كيف يعيد ترمب ونتنياهو سيناريو صدام مع إيران؟

مُسند للأنباء - ميدان   [ السبت, 26 مايو, 2018 01:56:00 صباحاً ]

لا يبرع رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في شيء كبراعته في جذب انتباه متابعيه حين يتحدث، لا يقتصر الأمر على نبرة صوته الهادئة وتحركاته المدروسة أو حتى تعبيرات وجهه التي تكمل حديثه بعناية، ولكنه يبقى أحد السياسيين الأبرع عالميا في الاستفادة من الأدوات الدعائية والمساعدات البصرية، بداية من ذلك الخط الأحمر الذي وضعه على رسم تخطيطي لقنبلة كاريكاتورية إيرانية في الأمم المتحدة عام 2012، إلى شظية لطائرة بدون طيار إيرانية حملها معه في فبراير/شباط الماضي خلال مؤتمر الأمن السنوي في ميونيخ، إلا أنه في تلك المرة الأخيرة كان نتنياهو حريصا على أن يبدو أكثر ثقة حتى بالمقارنة بمهارته المعتادة، ومن جديد كانت إيران هي الهدف المحبب لبيبي لاستعراض مهاراته الخطابية.
 
كان خطاب نتنياهو المتلفز هذه المرة أقرب لعرض تمثيلي حي قدمه رئيس الوزراء على أحد مسارح مبنى وزارة الحرب الإسرائيلية الكائن في حي "قيريا" بتل أبيب. مرتديا بزته الرسمية المعتادة، ومحافظا على نفس النبرة الهادئة، حرص نتنياهو على جذب انتباه مستمعيه منذ اللحظة الأولى بالتأكيد على أنه يوشك على عرض شيء لم يشهده العالم من قبل، وسرعان ما بدأت المشاهد في التدافع لشاشة العرض: مقتطفات قصيرة من أحاديث كبار المسؤولين الإيرانيين، بداية من المرشد الأعلى "علي خامنئي" مرورا بالرئيس "حسن روحاني" وانتهاء بوزير الخارجية "جواد ظريف"، يجزم جميعهم فيها -بصيغ مختلفة- بأن إيران لم تنو في أي وقت تطوير برنامج استخدام عسكري للطاقة النووية، قبل أن يسدل الستار على أحاديث المسؤولين الإيرانيين، لتحتل شاشة العرض عبارة بيضاء بارزة بخط أسود واضح: "إيران تكذب".
 
عشرون دقيقة لا غير استغرقتها كلمات "بيبي" حملت أقصى ما يمكن من مهارات الاستعراض الخطابي، أبرزها حين قام بإزاحة ستار أسود على المسرح كاشفا عن كومة من الملفات والأقراص المضغوطة المصفوفة بعناية استعراضية أيضا: 55 ألف وثيقة و183 قرصا مدمجا، تحوي عددا مماثلا من وثائق ادعى نتنياهو أن المخابرات الإسرائيلية قامت بالحصول عليها من مقر سري بقلب طهران مطلع العام الحالي، وهي تثبت من وجهة نظر نتنياهو وبما لا يدع مجالا للشك أن إيران انتهكت اتفاقية العمل المشتركة التي تم توقيعها بإشراف دولي عام 2015، ورفعت بموجبها العقوبات عن طهران.
 
ولكن لسوء الحظ كانت الحقائق التي عرضها نتنياهو أقل إبهارا بكثير من أدائه الاستعراضي، حيث شملت سلسلة لوثائق دون تواريخ تصف خطة نووية إيرانية تحمل اسم "عماد"(1) وتهدف في نهاية المطاف لصناعة خمسة رؤوس نووية بقدرة 10 كيلو طن لكل منها قابلة للحمل على صواريخ بالستية، وهي ترسانة غير قادرة على الردع بحال بل وربما فقيرة ومثيرة للسخرية من وجهة نظر المتخصصين، ولكن المفاجأة الحقيقية تكمن في أن الوثائق التي عرضها نتنياهو تؤرخ لخطة تعود لما قبل عام 2003، والأكثر دهشة أن أيًا من المعلومات التي أوردتها الوثائق لم تكن جديدة على الإطلاق.
 
ففي عام 2011، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرها حول البرنامج النووي الإيراني، تقرير تناول الخطوط الرئيسة لمشروع عماد الذي طورته إيران بشكل أساسي خلال عامي 2002 و2003، بعد أن صنف نظام الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش إيران كأحد الأضلاع الثلاثة لمحور الشر، دافعا النظام الإيراني للسعي لامتلاك أسلحة نووية بأسرع ما يمكن لتفادي مصير مماثل لنظيره العراقي.
    
في واقع الأمر، كان تقرير الوكالة الدولية أكثر تفصيلا بكثير مما نعرفه للآن من وثائق نتنياهو، وقد وصفت(2) الوكالة بدقة خطة "عماد" مستعينة بوثائق واضحة حول تطوير المنشآت النووية وعمليات تخصيب اليورانيوم، وتطوير تصميم الرؤوس الحربية، وعمليات النمذجة والمحاكاة، والتحضير للاختبارات النووية، وهي العناصر الرئيسة التي ضمنها نتنياهو في عرضه.
 
يبدو من البديهي والمعلوم بالضرورة للجميع -باستثناء نتنياهو فيما يبدو- أن اقتراب طهران من حوز القدرة على تطوير أسلحة نووية، ومحاولتها السابقة للقيام بذلك، هي السبب الرئيس الذي دفع الدول الست، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا والصين، منذ البداية للسعي للتوصل لصفقة مع طهران لتحجيم برنامجها النووي، إلا أن نتنياهو وترمب على ما يبدو نسيا، أو يتناسيان، أن البرنامج ظهرت بشاراته الأولى قبل سبعة عقود، وبدعم كبير وقتها من واشنطن التي اعتبرت النظام الإيراني أهم حلفائها في الشرق الأوسط في خضم المواجهة مع السوفييت، وبمباركة كاملة(3) من إسرائيل التي كانت تنظر إلى نظام الشاه كحليف وحيد للكيان العبري وسط بيئة إقليمية شديدة العداء، إلا أن ذلك التناسي لا يمحو التاريخ بحال، والأهم أنه لا يمحو خُدع الحاضر الواضحة.
    
طهران الأمريكية
على مدار عقود سعت واشنطن لمنع طهران من امتلاك تكنولوجيا يمكن أن تسمح لها بتطوير أسلحة نووية، ولكن من عجيب المفارقات أن يكون السبب الرئيس في امتلاك إيران للبنية التحتية لبناء هذه الأسلحة في المقام الأول هو أن الولايات المتحدة منحتها للأولى طواعية خلال الفترة بين عامي 1957 و1979 كجزء من استراتيجية الحرب الباردة المعروفة باسم «الذرة من أجل السلام».
 
تعود تسمية الاستراتيجية(4) لخطاب شهير للرئيس الأمريكي "دوايت أيزنهاور" يحمل نفس الاسم، ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1953، بعد ثمان سنوات فقط من اختراع القنبلة الذرية، وفي وقت كانت الولايات المتحدة حريصة على منع هذه الأسلحة الجديدة والمخيفة من الانتشار في جميع أنحاء العالم. خلال خطابه، افترض أيزنهاور بغرابة أن تشجيع الاستخدام غير العسكري للتكنولوجيا النووية في أغراض مثل توليد الكهرباء أو تطوير النظائر الطبية قد يثني الدول عن استخدامها لصنع أسلحة نووية، ويقدم بديلا أفضل عن الحظر الدولي الذي سيدفع الدول للسعي لامتلاك التكنولوجيا لأغراض خبيثة من خلال أبواب خلفية.
 
من ناحية أخرى، كان أيزنهاور ينظر لمبدأ تزويد الدول الأخرى بالتكنولوجيا كوسيلة لكسب النفوذ عليها وتحقيق الأهداف السياسية الأمريكية. ولهذه الغاية، قدمت واشنطن مساعدات نووية للدول التي أرادت التأثير فيها، وفي مقدمتها إسرائيل والهند وباكستان وإيران.
 
كانت الولايات المتحدة قد ألقت برهاناتها كلها وقتها على شاه إيران "محمد رضا بهلوي" عندما تدخلت لإعادته للسلطة، وهندست الانقلاب الشهير على رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا "محمد مصدق". كانت واشنطن تنظر لطهران كحليف استراتيجي ضد السوفييت بالأخص بسبب موقعها الجغرافي المتاخم للأراضي السوفيتية، ما سمح للأولى باستخدام طهران كقاعدة لمراقبة التحركات السوفيتية.
 
قدمت واشنطن وقتها دعما مفتوحا وغير مشروط لخطط الشاه(5) النووية، بدأ مع مساهمتها في تأسيس مركز طهران للأبحاث النووية، وتزويد البلاد بمفاعل أبحاث صغير بقدرة 5 ميجا وات، وتغذيته باليورانيوم عالي التخصيب. وبحلول عام 1973، كان برنامج إيران النووي يخطو خطوات متقدمة حين كشف الشاه عن خطط لتوليد 2300 ميجا وات من الطاقة النووية في إيران بحلول نهاية القرن، وأسس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية خصيصا من أجل الاضطلاع بهذه المهمة.
 
صورة للرئيس جيرالد ر. فورد وشاه محمد رضا بهلوي من إيران (مواقع التواصل الإجتماعي)
    
 
على مدار السنوات التالية، أبرمت إيران العديد من العقود المتعلقة بالتكنولوجيا النووية مع الموردين الأجانب، واستثمرت في التعليم والتدريب النووي، حيث دفعت مليار دولار للحصول على حصة 10% في مصنع لتخصيب اليورانيوم في "يوروديف" الفرنسية، وحصة 15% في منجم لليورانيوم بناميبيا، كما وقعت عقدا بقيمة 700 مليون دولار لشراء اليورانيوم الأصفر من جنوب إفريقيا، وأرسلت فنييها للخارج لتلقي تدريبات نووية. وبحلول عام 1979، كانت طهران قد طورت بنية تحتية نووية مثيرة للإعجاب، ولكن البلاد كانت على موعد مع ثورتها "الإسلامية" والتي تسببت في قلب مسار النووي الإيراني رأسا على عقب.
 
الدولة المارقة
لم يكن قيام "الثورة الإسلامية" خبرا جيدا بالنسبة للنووي الإيراني، فمن ناحية، تسببت الثورة في هرب الكثير من الكوادر النووية الإيرانية خارج البلاد، ومن ناحية أخرى، فقد كان "آية الله الخميني" أحد أبرز المعارضين للتكنولوجيا النووية، وأدى ذلك في نهايات المطاف لتفكك البرنامج النووي الإيراني، وتعليق العمل في المشاريع النووية التي بدأها الشاه، غير أن الحرب العراقية الإيرانية جددت اهتمام إيران، ودفعت الخميني لطلب المساعدة من شركاء دوليين لاستكمال بناء برنامج البلاد النووي.
 
مع نهاية الحرب أواخر الثمانينيات، وقعت إيران اتفاقات تعاون نووي طويلة الأجل مع كل من باكستان والصين، شملت الحصول على ثلاثة مفاعلات نووية صينية، كما عهدت لروسيا بمهمة تطوير مفاعل بوشهر الذي توقف العمل به خلال عهد الشاه، ولكن واشنطن مارست ضغوطًا على بكين للتراجع عن اتفاقها مع إيران، كما عرقلت اتفاقية لطهران مع الأرجنتين لتخصيب اليورانيوم وإنتاج الماء الثقيل، في حين ضغطت على النظام الروسي الجديد والضعيف لتقليص تعاونه، ورغم ذلك واصل العلماء الروس تقديم المساعدات الفنية للإيرانيين لتطوير دورة الوقود النووي، كما ساهمت موسكو في تطوير مفاعل الماء الثقيل في "آراك".
 
ولكن الضغوط على طهران تكثفت بشكل ملحوظ مع مطلع الألفية وخطاب محور الشر الشهير، وما تبع ذلك من كشف مثير(6) للجدل لمنظمة تدعى المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (NCRI)، وهي الذراع السياسي لمنظمة "مجاهدي خلق" المعارض الأبرز للنظام "الإسلامي"، حيث كشفت المنظمة عن وجود منشآت نووية غير معلن عنها بالداخل الإيراني، بما في ذلك مجمع تخصيب "ناتانز" ومفاعل "آراك"، ما دفع الوكالة الدولية للطاقة الذرية للقيام بعدد من عمليات تفتيش المرافق، وبدأت إرهاصات الصدام بين طهران والعالم.
 
ولتفادي الإحالة لمجلس الأمن، دخلت إيران في مفاوضات مع فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة من أجل التوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي، وأسفر ذلك عن توقيع اتفاقية باريس عام 2004، لكن الانفراجة لم تدم طويلا، حيث تلقت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "CIA" في نفس العام آلاف الصفحات من المعلومات حول قيام طهران بإجراء تعديلات على صاروخ شهاب 3 لحمل رأس نووية،  تزامنا مع اكتشاف وكالة الطاقة الذرية امتلاك طهران أجهزة طرد مركزي متطورة من طراز P-2 غير مدرجة في إفصاحاتها الرسمية، وتبين لاحقا أنها حصلت عليها من باكستان.
       
 
قادت الكشوف الجديدة لتزايد معدلات الصراع، ومع قدوم عام 2006 انهارت المفاوضات، وتراجعت طهران عن التزامها الطوعي بالبروتوكول الإضافي واستأنفت التخصيب في منشأة "ناتانز"، ما دفع القضية لمجلس الأمن ليبدأ سلسة عقوبات دولية عبر تجميد الأصول الأجنبية لاثني عشر فردا وعشر منظمات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
 
 
ردا على ذلك، أعلنت إيران أنها بصدد بناء منشأة ثانية لتخصيب اليورانيوم في نفق تحت الأرض بالقرب من مدينة "قُم" باسم منشأة "فودرو"، مع مستويات تخصيب غير مسبوقة تقترب من 20%. ومن أجل ثني إيران عن خططها الجديدة، دخلت الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة لألمانيا في محادثات مع طهران لإقناعها بتسليم 1200 كجم من اليورانيوم منخفض التخصيب، وهو نصف مخزون إيران تقريبا، مقابل الحصول على 120 كجم من اليورانيوم المخفض بإشراف سلمي، وقد رفضت طهران شروط الاتفاق، وأعلن الرئيس أحمدي نجاد أن بلاده ستبدأ في تخصيب اليورانيوم عند معدلات 20% وأنها ستشرع في بناء 10 مرافق إضافية للتخصيب، وردت واشنطن بقانون جديد يفرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تزود إيران بالوقود.
 
توالت العقوبات في الأشهر التالية واتسعت دائرتها، وشملت خطوط الشحن الرئيسة للجمهورية الإسلامية والمؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري، وأحبطت واشنطن اتفاقا لتبادل الوقود المخصب بالوقود غير المخصب توسطت فيه البرازيل وتركيا. وفشلت جهود استئناف المفاوضات في وقت لاحق بسبب إصرار إيران على رفع جميع العقوبات الاقتصادية كشرط مسبق لإجراء مناقشات جوهرية حول برنامجها النووي، ورفض القوى الدولية التحرك نحو رفع العقوبات قبل قيام إيران بتعليق كامل لأنشطتها.
 
في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2011، أصدرت وكالة الطاقة الذرية أبرز تقاريرها حول الأبعاد العسكرية لبرنامج إيران النووي، متسببة في إطلاق سلسلة أخرى من الإجراءات العقابية المتصاعدة، حيث أدرجت الولايات المتحدة الحكومة الإيرانية وجميع المؤسسات المالية في البلاد ككيانات متورطة في شبكة غسيل الأموال العالمية، وحذرت المؤسسات المالية في جميع أنحاء العالم من التعامل التجاري مع البنوك الإيرانية، ولاحقا تم فرض عقوبات على البنك المركزي الإيراني والمؤسسات المالية الأجنبية المتعاملة معه، بما في ذلك البنوك المركزية للدول المستهلكة للنفط الإيراني، وجاءت ذروة العقوبات مع قرار واشنطن بتجميد جميع ممتلكات الحكومة والبنك المركزي الإيراني.
 
تسبب تشديد العقوبات على قطاع النفط والقطاع المصرفي إلى دفع(7) طهران من جديد لطاولة المفاوضات، وجاء ذلك تزامنا مع قدوم "حسن روحاني" للرئاسة، منتصف عام 2013، محملا بأجندة قائمة على الانفتاح على الغرب ودفع الاقتصاد الإيراني للأمام عبر تحريره من العقوبات. وتم استئناف المفاوضات في جنيف من نفس العام، وجرى الاتفاق على إطار زمني للوصول لخطة العمل الشاملة المشتركة، وتم توقيعها بالفعل في 14 يوليو/تموز 2015 بين طهران ومجموعة دول 5+1، وبموجب الاتفاقية تم تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي في منشأة ناتانز لأقل من الربع، مع تحويل منشأة "فودرو" لأغراض الأبحاث السلمية، والامتناع عن تخصيب اليورانيوم لمدة 15 سنة، مع تصديق إيران على البروتوكول الإضافي لمعاهدة منع الانتشار النووي، والسماح بالتفتيش على منشآتها النووية.
 
مع إقرار وكالة الطاقة بامتثال إيران لجميع التزاماتها، تم رفع جميع العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي مطلع عام 2016. ولكن في واشنطن، ظل الكونغرس حريصا على الاحتفاظ بحق مساءلة الإدارة عن الصفقة من خلال تمرير قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني، وهو قانون يلزم الرئيس بالتصديق على امتثال إيران للصفقة أمام الكونغرس كل 90 يوما. ومع رحيل أوباما عن السلطة، صدقت إدارة ترمب على الامتثال الإيراني للصفقة مرة واحدة، ثم أحجمت عن ذلك لاحقا متهمة طهران بانتهاك «رُوح» الصفقة من خلال اختبارات الصواريخ البالستية المستمرة ودعمها المزعوم للإرهاب، قبل أن يقدم ترمب في 8 مايو/أيار الحالي على إعلان الانسحاب من الصفقة بشكل كامل وإعادة تطبيق جميع العقوبات الأمريكية مرة أخرى.
 
خدعة ترمب-نتنياهو المزدوجة
كانت مساعي إدارة أوباما للوصول لاتفاق مع طهران مدفوعة بمنطق استراتيجي مزدوج: فمن ناحية، أدركت الإدارة أن إيران قد تكون على بعد عام تقريبًا من تصنيع أول قنبلة نووية، وأن البديل الوحيد لمنعها من الوصول لذلك بعيدا عن الاتفاق هو حرب كبرى لا يرغب أحد في خوضها أو تحمل تكاليفها. ومن ناحية أخرى، كان أوباما يراهن أن الفوائد الاقتصادية والاندماج مع العالم الخارجي سيكونان كفيلين بإفراز نظام إيراني أكثر اعتدالا، إما بتغيير النظام كلية أو دفعه نحو الاعتدال، خلال فترة أقل من 10-15 عاما التي تسري خلالها أبرز بنود الاتفاق.
 
من وجهة نظر أوباما ومعاونيه أيضا، كانت الصفقة مرتبطة ببرنامج إيران النووي فقط ولا شيء غيره، ولم تتم هندستها لتعترض بشكل مباشر سائر أنشطة إيران المثيرة للجدل، سواء برنامجها للصواريخ البالستية أو دعمها للميليشيات، ما يعني أنها ستتماهى مع واشنطن. ويبدو أن منطق أوباما لم يحظ بقبول كبير من قبل حلفائه التقليديين في الشرق الأوسط، وفي مقدمتهم إسرائيل والمملكة العربية السعودية، ولكن أوباما كان قد وصل لقناعة تامة أن تلك التحالفات الكاثوليكية تشكل عبئا سياسيا ينبغي التخلص منه.
 
في ضوء ذلك، لم يكن مستغربا أن توقيع الاتفاق النووي دشن شرارة حرب سياسة إسرائيلية ضد أوباما قادها نتنياهو من قلب الكونغرس، في سابقة تاريخية يوجه خلالها مسؤول إسرائيلي انتقادات علنية للرئيس الأمريكي في عقر داره. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف مؤسسة السياسة الخارجية الإسرائيلية وترسانة المؤسسات الأخرى ووسائل الإعلام وجماعات الضغط المرتبطة بها جهدا في الضغط ضد الصفقة وإبراز مساوئها، وحشد صف من السياسيين الأمريكيين المعارضين للاتفاق واعطائهم أوسع مساحات ممكنة.
 
كان أحد هؤلاء هو ترمب نفسه، المنافس آنذاك على بطاقة الترشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري، والذي يحمل ضغينة شخصية لأوباما أضعاف ما يحمله من الخصومة السياسية. في الحقيقة، كان ترمب أبرز معارضي الاتفاق النووي منذ اللحظة الأولى، حيث وصفه(8) بأنه «سيء ومريع» لإسرائيل، وأكد أن إيران «لن تلتزم بأي من واجباتها». وبعد سباق رئاسي محتدم وصل ترمب أخيرا للبيت الأبيض، مع أجندة يقع في القلب منها تفكيك إرث أوباما وفي مقدمته الاتفاق النووي.
 
منذ اللحظة الأولى بدا أن ترمب ونتنياهو متوافقان تماما كعوضين بارزين في النادي العالمي لكارهي باراك أوباما، ووقع اللقاء الرسمي الأول بينهما في 5 مارس/أذار للعام الماضي 2017، بعد أسابيع قليلة من تولي ترمب منصبه، تزامنا مع سفر نتنياهو لحضور مؤتمر "أيباك" السنوي. واليوم، يمكننا أن نزعم بدرجة تقترب لليقين أن جميع خطوات الولايات المتحدة الحيوية في الشرق الأوسط، بداية من خطط نقل السفارة الأمريكية للقدس، وصولًا لخطة إجهاض الاتفاق النووي ومتوالية التصعيد ضد إيران، قد تمت هندستها(9) خلال هذا الاجتماع، ليعقبه اجتماعات أخرى لوضع اللمسات الأمنية النهائية قادها وزير الدفاع الإسرائيلي "أفيغدور ليبرمان" مع مسؤولي البنتاغون. وخلال تلك الاجتماعات جرى مناقشة برنامج إيران النووي وسيناريوهات التصعيد ضدها، سيناريوهات تبدأ من مواجهة محلية محدودة بين إسرائيل وإيران على الأراضي السورية، لاحتمالية توسع الحرب لتشمل حزب الله، أو حتى ضد تحالف بين إيران وحزب الله والنظام السوري يمكن أن يضطر روسيا للتدخل.
 
خلال هذه المناقشات، حصلت تل أبيب على وعد أمريكي بدعم شامل على جميع الجبهات، ليس فقط دعمًا دبلوماسيًا في مجلس الأمن، ولكن انحياز كامل يمكن أن يمنع أي تدخل روسي، وربما يفسر هذا الوعد سر الجرأة الإسرائيلية المتزايدة في تنفيذ هجمات داخل سوريا خلال الأشهر الأخيرة، وعلى رأسها هجوم قاعدة "التيفور" في أبريل/نيسان الماضي، وهو هجوم كان مقدمة لضربة أمريكية أوروبية محدودة لنظام الأسد.
 
جاء قرار ترمب بإلغاء الاتفاق النووي كتتويج للعلاقات المتنامية بينه وبين نتنياهو. وبطريقة لا تقل مسرحية، أشار ترمب في خطاب الإلغاء بتقدير لـ «مساهمة إسرائيل في فضح أكاذيب إيران» قاصدا عرض رئيس وزرائها سالف الذكر، وفي تلك اللحظة اتضح للجميع أن الجمهور الحقيقي الذي استهدفه نتنياهو من خطاب الأرشيف النووي _الذي ألقى معظمه باللغة الإنجليزية_ لم يكن جمهور الاحتلال، ولكنه جمهور مكون من شخص واحد يقطن في 1600 جادة بنسلفانيا بواشنطن العاصمة وهو ترمب نفسه.
  
لم يكن نتنياهو يهدف لإقناع ترامب بالتخلي عن الاتفاق بحال، حيث بدا أن الرئيس الأمريكي قد حسم أمره قبل فترة، ولكن نتنياهو كان يهدف لمنح ترمب زخمًا إعلاميًا قبل إعلانه الكبير، غير أن خطاب نتنياهو الاستعراضي لم يكن هدية بيبي الوحيدة لساكن البيت الأبيض لدعم قراره النووي، فخلف الكواليس كانت هناك ترتيبات أخرى تدور، بتنسيق كامل بين أمريكا وإسرائيل، لتهيئة الرأي العام الأمريكي للقرار الكبير.
 
كشفت صحيفة بريطانية بعضا من تفاصيل(10) هذا الترتيب السري قبل أيام من قرار الانسحاب، حيث أوردت أن مساعدين لـ "ترمب" استعانوا بخدمة وكالة استخبارات إسرائيلية خاصة لتنظيم «حملة قذرة» ضد رموز إدارة أوباما ممن شاركوا في التوصل للصفقة النووية، وفي مقدمتهم "بن رودس" نائب مستشار أوباما السابق لشؤون الأمن القومي، وكولين كاهل مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس جو بايدن، كجزء من محاولة مدروسة للتشكيك في الصفقة وتشويه من قاموا عليها.
 
تلخصت مهمة وكالة الاستخبارات الإسرائيلية ببساطة في التنقيب في الحياة الشخصية للرجلين، وغيرهما من دائرة أوباما الداخلية، للبحث عن أي شبه تورط شخصي في العمل مع جماعات الضغط الصديقة لإيران، وإذا ما كانوا قد استفادوا شخصيا أو سياسيا من الاتفاق النووي، كما قامت الوكالة بالاتصال بأمريكيين إيرانيين بارزين، بالإضافة لصحفيين مؤيدين للاتفاق، من صحف نيويورك تايمز وذا أتلانتيك و موقع فوكس (VOX) وصحيفة هآرتس العبرية، ممن كانوا على اتصال دائم مع الرجلين في محاولة لتحديد ما إذا كانوا قد انتهكوا أي بروتوكولات لتبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة.
 
ورغم أنه من غير الواضح حتى الآن مقدار "العمل القذر" _كما يطلق عليه_ الذي تم تنفيذه فعليا بموجب هذا الاتفاق، ولكنه قدم دليلًا قاطعًا على أن العمليات السوداء كانت جزءً من تعاون أكبر بين نتنياهو وترمب أدى في النهاية لتقويض الاتفاق النووي، فيما يبقى التساؤل الأكثر إلحاحا حول منطق الحليفين في تقويض اتفاق كان - من وجهة نظر الكثرين- هو الإطار الوحيد المطروح لاحتواء إيران بعيدا عن الحرب، وحول ما إذا كان ترمب ونتنياهو - عن قصد أو غير- يدفعان الشرق الأوسط لشفير حرب إقليمية شاملة طالما جهد الجميع في تجنبها.
 
عصر اللامنطق
لدى كل من نتنياهو و "ترمب" أسباب خاصة لمعاداة إيران بشكل عام والاتفاق النووي بشكل خاص. بالنسبة إلى إسرائيل، وعلى خلاف الشائع، لم يكن هناك إجماع واضح على رفض الاتفاق النووي، ذلك الرفض الذي يمكن وصفه كأيديولوجية شخصية لنتنياهو ووزير دفاعه قليل الخبرة أفيغدور ليبرمان، أيديولوجية طالما قابلت معارضة داخلية من قبل الجنرالات في الحكومة الإسرائيلية.
 
   
وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان وبنيامين نتنياهو (رويترز)
   
 
تعد إسرائيل حالة فريدة من نوعها، فخلافًا للمألوف في معظم الديمقراطيات الغربية، حيث عادة ما يعتبر الجيش أكثر تشددًا من القيادة المدنية، فإن ما يحدث في إسرائيل هو العكس تماما، حيث كثيرا ما تتناقض(11) تقييمات الجنرالات ومسؤولي الاستخبارات للقضايا الأمنية مع رؤية نتنياهو الأكثر تشاؤمًا للعالم، فيرى الجنرالات أن نتنياهو غالبًا ما يميل للمبالغة في تصوير التهديدات الأمنية من أجل استدعاء خوف المجتمع الإسرائيلي، وخاصة فيما يتعلق بإيران، التي تمثل الهاجس الأكبر لرئيس الوزراء، وبالتالي ترسيخ حكمه أكثر.
 
أحد هؤلاء الجنرالات على سبيل المثال هو مائير داغان، رئيس جهاز الموساد الراحل، الذي لم يفوت مغادرة منصبه بلا شنٍ لهجوم شديد على نتنياهو لدرجة وصفه بأنه «خطر على إسرائيل، ويبالغ في التهويل بشأن رؤيته لإيران»، وهي نفس الرؤية التي شاركه فيها خلفه "تامير باردو" رئيس الجهاز السابق، رغم كونه مقربا من عائلة نتنياهو، حيث أكد في ظهور إعلامي نادر له أثناء توليه منصبه أن البرنامج النووي لا يمثل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، مشيرًا أن بعض الناس يستخدمون مصطلح «تهديد وجودي» بالكثير من الإسراف، قاصدًا نتنياهو بشكل لا يحتمل كثيرًا من اللبس.
 
ثم عاد باردو ليؤكد(12)، قبل وقت قصير من انسحاب ترامب خلال مؤتمر أمني في مدينة هرتسليا الساحلية، إن إيران تلتزم بشروط الاتفاق، وأن هناك حاجة للوصول إلى صفقة ما في نهاية المطاف، اعتقاد تشاركه معه "غازي أزينكوت"، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الذي أكد في مقابلة مع صحيفة هآرتس أنه لا يعرف أي انتهاكات للاتفاق النووي من قبل إيران، وأن الاتفاق يعمل بشكل جيد في الوقت الحالي مع كل عيوبه على تأجيل وصول إيران إلى نادي التسلح النووي لمدة 15 عاما.
  
بيد أن هذه التحفظات لم تجد في أي وقت آذانا صاغية لدى نتنياهو، من يحرص على تقديم نفسه بوصفه الراعي الأوحد لأمن المواطن الإسرائيلي في مواجهة الشبح الإيراني الذي يهدده، ويبدو التفسير الأكثر رجحانا هو أن نتنياهو يستخدم إيران كدمية للركل السياسي في مواجهة(13) أربع قضايا فساد كبرى تهدد حكمه بشكل متزايد، وتضعه على مشارف محاكمة أو انتخابات مبكرة في أفضل الأحوال، في وقت تتضاءل فيه شعبيته بشكل ملحوظ.   
 
لا يختلف الحال كثيرا بالنسبة لترمب، فبغض النظر عن حربه الشخصية المقدسة ضد إرث أوباما، وهي حرب دفعته للانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق الدولي حول الهجرة العالمية، واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، فإن رئاسة ترمب تواجه تهديدات أكثر خطورة بسبب تحقيقات التدخل الأجنبي في الانتخابات الرئاسية، وشبهات التمويل غير المشروع، ومتوالية الفضائح الشخصية مع الممثلات الإباحيات، وهو ما يجعله يدير سياسته في كثير من الأحيان ليس وفق متطلبات الدبلوماسية ولكن بحسب ما تقتضي الحبكة والاستعراض في طريقة أقرب ما تكون لبرامج تلفاز الواقع، تماما كما فعل في سوريا في 18 أبريل/نيسان حين اختار توجيه تقديم عرض مسرحي مكلف(14) عبر ضربة عسكرية كاريكاتورية لا ترقي حتى لأقل مستويات الردع العسكري، وعلى نفس النسق، حرص ترمب على أن يكون انسحابه من الاتفاق النووي عرضا تلفزيونيًا حيًا: بدأه نتنياهو وصفق له ترمب، وتلاه عرض لترمب مع تصفيق حاد من نتنياهو.
 
ومع ذلك، يتهم نتنياهو وترمب إيران بالكذب حول ماضيها النووي، وهما يعتبران أن هذا الكذب ذريعة كافية لإجهاض الاتفاق، ولكنها يغفلان في خضم ذلك أن دوافعهما كانت مختلطة في أفضل الأحوال، وأن تواطؤ الرجلين لقتل الاتفاق النووي خرج من كونه نظرية مؤامرة لكونه شبه حقيقة لديها من الدلائل ما يكفي لتأكيدها، ولكن الأكثر أهمية هنا أن قرار الانسحاب خرج خاليا من أي رؤية استراتيجية واضحة، لقد حطم ترمب الصفقة النووية بدعم من نتنياهو، ولكنه لم يضع أي إطار بديل قابل للتطبيق.
 
برغم ذلك يبدو المنطق السياسي وراء تحطيم الصفقة بالنسبة لترمب وحليفه الإسرائيلي بسيطا للغاية ويقوم على أن مشكلة إسرائيل والغرب مع إيران لا تكمن فقط(15) في سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، ولكن في جملة من ممارسات إيرانية لم يتعرض لها الاتفاق من الأساس، وهي تشمل برنامج إيران المتطور للصواريخ البالستية، ورعايتها للميليشيات الوكيلة في اليمن وسوريا والعراق، وقبل ذلك بالطبع دعمها لحزب الله اللبناني المرابط على الجبهة الشمالية لإسرائيل. ومن الواضح أن هذا ما عناه ترمب بالإشارة لاستعداده للتفاوض حول صفقة جديدة تضم شروطا أكثر تشديدا على البرنامج النووي، بالإضافة لبرنامج الصواريخ البالستية، وسائر أنشطة إيران الإقليمية في حزمة واحدة.
 
ولكن ترمب ودائرته السياسية يعون جيدا أن صفقة بمثل هذا القدر من التشدد لا يمكن أن تلقى قبولا من النظام الحاكم في طهران، حيث ستقوض شرعيته قبل أن يجني أي فوائد محتملة منها، وهو ما يعني العودة للرهان الجديد القديم على العقوبات ولكن مع الأمل أن تعمل بطريقة مختلفة مما عملت به مع أوباما. ففي حين راهن أوباما أن سياسة العقوبات - وبالمثل رفع العقوبات في أعقاب الاتفاق النووي- يمكن أن تدفع النظام الإيراني نحو نقطة أكثر اعتدالا من خلال تقويض المحافظين وتقوية الإصلاحيين، فإن ترمب يراهن على نظرية قديمة نوعا ما وهي أن النظام الإيراني، مع تورطه في حروب إقليمية واسعة ومع تزايد الاحتجاجات الداخلية ضده لأسباب اقتصادية واجتماعية، لن يكون قادرا على الصمود طويلا أمام موجة عقوبات طويلة مكثفة قبل أن يسقط في نهاية المطاف. ويمكننا أن نطلق على هذه الخطة الجديدة اسم "رهان بولتون"، نسبة لمستشار ترمب الجديد للأمن القومي جون بولتون، أحد أكثر الصقور الأمريكيين تشددا ضد إيران.
 
رهان بولتون
كان اختيار بولتون لمنصب مستشار الأمن القومي لترمب في مارس/أذار الماضي بمثابة شهادة وفاة مبكرة للاتفاق النووي، فقبل ثمانية أشهر فقط من تعيينه، وخلال اجتماع في باريس لمنظمة "مجاهدي خلق"، أبرز جماعات المعارضة الإيرانية في الخارج، أخبر(16) بولتون أعضاء المجموعة أن على إدارة ترمب أن تتبنّى التغيير الفوري للنظام الإيراني، وأن تتبنى مجاهدي خلق كبديل قابل للتطبيق، قبل أن يختتم بولتون خطابه بوعده الكبير بأن نظام ثورة الخميني لن يستمر حتى عيد ميلاده الأربعين، وأنه بحلول عام 2019 فإنهم سوف يحتفلون معا في طهران.

جون بولتون، مستشار الأمن القومي (رويترز)
  
 
كان خطاب بولتون معبرا حقا عن قناعاته حول حتمية تغيير النظام الإيراني والتي عبر(17) عنها صراحة قبل أكثر من عقد، وإن كان ذلك لم يمنعه غالبا -رغم إحجامه عن التعليق-من تقاضي بضع عشرات الآلاف من الدولارات كإحدى المكافآت السخية المعتادة التي تدفعها "مجاهدي خلق" لضيوفها، والواصلة أحيانًا لـ 50 ألف دولار مقابل خطاب واحد، ولكن ما يجهله بولتون غالبا أن عامة الإيرانيين سيفكرون ألف مرة غالبا قبل أن يتحركوا ضد النظام الحالي إذا ظنوا أن ذلك سوف يقودهم للخضوع لحكم مجاهدي خلق.
 
نشط مجاهدو خلق إبان الثورة الإسلامية عام 1979، ويعتقد(18) أنهم شاركوا في قتل أمريكيين في إيران وحصار السفارة الأمريكية في طهران، ولكن المنظمة خسرت صراع  السلطة مع الملالي وانتقلت للمنفى في العراق، حيث قاتلت في صفوف القوات العراقية ضد إيران ليتسبب ذلك في قيام طهران بإعدام الآلاف من أعضائها الذين كانوا في السجون في أكبر عملية تطهير لمجموعة سياسية إيرانية، ولكن الأهم أن الجماعة فقدت أي رصيد لها في الشارع الإيراني بعد مشاركتها مع "جيش عدو" في حرب قتلت عشرات الآلاف من الإيرانيين، بخلاف الاتهامات الموجهة للمنظمة بقتل أربعة علماء نوويين بالتعاون مع إسرائيل، العدو الشعبي اللدود لإيران.
 
وبسبب نشاطها المعادي للولايات المتحدة إبان الثورة الإسلامية، وتاريخها الطويل في استخدام العنف، صنفت المجموعة على قائمة المنظمات الإرهابية في واشنطن وأوروبا، قبل أن يتم رفع اسمها من قوائم الإرهاب بين عامي 2008 و2012، حيث انتقلت للعمل في فرنسا وألبانيا واستثمرت(19) الكثير من الأموال في تغيير صورتها وبناء علاقات مع المشرعين والسياسيين الأمريكيين النافذين، وعلى رأسهم نائب وزير العدل الأمريكي السابق "مايكل موكاسي"، ومستشار الأمن الداخلي السابق "فرانسيس تاونسند"، وحاكم فيرمونت السابق "هاورد دين"، وعمدة مدينة نيويورك السابق "رودي جولياني"، إضافة لبولتون نفسه.
 
ولكن استثمارات مجاهدي خلق لتحسين صورتهم في الغرب لم تكن كافية لتغيير صورتهم السلبية جدا في طهران، وسيكون الرهان الأمريكي على المنظمة كبديل لنظام الملالي مجرد امتداد لتاريخ طويل(20) من الرهانات الأمريكية الخاطئة في إيران، بداية من القرار الكارثي في عهد أيزنهاور بالإطاحة برئيس الوزراء اليساري المنتخب ديمقراطيا محمد مصدق وإعادة تثبيت الشاه محمد رضا بهلوي على العرش، مرورا بتسليح إدارة نيكسون لنظام الشاه وغض الطرف عن ممارسات القمع الوحشي ضد شعبه، وصولا لفشل كارتر في فهم القوة المتنامية لحركة الخميني ومواصلة الرهان الخاسر على الشاه والسلالة البهلوية، واستضافة الشاه للعلاج في واشنطن بعد الإطاحة به، ما أسفر في النهاية عن حدث احتجاز الرهائن الطويل في السفارة الأمريكية بطهران الذي تسبب في تراجع شعبية كارتر وخسارته الانتخابات أمام ريغان، وانتهاء لسوء الفهم المستمر لطبيعة النظام الإيراني الذي أدى لفشل جميع الإدارات الأمريكية اللاحقة في احتوائه بنجاح.
 
الصفقة المستحيلة
في ضوء ذلك، فإن هناك الكثير من الأسباب الداعية للتشكيك في فرضية أن العقوبات ستكون كفيلة بتمهيد الطريق للإطاحة بالنظام الإيراني، أو حتى للضغط على إيران للتفاوض حول صفقة جديدة شاملة تعالج سائر المخاوف الأمريكية والإسرائيلية مثل الصواريخ البالستية والعمليات السرية ودعم الميليشيات الإقليمية، نظرا لأن هذا الافتراض يهمل في جوهره الطريقة المعقدة التي تعمل بها العقوبات، حيث استغرق الأمر من الولايات المتحدة قرابة عقد ونصف من الزمان _خلال 4 فترات رئاسية لجورج بوش الابن وباراك أوباما_ من  أجل شل الاقتصاد الإيراني فعليا من خلال منظومة معقدة (21) من العقوبات المتتابعة، منظومة استلزمت سن عدة قوانين وعشرات الأوامر التنفيذية، ومئات الصفحات من اللوائح الفيدرالية التي صدرت بشكل متتابع خلال فترة زمنية طويلة، وشملت في نهاية المطاف 400 شخص ومؤسسة إيرانية يغطون سائر قطاعات الاقتصاد الإيراني تقريبا.
 
 
ستستلزم إعادة العقوبات على إيران بشكل كامل إطارا قانونيا جديدا يعيد فرز الهيئات التي سوف تخضع للعقوبات بناء على أوضاعها الحالية، من أجل ضمان امتثال الشركات والحكومات للجزاءات، وسوف يستغرق اكتمال هذا الإطار فترة تصل لعدة سنوات على الأرجح، في وقت لا تحظى فيه تلك العقوبات بإجماع دولي مع كون الولايات المتحدة هي من قامت فعليا بخرق الصفقة، حيث يستطيع الاتحاد الأوروبي التخفيف فعليا من أثر العقوبات عبر تمرير تشريع يساعد الشركات الأوروبية على القيام بأعمال تجارية مع إيران، ومنع واشنطن من فرض عقوبات عبر منظمة التجارة العالمية. والأهم من ذلك أن صناعة النفط وهي حجر الزاوية للاقتصاد الإيراني سوف تكون أقل تأثرا(22) بالعقوبات مع استمرار تدفق النفط الإيراني للعديد من دول أوروبا والصين ودول شرق آسيا.
 
يعني ذلك أن إيران ستكون في موقف تفاوضي مريح على الأغلب، وفي أسوأ الأحوال فإن العقوبات لن تعرضها لنفس نوع الضغط الاقتصادي الإضافي الذي أجبرها على الموافقة على خطة العمل المشتركة الشاملة في المقام الأول، وستكون فرص ممارسة الضغط على إيران للوصول لصفقة جديدة بمعايير أفضل بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل في أدنى مستوياتها.
 
إضافة لذلك، فإن إيران _وإن كانت ستظل متمسكة بجانبها من الصفقة لمغازلة شركائها الأوروبيين حتى النهاية_ فسوف ترد على الضغط الأمريكي بالمزيد مما كرهته أمريكا في المقام الأول: تجارب صاروخية أكثر تطورا، وتحركات إقليمية واسعة، والمزيد من الدعم للميليشيات، وهو ما سيترك الولايات المتحدة بين خيارات سيئة وأكثر سوءً: إما التراجع وترك زمام المبادرة للأوربيين، وإما الذهاب لحرب يدفع إليها نتنياهو واشنطن بكل قوته.
 
في الحقيقة، استدعى خطاب الأرشيف النووي لنتنياهو على الفور ذكر خطاب بوش الكارثي قبل غزو العراق والذي زعم فيه امتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل. وللمفارقة، كان نتنياهو نفسه هو من أخبر الكونغرس الأمريكي في عام 2002 أن إزالة صدام حسين ستكون «نعمة للشرق الأوسط»، ولكن الأمر الأكثر دلالة هنا أن تجار الحرب الذين دافعوا عن الغزو الكارثي هم أنفسهم من عاودوا الظهور(23) مرة أخرى لدعم عرض نتنياهو وفكرة ترك الاتفاق مع إيران، أسماء مثل آري فلايشر، السكرتير الصحفي السابق لبوش، وكونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي السابقة، وغيرهما، خرجوا للتأكيد على أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة من الصفقة فستكون الأمور على ما يرام.
 
يتطلب الأمر الكثير من الوقاحة لتكرار الكوارث نفسها بذلك القدر من الأريحية: لم يتم العثور على أسلحة صدام حسين أبدا، وربما لن يستطيع ترمب أو غيره اثبات أن إيران انتهكت الصفقة النووية لو آلت الأمور للحرب، ولكن أيا من ذلك لا يقارن بذلك القدر من الوقاحة الذي يدفع رئيس وزراء تمتلك بلاده برنامجا نوويا يعترف به العالم بأكمله إلا هو، برنامج ينطوي على سلسلة من الخطايا أقلها(24) الكذب على المجتمع الدولي وخداع المفتشين وسرقة ونهب الوقود، يدفعه لأن يتهم دولة أخرى بممارسة الكذب والازدواجية. ولكن أحدا لن يكون قادرا على مواجهة نتنياهو بمثل هذه الحقيقة، فقط لأنه يسيطر على المسرح الأمريكي في زمن تتلاشى فيه الخطوط الفاصلة بين ممارسة السياسة والدبلوماسية وبين عروض تلفاز الواقع.
 
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات