موقع عربي: المصريون سيدفعون ثمن إغلاق مضيق باب المندب

ليس ارتفاع سعر الواردات فقط
مُسند للأنباء - عدن   [ الثلاثاء, 31 يوليو, 2018 06:21:00 مساءً ]

قبل شهر واحد من انطلاق العملية العسكرية السعودية في اليمن «عاصفة الحزم»، وفي منتصف فبراير/شباط 2015، نقلت وكالة أسوشييتد برس عن مسؤولِين أمنيِّين مصريِّين قولهم إن مصر أسَّست قوة انتشار سريعة خاصة، تستطيع التدخل إذا هدد الحوثيون الممرات الملاحية في البحر الأحمر ذات الأهمية الاستراتيجية، وسط المخاوف التي تصاعدت وقتها من سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب.
 
لكن التهديد المصري، طوال 3 سنوات من الحرب، لم يُترجَم على الأرض، أو بالبحر؛ إذ شاركت مصر مشاركة خجولة في الحرب الطويلة التي قادتها السعودية ضد جارتها الجنوبية. لكن الآن يبدو الوضع مختلفاً، فعلى الرغم من التطمينات الحوثية، بعدم المساس بالمررات البحرية، والتي كانت قد حصلت عليها مصر قبيل بدء الحرب، حين استضافت وفوداً يمنية تبحث عن التأييد، قررت الرياض وقف ناقلاتها النفطية من العبور من خلال المضيق قبل أسبوع، بعد الحديث عن استهداف حوثي لناقلتي نفط سعوديتين.
 
المراقبون تحدثوا عن اتجاه سعودي للضغط على أسواق النفط العالمية، أو دعم أصوات الصقور في الإدارة الأميركية ضد إيران، أو حتى الضغط على دول الاتحاد الأوروبي وروسيا من أجل اتخاذ إجراءات أكثر حسماً لإنهاء الحرب في اليمن مرة واحدة وإلى الأبد.
 
تهديدٌ جدّي إذاً، أو على الأقل هذا ما تراه السعودية، لكن مصر العسكرية لم تُعلّق بعدُ رغم أن القرار يمسها بشكل مباشر. قرار السعودية قد يحمل في جعبته للمصريين وللعالم أكثر كثيرًا مما يحمله لليمنيين.
 
«باب المندب».. عمّ نتحدث تحديداً؟
مضيق باب المندب هو ممر مائي استراتيجي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب. ويقع المضيق على الحدود البحرية لكل من اليمن وإريتريا وجيبوتي، وتبلغ المسافة بين ضفتيه نحو 30 كيلومتراً من رأس منهالي في الساحل الأسيوي إلى رأس سيان على الساحل الإفريقي.
 
ويُعتبر المضيق من أهم ممرات النقل والمعابر البحرية بين أوروبا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي وشرقي إفريقيا.
 
وتعززت أهمية «باب المندب»، الذي يقع ضمن إدارة محافظة تعز اليمنية، بعد افتتاح قناة السويس عام 1869. وازدادت أهميته بوصفه واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم، مع ازدياد أهمية نفط الخليج العربي. ويُقدَّر عدد السفن وناقلات النفط العملاقة التي تمر فيه بالاتجاهين بأكثر من 21 ألف ناقلة بحرية سنوياً.
 
ولأن المضيق يقع تحت سيطرة دول نامية، فقد تواترت محاولات القوى الكبرى للسيطرة على المضيق، كما أقامت عدة دول قواعد عسكرية بالقرب من المضيق.
 
وتبقى أهمية «باب المندب» مرتبطة ببقاء قناة السويس أولاً ومضيق هرمز ثانياً مفتوحين للملاحة، أمام ناقلات النفط خاصة. وتهديد هذين الممرين أو قناة السويس وحدها يحوِّل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح.
 
إذاً قناة السويس هي الخاسر الأكبر
لن نكون مبالغين إذا قلنا إن عدد السفن التي يمر بمضيق باب المندب هو عدد السفن التي يمر بقناة السويس؛ إذ إن هذه الممرات مسؤولة عن قرابة 12% من حركة التجارة العالمية، وإذا كانت هناك شركة فرنسية أو إسبانية تريد أن ترسل بضائع إلى الهند، أو شرقي آسيا، فإن الطريق الأمثل يمر بقناة السويس ثم البحر الأحمر ثم «باب المندب» فالمحيط الهندي؛ لذلك فغلق المضيق يعني عملياً غلق قناة السويس، التي تختصر زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا بنحو 15 يوماً في المتوسط.
 
تمثل قناة السويس المصدر الثالث أو الرابع (حسب الأعوام محل الدراسة) للدخل القومي المصري، بالتبادل مع النفط، وبعد تحويلات المصريين في الخارج وإيرادات السياحة، ومع غلق مضيق باب المندب ستخسر مصر 5 مليارات دولار على الأقل من عائدات القناة السنوية، وربما أدى ذلك على المدى الطويل إلى إيجاد ترتيبات لوجيستية للتجارة البحرية العالمية بعيداً عن المنطقة المضطربة، لا سيما بالنظر إلى الخشية السعودية من القدرات المتزايدة للحوثيين، وهو ما يعني أن المزيد من الدول والشركات الكبرى قد تتوقف عن استخدام ممر السويس الملاحي.
 
لكن أسعار النفط سترتفع للغاية
عكس الموقف السعودي مدى هشاشة سوق النفط العالمية واعتمادها في الغالب على عدد محدود للغاية من الممرات الملاحية، خاصة مع تزامن تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، وتضرر قناة السويس المباشر من إغلاق «باب المندب». ولذلك، فعلى الرغم من المخاوف السعودية، رأى بعض المراقبين أن السعودية تحاول أن تضغط على عدة أصعدة من خلال إيقاف شحناتها عبر مضيق باب المندب
 
فمن ناحية، يعني إغلاق «باب المندب» غياب قرابة 3.8 مليون برميل من النفط و»المنتجات النفطية المكررة» والتي تمر يومياً عبر المضيق إلى أوروبا وآسيا والولايات المتحدة، وهي نسبة تتجاوز 6% من إجمالي تجارة النفط العالمية. هذا سيؤدي -بلا شك- إلى ازدياد سريع في أسعار النفط ما لم تجد الدول المصدِّرة للنفط حلاً بديلاً، وما إذا أرادت السعودية السيطرة على الأسعار. فبإمكان الرياض استخدام أنابيبها النفطية التي تربط بين منابع النفط في المنطقة الشرقية، وميناء ينبع على البحر الأحمر، وهو ما قد يقلل الحاجة بشكل كبير لاستخدام مضيق باب المندب، أو على الأقل سيكون لاستخدامه دور في التقليل من الأضرار المتوقعة من غلق المضيق، وسيسمح لجزء كبير من تجارة النفط باستمرار السريان عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد الذي يربط بين السويس والبحر المتوسط.
 
وفاتورة النفط سيدفعها المصريون لا الحكومة
وإذا كان المصريون لن يشعروا بالضرر المباشر من انخفاض إيرادات قناة السويس، فإنهم بالتأكيد سيكونون أمام معضلة حقيقية إذا زاد سعر النفط. فقد حددت الحكومة المصرية سعر النفط عند حد 67 دولاراً للبرميل في موازنة البلاد، ووصل سعر البرميل في الوقت الحالي إلى حدود 75 دولاراً. وبالبحث في الموازنة، وقيمة الدعم، فإن ارتفاع سعر النفط دولاراً واحداً يزيد الضغط على الخزانة العامة لمصر بـ4 مليارات جنيه دفعة واحدة، أو ما يمثل نحو 0.08% من الناتج الإجمالي، وفقاً لتقديرات وزارة المالية.
إرباك سوق النفط قد يكون هدفاً سعودياً عاماً؛ للإضرار بإيران وللدفع نحو مزيد من التصعيد للحسم في اليمن، لكن رصاصة الإرباك هذه ستصل إلى المصريين قبل أن تصل إلى الحوثيين في اليمن.
 
الدولة المصرية تتجه إلى رفع الدعم عن المحروقات؛ ولذلك فإن زيادة أسعار النفط ستعني على المدى المتوسط، وربما القصير، تحمُّل المواطن المصري أعباء إضافية مع المزيد من رفع الأسعار المتوقع من أجل التخفيف عن الموازنة، وهي الزيادة التي لن تُوجَّه لسوق المحروقات فحسب، ولكن أيضاً ستشمل السلع كافة تقريباً، التزاماً بخطط صندوق النقد الدولي الذي يسعى الرئيس المصري للحفاظ على دعمه.
 
هل يحارب المصريون إذاً؟
الضغط السعودي الذي يستهدف العالم وقواه الكبرى يمكن اعتباره الاستدعاء الأبرز للتدخل العسكري المصري منذ بداية الحرب، فلأول مرة يصبح أمام الجيش المصري تهديد ماثل، يطول مصر بشكل مباشر، ويتطلب تدخلاً سريعاً لوقف الضرر
 
لكن هذا الاستدعاء لا يمثل المشهد كاملاً؛ إذ تكتمل الصورة بالنظر إلى التاريخ القريب للتعاون العسكري السعودي-المصري. فقد موَّلت السعودية شراء مصر حاملتي طائرات هليكوبتر من طراز «ميسترال» الفرنسية، حيث كانت مصادر فرنسية قد أكدت أن السعودية ودول الخليج الأخرى ساعدت مصر بوقت سابق في الحصول على معدات عسكري فرنسية، شملت مقاتلات «رافال» التي وُقِّع عقدها في فبراير/شباط من عام 2015. وهو الوقت نفسه الذي تحدث فيه المصريون عن تجهيزهم لحملة بحرية في حال أُغلقت المضايق.
 
ربما يبدو الآن خيار تحريك قطع بحرية مصرية، من ضمن تلك التي موَّلتها السعودية، هو الخيار الأقرب للواقع، خاصة إذا ما استمر التحذير السعودي من خطر الحوثيين.
 
 
عربي بوست 




لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات