رمضان وأدباء اليمن: بعيدا عن الحرب وقريبا من الذات

رمضان وأدباء اليمن
مُسند للأنباء - القدس العربي   [ الإثنين, 28 مايو, 2018 02:14:00 صباحاً ]

 أصبحت اليمن بسبب الحرب أشبه بسجن كبير، ويضاعف رمضان من المعاناة داخل ذلك السجن مع افتقار غالبية الناس لضرورات العيش؛ وتتضاعف معاناة الأدباء هناك خلال هذا الشهر، ذلك أنه يفرض عليهم عزلة إضافية للعزلة التي فرضتها الحرب، خاصة مع توقف ما تبقى من أنشطة ثقافية كتقليد يمنيّ رمضاني متعارف عليه منذ ما قبل الحرب… هنا تحدث لـ«القدس العربي» عدد من الأدباء في صنعاء عن طقوس حياتهم في رمضان تحت نير الحرب:
 
عزلة وخوف
 
القاص زيد الفقيه، يرى أن علاقة الأدباء اليمنيين في صنعاء تحديداً برمضان اختلفت كثيراً عما كانت عليه قبل الحرب؛ فقبل الحرب كانت لهم طقوسهم الرمضانية التي يفتقدونها حالياً، واختلف معها رمضان كثيراَ، من خلال الذهاب إلى العمل الحكومي صباحاً والعودة عصراً والترتيب مرة أو مرتين في الأسبوع مع عدد من الزملاء على القيام برحلة عقب العصر إلى مدينة صنعاء القديمة والإفطار في الجامع الكبير، ومن ثم القيام برحلة في بعض شوارع المدينة قبل الذهاب لسوق اللقمة لتناول العشاء، ومن ثم العودة إلى البيت، حيث يتم استكمال جدول الحياة اليومية من قراءات وكتابات متنوعة مع متابعة الأخبار السياسية. أما الآن خلال الحرب فالوضع، اختلف كثيراً، واختفت كثير من الطقوس تحت القصف وبفعل الحرب، حيث لم تعد هناك كهرباء، وبالتالي لك أن تتصور الحال بدون كهرباء، كما لم تعد هناك مرتبات ومكافآت وحوافز، ولم يعد هناك وضع عام مستقر يمكن من خلاله التنزه والمشي في أي مكان باطمئنان، مثلما كان الوضع في السابق، علاوة على أن انقطاع الكهرباء وتوقف صرف الرواتب زاد من تعقيد الحياة؛ فأصبح من الصعب أن يتم استخدام الطاقة الشمسية المتوفرة لديك في المنزل، مع كثرة استخدامها في رمضان، في ما يمكّنك من استخدام أجهزتك الإلكترونية الخاصة ببرامجك الثقافية والإبداعية كالقراءة والكتابة؛ كما أنه خلال رمضان يتراجع الوقت المتاح للقراءة والكتابة وتتكرس عزلتك على الآخرين؛ وهي عزلة أصبحت متوفرة من قبل رمضان بسبب الحرب، لكن في رمضان تصبح العزلة أكثر؛ وهي مناسبة نستغلها لمراجعة الذات وممارسة التأمل والدعاء إلى الله أن يفرّج عن بلادي وتتوقف الحرب وتنطلق اليمن متجاوزة واقعها إلى آفاق جديدة تنتصر فيها الدولة للإنسان والمجتمع والقيم الجوهرية للحياة.
 
نقد الذات
 
الشاعر والناقدة آمنة يوسف يمثل لها شهر رمضان فرصة سانحة للتجلي في كافة المستويات، بدون أن يقتصر على الجانب الديني، ومكاشفة الروح بإيجابياتها وسلبياتها، كأسلوب من أساليب نقد الذات بعد عام كامل من أعوام السنة، بدءاً بالشهر الفضيل رمضان وانتهاءً به، فمحاسبة النفس مسألة تتعمق أكثر وقت الصيام. بالنسبة لي بوصفي مبدعة ومثقفة، يعني لي رمضان الكثير، وفرحتي به لا تسعها فرحة، لأن فضائله النفسية تفوق مكانته بالنسبة لي من الناحية العملية، ودعني أعترف لك بأنه لم يمر شهر رمضان من كل عام بدون أن ألتزم فيه بمشروع علمي، سواء من حيث التأليف أو من ناحية القراءة الواعية لكنوز الكتب. ومعظم كتبي إن لم يكن كلها، تتفتح أزهار عناوينها وفهارسها وموضوعاتها المهمة في شهر رمضان المبارك، والحمد لله، في الليل يطول زمن التجلي والكتابة والإبداع، وأجدني أنجز ما يصعب عليّ إنجازه طوال العام؛ فالشكر لربنا الرحمن الرحيم، والحب كل الحب لأهلي وجيراني وأصحابنا، ولعل دعاءنا الصافي الخالص يرحمنا بقرب الانفراج مما سببته لنا الحرب من هم وكرب، وضيق وفقر، ما يقرب من أربع سنوات تجرعنا فيها الخوف والحزن والبؤس والفقر، وتزايدت الأزمات الخانقة بارتفاع الأسعار في كل شيء وانقطاع المرتبات وانقطاع الكهرباء وسقوط العملة اليمنية، فحسبنا الله ونعم الوكيل فيمن أوصلنا إلى هذا الحال البائس، ونتمنى من جميع أطراف النزاع أن يعودوا إلى جادة الحق والصواب، وأن يتحاوروا حواراً سلمياً، وأن يوقفوا مطامح المجرمين من تجار الحروب».
 
استجمام
 
الروائي سمير عبدالفتاح، هو أيضاً ممن يعتبرون رمضان مناسبة مهمة للاستجمام الذاتي والروحي، ومحاولة تجاوز ضغوط الحياة وما فرضته أجواء الحرب طوال العام. يعتبر هذا الشهر بمثابة فرصة لممارسة نظام ونمط حياتي مختلف يتغير فيه كل شيء، سواء ما تشاهده أو ما تسمعه وغير ذلك، بما ينعكس لاحقاً على علاقتك بالحياة. في رمضان يتغير نمط حياتك داخلياً في علاقتك بالذات أو علاقتك بالعائلة، وخارجياً في علاقتك بتجاربك وبالمجتمع؛ لأنه يفرض عليك واقعا مختلفا تضطر معه إلى أن تتغير وتعيش نمطاً مختلف؛ فيتغير نمط القراءة والكتابة؛ فرمضان قد يكون أشبه بإجازة أو استجمام روحي، ونحن في اليمن نحرص كمبدعين أن نعيش أجواءه، لاسيما ونحن في هذه المرحلة، وهو ما ينعكس بلا شك على حياتك بعد رمضان، حيث تعود أكثر إيجابية؛ وهو ما نأمله؛ فالمبدع بحاجة إلى مساحة من التأمل والاستجمام ، ورمضان فسحة مناسبة لذلك».
 
صفاء
 
الشاعر محمد محمد العديني يمثل له رمضان فرصة يتيح فيها للذات أن تكون أكثر صفاء وأكثر ثراء لتتجاوز مرحلة ما قبل رمضان، كل لحــظة من حياتي اعتبرهــــا مرحـــلة من مراحل اكتشاف الذات وإعادة صياغة رؤيتي للعالم، ورمضان ربما يكون المحطة الأكثر صفاء في هذه الناحية، واعتبره المناسبة الأكثر قدرة على اكتشاف الذات، وعلى الإنسان أن يستغلها على هذا الصعيد. 
 
«كل شيء يكاد يتغير نسبياً في هذا الشهر بما فيها القراءة؛ فالقراءة في رمضان تتركز غالباً على القراءات الروحية، وبالذات القرآن الكريم، ومعه قراءات في الثقافة الروحية المتعلقة به، لكن لا يمنع هذا أن تدخل قراءات أخرى بين الفنية والأخرى. كما أن رمضان يمثل مناسبة مهمة للصيام وبالذات الصيام عن القبح الذي يتجاوز الامتناع على الأكل والشرب إلى ممارسة صيام الجوارح وصيام الروح والذهن، وحياتي في رمضان هي هكذا.
أحرص خلال هذا الشهر أن أكون أكثر صفاء وأكثر ثراء روحيا واســتعيد خلاله توازني النفسي والروحي، لاسيما أننا في مرحلة استثنائية تعيشها البلاد ويصبح معها الكاتب بحاجة ماسة لمناسبة كهذه يتخفف فيها مما علق بروحه من آثار الحرب ويعود فيها لحياته أكثر قوة وجمالا لمواجهة واقعه، وينتصر من خلالها على آثار الحرب في روحه وذاته.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات