"أسبوع النقاد" في بيروت: تشرّد وترحال ومهمّشون

مُسند للأنباء - وكالات   [ السبت, 14 يوليو, 2018 05:17:00 مساءً ]

تُعتبر تظاهرة "أسبوع النقاد" من أبرز الفعاليات المرافقة لمهرجان "كان" السينمائي. فالأمر لا يقتصر على كونها الأقدم بين التظاهرات، بل كونها اكتسبت خلال عقود، المصداقية وتقدير المتخصصين. الهدف الأساسي من "أسبوع النقاد" هو البحث، ودعم وإتاحة الفرصة لتجارب سينمائية جديدة، تقدم عملها السينمائي للمرة الأولى. وقد أثبتت الآلية فاعليتها حين أضاءت على تجارب سينمائيين هواة، ما لبثوا أن شكلوا علامات في تاريخ السينما المعاصرة، نذكر من أبرزهم: المخرج الصيني/هونغ كونغ وان كار واي، والبريطاني كين لوتش، والأرجنتيني غاسبار نوه، والأميركي جيف نيكولاس، والعديد من الفرنسيين مثل: جاك أوديار، جولي بيرتوشيللي، وريبيكا زلوتسكي.
 
تمكنت التظاهرة من إقناع جهات خاصة، ومؤسسة مهتمة بتخصيص جوائز مستقلة لأسبوع النقاد، عن تلك التي تشهدها المسابقة الرسمية للسعفة الذهب. فأصبحت هناك جائزة تشجيعية للفيلم الطويل الأول لمخرجه، وجائزتان للأفلام القصيرة، جائزة موهبة التمثيل الواعدة، وجائزة خاصة بالسيناريو الأول لتشجيع الكتاب، وأخيراً جائزة تشجيعية للتوزيع داخل فرنسا.
 
ضمت تظاهرة هذا العام في دورتها السابعة والخمسين: 10 أفلام طويلة، و13 فيلماً قصيراً. بالإضافة إلى عروض خاصة لثلاثة أفلام طويلة وقصيرة. بالطبع، تتنوع الدول والثقافات التي تنحدر منها هذه الأعمال السينمائية، وهي بأكملها ستنتقل إلى بيروت كما يحصل منذ سنوات بالتعاون بين مهرجان "كان"، مؤسسة ميتروبوليس – لبنان، والمعهد الفرنسي في لبنان، وستعرض في سينما صوفيل بين 23 تموز و 3 آب.
 
جائزة الفيلم الطويل هذا العام، نالها الفيلم البرازيلي "ديامانتينو"، عن حكاية لاعب كرة قدم بمهارات على مستوى عالمي، لكن موهبته تهجره في أهم مباريات حياته، ويبدو أن قدراته لن تعاوده مجدداً. هكذا، يتابع الفيلم محاولات ديامانتينو، العثور على معنى جديد لحياته عبر الترحال الطويل، فتقوده التجارب لاكتشاف التصادم القائم بين أوضاع المهاجرين واللاجئين، وبين الخطاب الفاشي المستمر في التصاعد. أحداث أخرى تكشف له تجارة أعضاء بشرية تمارس بكثافة، وذلك كله من أن دون أن يتخلى عن سعيه الدائم إلى الكمال. الفيلم من إخراج غابريل آبرانته، ودانييل شميت.
 
الفيلم اليوناني "آخر أيام السنة"، للمخرجة جاكلين ليمتزو، نال جائزة الفيلم القصير. تغيب شمس اليوم الأخير في العام، ويحضر بريق القمر، بينما صوفيا تستمر في الترحال داخل سيارتها. يراودها حلم ترفض أن تشاركه مع أي كان. وحين تعبر الصحراء، يكتمل يقينها بأنها مصابة بمرض، مهما حاولت التعامل معه بخفة، فإنه يبدد أي أملٍ لها بالبقاء على قيد الحياة. وهكذا نتلمس موضوعة الترحال في فيلمي الجائزة، الطويل والقصير.
 
الجائزة الثانية للفيلم القصير نالها فيلم "يوم الزواج"، للمخرج الفرنسي من أصول جزائرية إلياس بلقدار. الفيلم يتابع حياة محتال فرنسي منفي في الجزائر، يعتاش هناك من عمليات احتيال صغيرة، لكنها تزداد تشابكاً حتى يدرك أنه في دوامة أشبه بالسجن، قضبانه حدود سماء حياته.
 
جائزة الأداء التمثيلي الصاعد نالها فيلكس ماريتود، مؤدي الشخصية الرئيسية في الفيلم الفرنسي بعنوان "متوحش". الشاب العشريني (ليو)، الذي يبيع جسده لقاء مبالغ نقدية تمكنه الإستمرار في حياة التشرد والقاع في المدينة، لكن مشاعر جديدة تنتاب ليو تدفعه للاعتقاد بأنه عاشق. "متوحش" من إخراج كاميل ناكيت.
 
جائزة التأليف كانت للفيلم الإيسلندي "امرأة في حرب" من تأليف وإخراج بينيديكت إيرلينكسون. عن امرأة خمسينية "هالة"، تقرر النضال ضد صناعة الألمنيوم التي تشوه مناطق عيشها، وتدمر مقدرات منطقة الأراضي العالية المميزة في أيسلندا. لذلك تغامر هالة بكل ما تملك لمواجهة الآثار السلبية لهذه الصناعة، لكن حضور فتاة جديدة في حياتها سيلعب دوراً في تغيير المصائر والأحداث.
 
الجائزة التشجيعية للتوزيع في فرنسا، كانت من نصيب الفيلم الهندي "لأجل السيد المالك"، للمخرجة روهينا جيرا. في بومباي، تعمل رانتا خادمة منزلية عند عائلة آشوين واسعة الثراء. تعتقد رانتا في البداية أن حياة سيدها آشوين، قريبة من المثالية والكمال، لكن نظرتها هذه لا تلبث أن تتبدد، حين تشعر بأن آشوين لا يسعى لتحقيق طموحاته أو ما يعتقد أنها أحلامه، في أنها لا تملك خياراً إلا السعي اليومي وبذل الجهود في العمل. يرصد الفيلم التجربة الحياتية لعالمين على هذا القدر من الإختلاف، وربما التناقض.
 
عروض أفلام خاصة
افتتحت تظاهرة هذا العام بعرض خاص للفيلم الأميركي "نار وحشية"، للمخرج بول دانو. تجري أحداثه في الستينات، حيث الطفل "جو" يراقب عاجزاً، إنهيار علاقة أمه وأبيه.
 
عرض خاص للفيلم البلجيكي الطويل "حروبنا"، للمخرج غيليام سوميز، يروي حكاية موظف "أوليفر"، يجهد لمحاربة الفساد في مجال عمله، لكن الأمور تتغير مع انسحاب زوجته "لورا" التدريجي من الحياة العائلية ومغادرتها للمنزل. يبقى أوليفر وحيداً أمام متطلبات تربية الأطفال، وبين الجهود التي تتطلبها حياته المهنية. يجد اوليفر نفسه مضطراً لتحقيق التوازن بين المُربّي والموظف، لأن لورا لن تعود للظهور مرة أخرى.
 
وثمة عرض خاص آخر، للفيلم الفرنسي الطويل "شهرزاد"، عن علاقة حب بين مراهق خرج للتو من السجن، وفتاة يقابلها اسمها شهرزاد. يصوّر الفيلم عالم الضواحي المهمشة في مدينة مرسيليا، للمخرج جان مارلين.
 
ثلاثية فانتازية قصيرة
ثلاثة أفلام قصيرة عرضت أيضاً بشكل خاص في "أسبوع النقاد"، وهي تتشابه في ابتكارها لعوالم فانتازية. الأول، "السقطة" (بوريس لابيه)، فيلم تحريك يتخيل انقلاباً حاسماً بين سكان عوالم السماء وسكان العالم السفلي، يقدم تصوراً لكيفية تكوّن الجحيم، وكيفية تشكل دوائر ستصبح هي الجنة.
 
الثاني، الفيلم اليوناني "النوع الثالث" (يورغوس زويس) تجري أحداثه إثر تعرّض الأرض لكوارث دفعت النوع الإنساني للهرب والعيش في الفضاء، لكن علماء الآثار يضطرون إلى العودة إلى الأرض للكشف عن حقيقة الإشارات ذات الطبقات الصوتية الخماسية التي تصلهم من الأرض.
 
آخر الثلاثية الفانتازية، الفيلم الفرنسي "ما بعد القيامة" (برتراند مانديكو)، في استديو تصوير لفيلم مستقبلي، أو ما بعد قيامي، نتابع العلاقة العاطفية التي تجمع الممثلة والمخرجة، ومن ثم التقلبات الحادة التي تعيشانها في محطة فضائية معزولة كإستديو تصوير.
 
هذه باقة أفلام مختارة ستعرض في بيروت ضمن تظاهرة "أسبوع النقاد"، حيث نتلمس موضوعات تتماثل بين الأفلام، رغم تنوع مشارب مبدعيها: الطبقات المهمشة، حياة التشرد، الهروب عبر الترحال، هي موضوعات تشغل صانعي الأفلام المعاصرين، سواء من كان منهم ينتمي إلى ثقافة المدن الرأسمالية الكبرى، أو أولئك الذين يحاولون التعبير عن جغرافية الهوامش. فتتكرر في الأفلام، هذا العام، تلك الشخصيات التي تعيش في القاع، في التنقل ليلاً، تعتاش من الجريمة، وتهيم بالتشرد هرباً من القيود الإجتماعية. هذه المعالجات السينمائية تبدي تماثلاً بين المشكلات التي تؤرق الفنان، وتلك التي يعانيها الهامش أو المهاجر.
 
 
(*) من 23 تموز – 2 أب. سينما صوفيل. كل العروض تبدأ الساعة الثامنة مساء.




لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات