لماذا تثور إيطاليا على الاتحاد الأوروبي؟

مُسند للأنباء - ميدان   [ الأحد, 03 يونيو, 2018 01:15:00 صباحاً ]

قبل ثلاثين عاماً، نشر خبيران اقتصاديان إيطاليان -وهما فرانشيسكو جيافازي وماركو باغانو- ورقة بحثية توضح السبب الذي يجعل الحكومات تلتزم بالاتفاقيات الاقتصادية الدولية التي تقيد خياراتها السياسية. وقالا أن القيود الخارجية هي ثمن المصداقية؛ من خلال تكتيف أيديهم، صرّح صناع السياسات إلى الأسواق بأنهم ملتزمون بسياسات مسؤولة ولكنها مؤلمة وربما غير شعبية. وبتحليل توقعات السوق، جعل صانعو السياسات تحقيق أهدافهم المحلية أكثر سهولة وأقل تكلفة.
    
على مدى عقدين تقريباً، بِدءاً من أواخر الثمانينيات وحتى بداية الأزمة المالية العالمية في 2008- 2009، استخدم صناع السياسة الإيطاليون هذا المفهوم الخاص بالقيود الخارجية -بالإيطالية: vincolo esterno- لإدخال إصلاحات جوهرية على المعاشات التقاعدية وأسواق العمل والموارد المالية الحكومية. حتى رئيس الوزراء رومانو برودي استخدم القيود الخارجية لمساعدة إيطاليا على تلبية متطلبات الانضمام إلى اليورو.
 
ومع ذلك، أعلنت الحكومة الإيطالية الجديدة -وهي تحالف بين "حركة النجوم الخمسة" الجماهيرية اليسارية (M5S) والتيار اليميني الشعبي "رابطة الشمال"- وضع حد لهذا النوع من الإشارات عن طريق التقييد. يرد هدفهم في وثيقة مؤلفة من 58 صفحة تغطي كل شيء من السياسة الزراعية إلى التعليم الجامعي، وينص على إجراء إصلاحات دون التزامات دولية. لن تكون أيدي ايطاليا مقيدة بعد الآن.
 
رئيس الوزراء رومانو برودي (رويترز)
   
 
تكمن المشكلة في أن القيود الدولية التي وافقت عليها الحكومات السابقة لم تختف. لا تزال روما متداخلة في إجراءات الاتحاد الأوروبي لتنسيق سياسات الاقتصاد الكلي، والتي تتطلب منها تخفيض ديونها وعجزها وإصلاح المؤسسات الاقتصادية الأخرى. علاوة على ذلك، تعتمد إيطاليا على الأسواق الآن أكثر من أي وقت مضى. إذا غيّرت الأسواق فجأة توقعاتها بشأن إيطاليا (إذا اعتقدت الأسواق أن الحكومة الجديدة لن تلتزم بتعهدات سابقة) فإن الاقتراض سيصبح أكثر تكلفة وسيصبح صنع السياسة أكثر تعقيدًا؛ كان جيافازي وباغانو محقيْن في ذلك.
 
يبدو أن شركاء التحالف الجدد لا يهتمون بذلك. في الواقع، يبدو أنهم يتوقون لإثبات أنهم على استعداد للدفع مقابل الحصول على مساحة أكبر للمناورة. هذه الرغبة في التخلص من القيود الخارجية هي أمر بالغ الأهمية لفهم كيفية تعامل الحكومة مع كل من الاتحاد الأوروبي وأجندة الإصلاح المحلية الخاصة بها. وهذا يفسر السبب في أن الكثير من الإصلاحات التي يقترحها التحالف -بما في ذلك تلك المتعلقة بالمعاشات التقاعدية ودعم الدخل والتمويل الحكومي والإصلاح الضريبي والإشراف المصرفي- تتعارض مع التزامات إيطاليا الأوروبية ولماذا يرد قادة حركة النجوم الخمسة ورابطة الشمال بسرعة على أي تصريحات أوروبية حول أهمية اتباع القواعد. في يوم الثلاثاء، حذر زعيم رابطة الشمال "ماتيو سالفيني" فرنسا من "دس أنفها في شؤون الآخرين".
 
الأهم من ذلك أن هذه الرغبة في التحرر من القيود الخارجية تفسر لماذا يكون تشكيل الفريق الوزاري أقل أهمية من الالتزامات العامة المرسومة في اتفاق التحالف. وسواء قامت الحكومة الجديدة بتعيين خبير اقتصادي أو سياسي كوزير للمالية، فإنها ستقوم بالرد على أي محاولة من قبل جهات خارجية لإجبارها على كبح جماح طموحاتها، والتي تنطوي على إحداث ثورة في كيفية فرض الضرائب على الأسر والشركات، ومعرفة كيفية التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين وطالبي اللجوء، وكيف تعمل دولة الرفاهية الإيطالية لدعم المسنين والفقراء والباحثين عن عمل والأشخاص الذين لا يستطيعون إعالة أنفسهم.
   
حمى الإنفاق
يوم الأربعاء، بعد أن وافق الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا أخيراً على تعيين جوزيبي كونتي رئيساً جديداً للوزراء، سرعان ما أعلن سالفيني أولويات الحكومة للأشهر الثلاثة الأولى من ولايتها، بما في ذلك: تخفيض الضرائب وإبطال إصلاحات المعاشات التقاعدية غير الشعبية التي تم تمريرها في عام 2011 في ظل حكومة إدارة الأزمة برئاسة ماريو مونتي. بعض هذا سيكون بسيطاً نسبياً؛ لا يستطيع التحالف الجديد تغيير قانون الضرائب الإيطالي جذرياً في الأيام المائة الأولى له، ولكنه يمكنه القضاء على بعض الضرائب المفروضة على البنزين والبدء في تغيير معايير استحقاق معاشات التقاعد، على سبيل المثال من خلال استبدال شروط السن بسنوات العمل ومن خلال السماح للنساء التقاعد في وقت سابق عن الرجال.
 
قد تبدو هذه كتغييرات متواضعة، لكنها ستكون باهظة الثمن. ووفقاً لتقديرات كارلو كوتاريللي -مدير الشؤون المالية السابق في صندوق النقد الدولي- فإن إلغاء الضرائب غير المباشرة سيؤدي إلى أكثر من 7 بلايين دولار من العائدات المفقودة، في حين سيؤدي التغيير في المعاشات إلى إضافة 9.4 مليار دولار من الإنفاق. وعلاوة على ذلك، فإن تكاليف إصلاحات المعاشات التقاعدية ستزداد على المدى الطويل مع تزايد عدد الأشخاص الذين سيبلغون سن التقاعد في سن مبكرة.
 
في غضون ذلك، يتوقع الاتحاد الأوروبي أن تجد إيطاليا مدخرات/توفيرات أخرى بقيمة 5.8 مليار دولار لتحقيق أهدافها المالية لهذا العام، و 11.7 مليار دولار لتجنب الزيادة التلقائية في ضرائب القيمة المضافة المقرر إجراؤها في يناير/كانون الثاني 2019 كجزء من التزامات الاتحاد الأوروبي . ومن هنا لا يكفي النظر إلى ما تفعله الحكومة الجديدة في مائة يوم لها، بل ما لا تفعله أيضاً مهم  أن يُؤخذ في الاعتبار.
 
التصرف
ستكون الفجوة بين سياسات الحكومة الجديدة وتوقعات الاتحاد الأوروبي واضحة في الوثيقة الاقتصادية والمالية المعدلة التي يتعين على الحكومة تقديمها إلى المفوضية الأوروبية في سبتمبر/أيلول. تحدد هذه الوثيقة التأثير المتوقع لسياسات الحكومة على حساباتها المالية حتى تتمكن اللجنة من تقييم ما إذا كانت إيطاليا ستلتزم بالقواعد الأوروبية للحد من الديون والعجز. إذا كان التقديم الإيطالي ينحرف على نطاق واسع عن المعايير الأوروبية، سيكون من الصعب تجنب مواجهة من نوع ما.
 
يبدو أن الحكومة الجديدة تريد هذه المواجهة. على الرغم من أن ماتاريلا قد أصر مراراً وتكراراً على أن أي رئيس وزراء يرشحه يجب أن يحترم وضع إيطاليا في أوروبا، فإن نفوذه سيقل بشكل كبير بمجرد حصول الحكومة الجديدة على أغلبية في مجلسي البرلمان الإيطالي. يجب أن يحدث هذا في مطلع الأسبوع المقبل؛ عندما يحدث ذلك، فإن رئيس الوزراء -وليس الرئيس- سوف يصبح مسؤولاً عن البرنامج العام للحكومة. ويخشى الكثيرون من أن كونتي -وهو أستاذ قانون غامض يتمتع بخبرة ضئيلة في السياسة- لن يتمتع بحكم ذاتي يُذكَر بالنسبة إلى سالفيني أو لويجي دي مايو (زعيم حركة النجوم الخمسة). ومع ذلك، فإن القيود الأكثر أهمية على كونتي تنبع من السياسات التفصيلية المتفق عليها في عقد التحالف والتي تحدد برنامج الحكومة الجديدة.
 
بصيغته الحالية، يتضمن هذا البرنامج عدداً من المواضع التي تبدو مصممة لتوجيه نوع من الاستجابة من أوروبا. على سبيل المثال، يتضمن عقد التحالف فقرة طويلة حول الألم الذي عانت منه العائلات العادية عندما تمت إعادة هيكلة البنوك الإيطالية أو تم حلها في 2015 و 2016 خلال رئاسة زعيم الحزب الديمقراطي ماتيو رينزي. ويتعهد العقد بإيجاد طرق لضمان أن يتم تعويض العائلات في المستقبل عن أي خسائر تتكبدها نتيجة التعرض للسندات والأسهم البنكية.
 
    
لويجي دي مايو (زعيم حركة النجوم الخمسة) (رويترز)
   
 
إن مثل هذا الالتزام يتعارض مع الإصرار الهولندي والألماني المتكرر على أن يتقاسم مستثمرو البنوك العواقب عندما يتخذ مديرو البنوك مخاطر غير ضرورية. وعلى الرغم من أن الأوروبيين الشماليين يجادلون بأن البنوك يجب أن تكون محدودة في تعرضها للديون السيادية (الديون العامة) التي تصدرها بلدانهم الأصلية (خوفا من أن تصبح الموارد المالية الحكومية والاستقرار المالي متشابكين بشكل وثيق)، يصر عقد التحالف الإيطالي على ضرورة إعادة النظر في أسلوب التعامل لممتلكات الديون السيادية من قبل البنوك على المستوى الدولي.
 
هناك أمثلة أخرى يظهر فيها عقد التحالف رغبة في التفكير خارج الصندوق الأوروبي. على سبيل المثال، يقترح البنك وضع التزامات ديون سيادية صغيرة جداً يمكن استخدامها كدفع للمتأخرات الحكومية، ثم يتم تداولها من قبل المستفيدين في الأسواق الثانوية، الأمر الذي سيساعد إيطاليا كثيراً في الدفع لبرنامج سياستها الطموح. في المقابل، يمكن إعادة هذه السندات إلى الحكومة كدفع للالتزامات الضريبية؛ هذه طريقة مثيرة للتفكير في المالية الحكومية. تكمن المشكلة في أن إنشاء سندات دين صغيرة قابلة للتداول يمكن استخدامها كوسيلة للدفع تشبه إلى حد كبير طباعة النقود، والذي يعتبر لعنة للبنك المركزي الأوروبي. من الصعب رؤية كيف سيبقى البنك المركزي الأوروبي أو المفوضية الأوروبية هادئين بشأن هذا الابتكار. من الصعب أيضاً رؤية كيف ستدفع الحكومة الإيطالية الجديدة فواتيرها وتفي بالتزاماتها الجديدة بالإنفاق بدونها.
 
 
التحرر
وبالنظر إلى أن العديد من المقترحات الواردة في العقد الحكومي من المرجح أن يتم إسقاطها من قبل الاتحاد الأوروبي، فهناك إغراء لاعتبارها نوعاً من انحراف مؤقت، والذي سيتعرض للضبط حيث تضطر إيطاليا إلى مواجهة الواقع. يقارن الكثيرون الحكومة الجديدة بالحكومة الشعبوية** التي تقلّدت السلطة في اليونان في عام 2015. بقيادة حزب اليسار المتطرف "سيريزا" (ائتلاف اليسار الراديكالي)، تلك الحكومة جاءت في رفض إجراءات التقشف الأوروبية، ويبدو أن وزير المالية غير التقليدي يانيس فاروفاكيس يستمتع بصراعه مع نظرائه الأوروبيين. ولكن في النهاية، قبل حزب سيريزا الطبيعة الملزمة للقيود التي فرضها الاتحاد الأوروبي (كما فعل شعب اليونان). الأمل هو أن تتعلم الحكومة الإيطالية الجديدة من التجربة اليونانية بدلاً من فرض مواجهة مع أوروبا.
 
إن الواقع أكثر تعقيداً؛ الائتلاف الإيطالي الجديد ليس أول حكومة إيطالية تتخلى عن الفكرة القائلة بأن "القيود الخارجية" ضرورياً لمصداقية السوق. من عام 2008 إلى عام 2011 ، دفعت الحكومة بقيادة سيلفيو برلسكوني ضد طلبات الاتحاد الأوروبي لإصلاحات التقاعد وغيرها من إجراءات التوحيد المالي في الوقت الذي تقاوم فيه الضغوط على أي نوع من أنواع خطط الإنقاذ الدولية. عندما استسلم برلسكوني أخيراً لمطالب القادة الأوروبيين باتخاذ إجراء سياسي أكثر حسماً، تم استبداله بـ مونتي. كانت الحكومتان التاليتان أقل تمرداً، ولكن في الفترة ما بين 2014 إلى 2016، أصبح ماتيو رينزي أكثر حزماً بشأن رفع القيود الأوروبية على العديد من القضايا نفسها التي تثيرها الحكومة الائتلافية الجديدة، مثل حماية الدائنين من البنوك الصغيرة ورفض القيد على مقدار الديون السيادية الإيطالية التي يمكن أن تحتفظ بها البنوك الإيطالية.
 
الفرق هذه المرة ليس بمسألة لهجة وإنما كونها مسألة جمهور. آمنت حكومة رينزي بأهمية مصداقية السوق وكانت راغبة في إجراء إصلاحات -مثل "قانون العمل" الذي ينص على المزيد من مرونة سوق العمل- من أجل إثبات كفاءتها. التحالف الجديد أقل قلقاً بشأن المصداقية في الأسواق  من المصداقية مع الناخبين الخاصين به. لقد انتقل الشعبويون الإيطاليون إلى ما وراء "القود الخارجية" ليس لأنهم يؤمنون بأن القيود غير ضرورية، بل لأنهم يعتقدون أنها ليست ذات صلة. السؤال الذي يطرح نفسه هو كم سيكلف هذا الاعتقاد.
 
--------------------------------




لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات