أمريكي عبر وسيط كويتي.
 
وفي مارس 2016 وُجهت اتهامات للحوثيين بتسهيل تهريب أقدم نسخة من التوراة في إطار صفقة سمحت لدفعة من آخر يهود اليمن بالتوجه إلى "إسرائيل"، وظهرت النسخة النادرة التي توارثها حاخامات اليهود اليمنيين قبل خمسمئة سنة.
 
واستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، في تل أبيب، 19 يهوديًا قدموا من اليمن إلى "إسرائيل"، وقال المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية إن المجموعة التي قدمت من مدينة ريدة تضمنت حاخام الجالية هناك الذي أحضر مخطوطة للتوراة يعتقد بأن عمرها ما بين 500 و600 عام.
 
التاريخ اليمني المفقود
يتفق علماء آثار على أن أهم حلقات التاريخ اليمني مفقودة بسبب إجراءات اللامبالاة وعدم الاهتمام التي تمارسها الدولة في التعامل معها، بحيث لا توجد إستراتيجية أمنية للمتاحف والمواقع الأثرية حتى اليوم، بينما تتعرض لغارات منظمة في مواقع غير مصانة في أكثر من محافظة.
 
وتؤكد معلومات موثوقة أن كبار المسؤولين يستحوذون على قطع آثار ذات أهمية قصوى، بل إن العديد من هؤلاء يتاجرون بها ويسهلون تهريبها.
بدورهم وجّه رؤساء البعثات الأجنبية للتنقيب عن الآثار في اليمن، تحذيرات ومناشدات للسلطات العليا من أجل التدخل لحماية المواقع، وفي العام 2009 وجّه 150 باحثًا يمنيًا وأجنبيًا شاركوا في مؤتمر الدراسات السبئية بباريس، نداءً حادًا يطالبون فيه بالتدخل الفوري لإنقاذ ما تبقى من هذه المقتنيات التي لا تقدر بثمن.
 
وفي يوليو 2014، أدانت اللجنة الوطنية لليونيسكو ما وصفته بـ"الاستهداف اليومي للتراث اليمني المادي واللامادي بالنهب والسرقة والتهريب والتدمير عبر تجار الآثار والمخطوطات وعبر تجار الحروب والميليشيات المسلحة والباحثين عن الثروة والثراء السريع".
 
ويأتي ذلك على خلفية سببين، الأول تعرض مواقع أثرية في جزيرة سقطرى (جنوبًا) المندرجة ضمن قائمة التراث العالمي، لعمليات نبش ونهب وتدمير وسرقة محتوياتها وبيعها لأحد الزوار، والسبب الثاني ورود أنباء عن تعرّض موقع براقش في الجوف للتدمير جراء حرب جماعة الحوثي القائمة مع الجيش هناك منذ أيام.
 
ومعلومٌ أن العالم صار وطنًا فعليًا لأبرز آثار اليمنيين، بحيث توجد اليوم في أهم متاحف العالم أو تعرض في المزادات على نحو سافر.
 
والثابت أن الدولة لا تستطيع الدخول لحماية مواقع أثرية في مناطق قبلية غاية في الأهمية، خصوصًا في الجوف وشبوة ومأرب والمحويت وذمار، وذلك بسبب تسلح أبناء تلك المناطق القبلية، كما أن الحفريات العشوائية تتفاقم في مواقع عدة من عصابات التهريب، بحيث إن آلاف القطع والعروش والنقوش والحلي القديمة والمومياء توجد في متناولهم لا في متناول الدولة كما ينبغي.
وبحسب المصادر فإن معظم الآثار ذات الأهمية الاستثنائية يتم تهريبها بمساندة موظفين في شركات أجنبية تعمل في اليمن أو من موظفين أمميين أو دبلوماسيين يستفيدون من ميزات تسهيلية واسعة وهم على صلة بالمتاحف والمزادات العلنية والأسواق السوداء وصالات العرض الدولية في دبي وبيروت وعمان ونيويورك وواشنطن ولندن وباريس وسويسرا.
 
وبما أن آثار اليمن تحتاج إلى سياسية جديدة وجادة أكثر مسؤولية، فإنه يجب تحويل المناطق الأثرية إلى محميات محروسة بدلاً من استمرار نهبها من مافيا الحضارات.
 
قبل سنوات كان هناك توجه رسمي لتنشيط إستراتيجية شراء الآثار من المواطنين وتشجيعهم بنداءات وطرق مختلفة، ما منحهم الثقة للتعاون، إلا أن الإجراء سرعان ما تعثر، والسبب الرئيس أن الموازنة المرصودة كانت شحيحة ما جعل حائزي الآثار يفضّلون البيع للتجار لا للدولة، وبالتالي تهربها العصابات على نحو منظّم وبأسعار خيالية، ذلك أن المهتمين بالحضارات اليمنية القديمة يقدرون آثارها جدًا، بينما يبذلون في سبيل الحصول عليها مالاً وفيرًا مدركين قيمتها المعنوية والرمزية العالية.
 
على أن استمرار افتقاد اليمن لإرادة سياسية عليا لحماية الآثار، يفاقم الجرائم عليها، ما يستدعي، تخصيص ميزانية رسمية لشرائها، مدعومة دوليًا من الشركاء الثقافيين لليمن، إذ إن غاية هؤلاء كما يعلنون دائمًا الحفاظ على هذا التراث الإنساني، والجدير بالذكر أن اليمن لا يمكنه اللجوء إلى الإنتربول لأنه لم يوقع على معاهدات اليونيسكو وجنيف، خصوصًا البنود المتعلقة بملاحقة المهربين ومحاكمتهم مهما كانت هويتهم وأينما كانوا وحلوا.
وبحسب الخبراء، فإن تجارة الآثار لا تمسّ فقط الآثار اليمنية القديمة، بل الآثار الإسلامية أيضًا، إذ بيعت مئات المخطوطات الإسلامية النادرة، وهي الآن موجودة في دول الخليج العربي عند جامعي التحف الإسلامية.
 
حصن كوكبان
ونحو هذا الصدد، قالت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في أحد تقاريرها عن الآثار في اليمن، إن حصن "كوكبان" الذي نجا من حروب القرن الثاني الميلادي التي خاضها الأيوبيون في اليمن ومن حروب المصريين والعثمانيين في الماضي ظل صامدًا حتى فبراير 2016، مشيرة إلى أن الطائرات الحربية السعودية قصفته بـ4 صواريخ حطمت بوابته التاريخية وقتلت 7 أشخاص وحولت المنازل التاريخية إلى كومة من التراب.
 
وأوضحت الصحيفة أن متاحف اليمن سُرقت وبعض الأماكن التي تصنفها منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة بأنها تراث تاريخي فريد تعرضت لقصف الطائرات الحربية، مشيرة إلى أن القصف السعودي لأماكن تمثل جزءًا من تاريخ اليمن ومصدرًا لفخرها يعد إهانة بالغة ويؤدي إلى تقويض قدرة اليمن على النهوض وإعادة البناء.
 
ونقلت الصحيفة عن محمد السياني، أحد المسؤولين عن الآثار اليمنية، أن آثار اليمن تعرضت لقدر مخيف من الدمار وهذا الدمار يحتاج إلى وقت طويل لإصلاح آثاره، مشيرًا إلى أن 85 موقعًا أثريًا تعرض للدمار بصورة مباشرة أو غير مباشرة منذ اندلاع الحرب عام 2015 التي يقاتل فيها الحوثيون مع القوات التابعة للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح ضد القوات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي المدعوم من السعودية.
ولفتت الصحيفة إلى أن قوات التحالف التي تقودها السعودية بدعم استخباراتي من أمريكا تخوض الحرب لإعادة الرئيس هادي إلى منصبه بسبب خشيتها من وجود الحوثيين الشيعة المدعومين من إيران على حدودها الجنوبية، مشيرة إلى أن تلك الحرب كانت فرصة لوجود مسلحي القاعدة وداعش فيها.
 
وأوضحت الصحيفة أن أي من أطراف الحرب لم يظهر أي احترام لقيمة تلك المواقع التاريخية، بينما نفت السعودية قيام طائراتها الحربية بقصف حصن "الكوكبان" التاريخي، وأكد المتحدث باسم قوات التحالف العربي الجنرال أحمد العسيري عدم استهداف أي منشآت أثرية أو اقتصادية أو ثقافية في اليمن.
 
ونفى كريستوفر شيروود المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، أن تكون الولايات المتحدة قد شاركت في استهداف أي مكان تاريخي في اليمن.
 
ولفتت الصحيفة إلى أن مدينة "كوكبان"التي يوجد بها الحصن تعد معقلاً للشيعية الزيدية الذين ينتمي إليهم الحوثيون، مشيرة إلى أنها كانت آخر معاقل الزيديين في الحرب الأهلية في سيتينيات القرن الماضي وتعرضت للقصف لكنها لم تتضرر بذات الطريقة التي تعرضت لها في الحرب الحاليّة.
 
صنعاء القديمة
وفي يونيو 2015، سقط صاروخ على المدينة القديمة في صنعاء أدى إلى تدمير ثلاثة منازل، أدانت ذلك منظمة اليونسكو، وعبرت عن حزنها "للتدمير الذي لحق بأقدم جواهر الحضارة الإسلامية"، وفقًا لبيان عقب الغارة الجوية.
 
وشيدت صنعاء القديمة في واد جبلي على ارتفاع 220 مترًا، وتضم ستة آلاف منزل تم بناء بعضها قبل ألف سنة، وصنفت المدينة على لائحة التراث العالمي منذ 1986.
 
زبيد والدريهمي
تخوض حاليًّا المقاومة اليمنية المشتركة المسنودة من التحالف العربي لعاصفة الحزم قتالًا شرسًا في الساحل الغربي لليمن، وخصوصًا المناطق الساحلية التي تحتض العديد من القلاع الأثرية والتاريخية، التي قد تتعرض لتدمير كبير بسبب الحرب هناك.
 
الحوثيون وضعوا كل أسلحتهم وعناصرهم على القلاع التاريخية في منطقة الدريهمي، وجعلوها مكشوفة أمام الطيران ليتم تدميرها مع تلك الحصون، وهي خطة حوثية لزيادة الضغط الدولي على التحالف العربي، بينما يقول التحالف إنه أعد خطة عسكرية محكمة تحول دون تدمير تلك القلاع الأثرية.
 
وفي مديرية زبيد ثاني أهم مديرية في محافظة الحديدة، التي سجلتها اليونسكو في قائمة التراث العالمي الإنساني عام 1993، تبدو الآثار هناك هي الأخرى مهددة بالتدمير نتيجة لتعنت المليشيا الحوثية الموالية لإيران، التي رفضت أن تجنبها القتال، حيث تمارس هناك العمليات العسكرية وأبشع الجرائم بحق أبناء المنطقة، فضلاً عن تفخيخ أهم المعالم التراثية في المدينة، ومن سيتجنب القصف من الطيران سيتم نسفه بتلك المتفجرات من المليشيات الحوثية.
 
زبيد، مدينة يمنية تشكل موقعًا ذا أهمية أثرية وتاريخية استثنائية، بفضل هندستها المحلية والعسكرية وتخطيطها المدني، بالإضافة إلى أنها كانت عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر.
 
وتضم مدينة زبيد القديمة التي ظلت لقرون درة معمارية ومركزًا للعلوم الإسلامية، نحو 2400 منزل تقليدي، يتراوح تاريخ بنائها بين 200 إلى 600 سنة، ووصفها المستشرق الفرنسي بول بوننفال بـ"أكسفورد الشرق".



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات