«لعبة النفوذ».. كيف هندسَ مقتدى الصدر صعوده الشعبي بالعراق؟

مُسند للأنباء - ميدان   [ الثلاثاء, 22 مايو, 2018 10:15:00 مساءً ]

تقديم
يسلط هذا التقرير الضوء على "مقتدى الصدر" حديث الساعة العراقية، حيث جذبت النتائج المبكرة للانتخابات البرلمانية العراقية في الأسبوع الثاني من مايو/أيار الجاري أنظار وسائل الإعلام العربية والعالمية، فقد أُعلن الفوز الأولي لكتلة "سائرون" التابعة له في انتصار ضخم هازمة منافسين لطالما وُصفوا بالعراقة السياسية. لذا فإن الكثير من العراقيين، أسوة بغيرهم، باتوا يتساءلون حول الطريقة التي هندس عبرها "الصدر" صعود كتلته لقمة السباق الرئاسي بهذه الكيفية. ومنذ ثلاثة أيام، ومع حلول الثامن عشر من الشهر، وبالتزامن مع إعلان هيئة الانتخابات المستقلة فوز كتلة الصدر بالأغلبية في النتائج النهائية، طُرحَت تساؤلات بدرجة أعلى عن شخص الصدر نفسه، والذي لطالما اعتبرَ شخصية تستحق دراسة متأنية.
          
المادة
 
«لقد غادر الثعبان الصغير، وجاءت الحية الأكبر»
([1]) -مقتدى الصدر، في مقابلة مع شبكة سي بي إس الأمريكية، أكتوبر/تشرين الأول 2003
     
لم يكن العراقيون في سبتمبر/ أيلول عام 2003 أمام بيان تأسيس فصيل عسكري من داخل مسجد الكوفة فقط، فكل من تابع البيان حينها تمكن من اكتشاف توجه الشاب الشيعي الصاعد الذي أسسه وتولى قيادته. ومن دققَ من العراقيين وغيرهم آنذاك بالمبادئ التي وضعت كأهداف لتأسيس الفصيل -الذي أطلق عليه "جيش المهدي"- مثل «القتال في سبيل الاستقلال» و«تطهير العراق من الاحتلال الأجنبي وإعادته لسيادة القانون ودولة المؤسسات بعيدًا عن التحالفات المذهبية» وغيرها، كل من تابع أدركَ تمامًا أنه أمام رجل يرتدي عباءة والده الذي اتخذ شخصية ومشروع "آية الله الخميني" نموذجًا ينبغي السير عليه، نموذجٌ مثل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية والمعادي لكلّ من أمريكا وإسرائيل قلبه النابض، قبل أن يتمرد الشاب الشيعي على ذلك النموذج الآن -في تحول كامل- بمعارضته لـ «الدولة الدينية».
 
لم يكن "مقتدى الصدر" وجهًا جديدًا على العراقيين بحال، فكونه مؤسس جيش المهدي الذي خرج للنور لمحاربة الاحتلال الأمريكي للعراق بدءً من عام 2003، ثم قائد "فرق الموت" التي حاربت العشائر السنية العراقية لأعوام بعدها، قبيل انتقاله لدراسة علوم اللاهوت في إيران أواخر 2007، ومرورًا بقتاله ضد القوات الحكومية العراقية في نفس العام، مستمرًا بذلك حتى عام 2010، وهو العام الذي قرر الانتقال فيه للعمل السياسي، كل ذلك أسهم بتكوين صورته كرجل ميليشيا عسكري في ذاكرة العراقيين والأمريكيين معًا، وهي صورةٌ لطالما كان يُتوقعُ منها أن تقلّلَ حظوظه في تحقيق نتائج مؤثرة في أي عملية انتخابية قد يخوضها مستقبلًا.
 
ولأن «الدولة الدينية» التي يعارضها الصدر كما أسماها هي تلك التي يحكمها رجال الدين وما يعرف بـ "ولاية الفقيه"، لا الدولة التي تلتزم بتطبيق الشريعة الإسلامية مثلًا، فقد حول الصدر بمرور الوقت مدينة النجف الأشرف -المدينة العراقية الموازية مرجعيًا لمدينة قُم الإيرانية- إلى ما وصفته الصحافة الغربية حينها بـ «فاتيكان الشيعة»([2])، حيث هاجمت ما باتت تُعرف بـ «فرق الموت» من أنصار الصدر متاجر الخمور، وأرغموا النساء على ارتداء النقاب، قبل أن ينتقلوا لمناطق سنية أخرى، ما سمح للعراقيين الذي كانوا ينظرون له كوجه جديد بالتنبؤ بحدود الدولة الدينية المباحة في تصوره، ودعا القوات الأمريكية في نفس الوقت لاعتباره «رجل العراق المتطرف»، واعتبار جيشه محاولة لإنشاء «تيار راديكالي يشكلُ خطرًا على البلاد»، وهو تصريح متوقع خاصة مع بداية تلقي الأمريكيين لهجمات منظمة من قبل الجيش المتشكل حديثًا حينها، بادئًا من النجف، ومتوسعًا لأغلب المحافظات العراقية، بالتزامن مع تكون خريطة سياسية مناقضة لأسلوب الصدر في إدارة المشهد.
 
جرت التطورات بوتيرة أسرع على ذلك السطح، إذ لم يكد "بول بريمر"، حاكم العراق المدني المُعين أمريكيًا لإدارة الشؤون المؤقتة للبلاد بعد الغزو، يضع اللمسات الأخيرة على هيكلية مجلس الحكم المتخصص بإدارة «المرحلة الانتقالية» العراقية كما أسمتها واشنطن، حتى أُطلِقَ جرسُ الإنذار لدى الصدر بالتزامن مع انخراط مختلف الكتل السياسية داخل المجلس. كان الصدر حينها متدثرا بعباءة شعبية تبحث عن «عراق مستقل ذي سيادة»، لذا كان بديهي أن ينظر للمجلس المُشكل حينها بأنه خاضع لوصاية أمريكية، ولذلك اختار أن يقف في صفوف المعارضين أسوة بـ "علي السيستاني" أحد أكبر المرجعيات الشيعية في العراق حينها، وكان الصدر في تلك الفترة متبنيًا لتوجه الاستثمار في العمل العسكري عن قناعة تامة بأن أثره أكبر من الاستثمار بأي عمل سياسي مهما كان ([3])، قبل أن يشهد العراق أحد أكبر تحولاته عن طريق تبني الصدر -بقصد أو بغير- لتحول تدريجي من النقيض للنقيض، تحول شهد انتقال الرجل من طرف حربة عالم الميليشيات العراقي لعالم الدولة السياسي الأكثر عمقًا.
 
دولة "المالكي"
مرت السنوات سريعًا، وبحلول أبريل/نيسان عام 2006 كانت الرئاسة العراقية قد جلبت للواجهة عبر انتخابات شعبية رعتها لجان الأمم المتحدة معارضًا قديمًا لثلاثة أنظمة عراقية سابقة، معارضٌ سبق وأن اشتهر بلقب "مام جلال" ويعني باللغة الكردية "العم جلال"، قبل أن يطغى عليه اسمه الأصلي "جلال طالباني"، مؤسس "الاتحاد الوطني الكردستاني" أحد أكبر الأحزاب الكردية في الشرق الأوسط ([4]).
     
 
لطالما كانت الثقة هشة بين سنة العراق وشيعتها، هشاشة انتقلت معهم لداخل أول قاعة برلمان وصلوا إليها عبر الانتخابات آنفة الذكر، حيثُ رفضُ كل طرفٍ منهما قائمة مرشحي الآخر، وانقسمت الكتل السياسية الشيعية كذلك فيما بينها، مُخلفة أزمة سياسية شديدة التعقيد حتى اليوم. وباستمرارها لعدة أشهر لاحقة وقتها، اشتم طالباني رائحة الخطر، وقرر حل المأزق السياسي بتعيين رئيس وزراء يُنظرُ إليه على أنه محايدٌ ولا يشكلُ تهديدًا لأي طرف، وتكليفه بتشكيل الحكومة.  وللمفارقة، فإنه ومن بين العديد من السياسيين الحاضرين في المشهد السياسي آنذاك، كانت المواصفات تنطبقُ بشكل لافت على شخص قادم لتوه من المنفى، وأحدُ منتسبي حزب "الدعوة الإسلامية"، أحد أقدم الأحزاب المعارضة لنظام صدام حسين في سبعينيات القرن الماضي
 
 
 
لم يُكن نوري المالكي معروفًا في الأوساط العراقية حينها، إذ أن رحلته بين دول المنفى طوال العقدين الأخيرين من القرن المنصرم حجبته عن الحاضنة العراقية وجعلته فقيرًا لقاعدة شعبية ذات ثقل، ما عنى بالتبعية افتقاره لميليشيا عسكرية تسير وراءه ودائرة انتخابية كذلك. وقلصت تلك المواصفات غير الجاذبة تأثيره السياسي حتى على أعضاء الحزب خاصته، إلا أنها وللمفارقة وافقت رغبات طالباني في ذلك الحين، وغذت عملية صعود المالكي لرئاسة الوزراء كحل للمأزق السياسي، ليشكلَ بعد ذلك أول حكومة عراقية بأغلبية شيعية منذ الغزو الأمريكي للعراق. ومع تسلم الكُرد رئاسة الجمهورية ممثلين في طالباني، وتسلم الشيعة للحكومة عبر المعارض الواصل لتوه "المالكي"، ومع ترك أحد أعضاء لجنة صياغة الدستور حينها "محمود مشهداني"، المعتقل السابق على يد صدام ثم الاحتلال الأمريكي، ليمثل السُنّة كرئيس لمجلس النواب، بدا أن نظام المحاصصة السياسية المكتوب وفقَ أسس طائفية قد تمت هندسته بعناية ليرضي مختلف الأطراف وعلى رأسهم واشنطن.   
 
على عكس المتوقع، فإن منصب رئاسة البرلمان لم يمنح السُنة عمقًا كافيًا لتحصين أنفسهم أو تأمين مصالحهم داخل ذلك الميدان المتشابك، خاصة مع توسع قبضة المالكي لتسيطر على الأمور شيئًا فشيئًا. فالمالكي المُنحدر من عائلة شيعية عريقة في البصرة، وبرغم قولبته بشكل عام كـ «سياسي محايد» من قبل البعض، إلا أنه كان متماهيًا مع رياح الطائفية التي عصفت بالعراق في تلك الفترة وشكلته كما نعرفه الآن. لذا، وفي وقت تحالف فيه المالكي مع الجبهات السياسية الشيعية الأخرى، وفي ظلّ اعتماد حكومته على المساعدات الأمريكية في المجال الأمني، بدا له أن الفرصة مواتية لوضع القواعد الأولى لدولته الطائفية.
 
نوري المالكي، رئيس وزراء العراق الأسبق ونائب رئيس الجمهورية السابق
 
 
بالنسبة للمالكي المعروف بسياسات النفس الطويل، كانت الأمور متاحة لتخطيط أسس تلك الدولة الطائفية بشكل شبه مثالي، فعمد لسن قوانين همشت كلًا من السنة والكرد مثل الحرمان من حقوق الترشح للمحافظات، وقصر فرص التوظيف خاصة الهامة على الشيعة وتوزيعها تبعًا للانتماء الطائفي بشكل غير مباشر، وإهمال الخدمات الاجتماعية، مقابل تمكين الأكثرية المنحدرة من الطائفة الشيعية من المناصب المهمة، والسماح بتمدّد النفوذ الإيراني، ورعاية نمو منظمات عسكرية شيعية خارجة عن سلطة الجيش، تاركًا بذلك العنف الطائفي يتوسع ليملأ خلفية المشهد، وهو عنف عصفت رياحه بالسنة والأكراد معًا، لكنه كان ربيعًا استثمر فيه الصدرُ آنذاك لجني كل ثماره الممكنة.
 
لذا، ومن بين جميع أعوام العقد الأول، فإن الفترة ما بين عامي 2007 و2008 تستحق وصف الأكثر دموية وتناقضًا. لا يعود ذلك لانتهاكات حكومة المالكي القانونية أو المنظمات الشيعية الناشئة والخارجة عن السلطة ضد الأقلية السنية فحسب، وإنما مثل دخول "فرق الموت" التابعة لجيش المهدي المدعوم إيرانيًا على المشهد جزءً لا يستهان به من جملة الأسباب، حيث كان بإمكان سنة العراق تذكر حالة الرعب والذعر التي صاحبت ذكر اسم "فرق الموت" بطول تلك الفترة. وبالتزامن مع ذلك، فإن الصدر حافظ على بوصلته الشعبية متدثرًا بعباءة "ضد القوات الأمريكية"، وفي ظلّ كون المالكي رئيس الحكومة تحت رعاية واشنطن رأسًا، كان الصِدام بينه وبين الصدر حتميًا.
 
 
 
تجلى ذلك الصدام بشكل شديد الوضوح في معركة "البصرة"، مارس/آذار عام 2008، وهي معركة مفصلية من بين جميع المعارك التي خاضتها القوات الحكومية ضد "جيش المهدي" في تلك الفترة، ليس ذلك لحجم المشاركة العسكرية من الطرفين الأمريكي والعراقي فحسب، وإنما للقرار التاريخي الذي مهدت له وترتب عليها.
 
عباءة الصدر الدبلوماسية
«يعتبر تجميد جيش الإمام المهدي ساري المفعول لأجل غير مسمى، ومن يخلّ بذلك فلا يحسبن نفسه منتميا لذلك العنوان العقائدي. ثانيًا، لقد وضعنا برنامجا ثقافيا لجيش الإمام المهدي سميناه الممهدون فعلى الجميع الالتزام به، ومن لم يشأ ذلك فهو خارج عن الجيش العقائدي» ([10]) -بيان قيادات التيار الصدري بأمر من "مقتدى الصدر"، 28 أغسطس 2008
 
في لحظة تلاوة البيان، كان سليل عائلة الصدر في إيران وقد أمضى عامه الأول دارسًا لعلوم اللاهوت وساعيًا للتدرج في المرتبة الدينية كمرجعية، وبدلًا من استمراره بالاستثمار بالعمل بالعسكري والصِّدام مع القوات الأمريكية والحكومية، اختار الصدر أن يخفف من حدة أعمال أتباعه القتالية، ويجعلهم أكثر قربًا من الفقراء والمواطنين من ذوي الطبقة الدنيا لتكوين حاضنته الشعبية بشكل أكثر ثباتًا؛ ولأن "فرق الموت" التابعة له كانت مؤهلة لشؤون الحرب لا السلم، كان أمام الصدر طريق واحد تمثل في إعادة تشكيل عقيدة أتباعه عبر تكليف رجال الدين وشيوخ الحوزات العلمية بإخضاعهم لبرامج تثقيفية طويلة الأمد.

 
 
ومرت السنون سريعًا، ولدى بلوغ الديمقراطية العراقية الشابة عامها الرابع، كان الجميعُ على موعد مع انتخابات برلمانية جديدة، وهي وإن كانت مساحة لماراثون سياسي على وشك البدء وقتها، مثلت تلك الانتخابات في جوهرها اختبارًا لأداء الأطراف السياسية السابق، وعنت بالنسبة للشاب الشيعي الصاعد _الذي أصبح أكثر وطنية في الظاهر_ أن الوقت مناسب تمامًا لاختبار نضوجه السياسي الخاص .
 
وبدون تمهيدات كثيرة، بدأ الصدر اجتماعات مكثفة مع أحزاب سياسية مختلفة ومتناقضة بعض الأحيان فور عودته من إيران مطلع عام 2011. فإضافة للكرد والسنة والشيعة، انفتح الصدرُ على كل من العلمانيين والشيوعيين أيضًا. وعلى غير المتوقع، فقد قرر «الإسلامي الذي بات أكثر قومية»، بحسب وصف "روبرت فورد" نائب السفير الأمريكي في العراق في تلك الفترة، أن يندمج بشكل أكبر في البيئة السياسية، وهو قرارٌ تجلى في صورته العملية بشكل شديد الوضوح عندما قرر حلّ ميليشياته الخاصة "جيش المهدي"، مستبقيًا بعض المقاتلين تحت اسم "فرقة النخبة"، فيما سمّي البقية كممهدين أسوة بما ذكرَه في بيانه الشهير.
        
من خلال جدول أعمالهم شديد الاختلاف، تحول مقاتلو "جيش المهدي" ذوي الصيت الواسع للنقيض تمامًا، حيث ركزوا تحت مسماهم الجديد "الممهدون" على الخدمات الاجتماعية مثل دروس القرآن وإعادة البناء العام وتقديم الخدمات الاجتماعية وجمع النفايات وبناء المشافي والمدارس في المناطق الشيعية. كان ذلك بمنزلة إعلان علني بأنّ "الصدر" قد قررَّ النضالَ بجانب الطبقة التي ينتمي إليها والمسماة بـ "الفقراء الحضريين" ([12])، بينما حوت تلك العلانية اتجاهًا مبطنًا يلقي بسهمه بوضوح لنوايا الرجل في تدشين قاعدة شعبية شديدة الاتساع تبدأ من تلك الطبقة.
 
على الضفة الأخرى كانت العشائر السنية -التي تزايد شعورها بالعزلة والتهميش بشكل مؤثر- قد بدأت ترحبُ بأوائل المنتسبين لفرع "تنظيم القاعدة" العراقي الناشئ، مدفوعين بممارسات طائفية قامت بها الحكومة العراقية والميلشيات الشيعية الأخرى منحتهم أسبابًا كافية للجوء لمعسكر الجهاديين في محاولة لإقامة توازن ردع فعال.
  
 
في تلك الفترة أيضًا شهدت البلاد حدثًا مهمًا، فالصدرُ الذي بات يمتلكُ عمقًا أكثر استراتيجية، أدرك أن حراك الربيع العربي زاحفٌ تجاه العراق لا محالة، ما جعله يستثمر فيه بوقت مبكر قبل أن تضرب أمواج الربيع البلاد، حيث حشد أنصاره معلنًا تشكيل "سرايا السلام" بهدف معلن هو «حماية الأماكن المقدسة»، وما إن بدأت عشائر السنة بالاستجابة للحراك، وتفاعلت معها شرائح المجتمع المختلفة وسط استياء من معدلات الفساد العالية في الحكومة، حتى أعلن الصدر تأييده لها، وسط تقاطع نادرٍ بين مصالح الأقلية السنية واستراتيجية الصدر التي عنونها بـ "إزاحة الفاسدين"، وفيما كانت الانتخابات البرلمانية الجديدة لعام 2014 على الأبواب، كانت فرصة صعود قائد الفقراء، لقب الصدر الجديد، قد أتت بأفضل وسيلة ممكنة، وعنت بنفس الوقت أن شمس الوكيل الإيراني على ما يبدو آيلةٌ للغروب.
 
في ضوء ما سبق، كانت الكتل السياسية التي شاركت في الانتخابات اللاحقة قد حسمت أمرها، وبرغم اختلافها فيما بينها، لكنها اتفقت بشكل شبه قاطع على تحقيق هدف منع المالكي من تولي رئاسة الوزراء لفترة ثالثة بكل السبل، ولم يكن ذلك لشكوكها حيال التلاعب بنتائج الانتخابات المستقبلية وقتها فحسب، وإنما لفشل اقتصادي وأمني متزايد بعموم البلاد بلغ ذروته مع الانهيار الشهير لدفاعات الجيش العراقي في الموصل أمام بضع مجموعات من مقاتلي "تنظيم الدولة" الصاعد حينها، والنسخة الأكثر راديكالية من تنظيم القاعدة ([14]).  لذلك، ومستغلًا لتلك الهبة، كان "فؤاد المعصوم" الرئيس العراقي الصاعد حديثًا آنذاك جريئًا في إقالة حكومة المالكي رغم فوز كتلة الأخير البرلمانية بالأغلبية، مكلفًا مهندسا وأحد خريجي جامعة مانشستر البريطانية بمهمة تشكيل الحكومة، ليتصدر اسم "حيدر جواد العبادي" المشهد، ويتبعه أحد قادة الظل لصدارة المسرح العراقي. 
 
كل رجال طهران
«لقد أصبح مقتدى الصدر قومياً عراقياً بدلاً من إسلامي شيعي عراقي .. لا أعتقد أن السياسة الأمريكية هي محاولة السيطرة على العراق، نحن ببساطة نرغب في أن تكون العراق سيادية ومستقلة بدلاً من دولة تابعة لإيران المجاورة، لذلك إذا كان بإمكان الصدر الترويج لذلك، فإنه يتماشى مع أهداف السياسة الأمريكية. ([15])» -روبرت فورد، النائب السابق للسفير الأمريكي في العراق
 
مع كون المشروع الإيراني لبسط النفوذ بالداخل العراقي قائمًا، فإن غروب المالكي كأحد أهم وكلاء إيران عن المشهد عنى أن ظهور آخر أمر شبه حتمي لطهران بالضرورة. ولم يكن هادي العامري وجهًا جديدًا بحال لدى ظهوره وقتها، فالرجل المتمتع بالجنسية الإيرانية، والذي قاتل في صفها ضد نظام صدام حسين خلال حرب الخليج الأولى، وساهم بتشكيل "فيلق بدر" الشهير لاحقًا، قبل أن يصبح عضوًا في البرلمان العراقي في حكومة المالكي، كان بكل ما سبق يشارك طهران طموحاتها بتشكيل نسخة عراقية من الحرس الثوري الإيراني منذ زمن طويل. ولمّا كان صعود "تنظيم الدولة" _مع انتشار اعتقاد عام بأنه تم بتسهيلات حكومية_ قد بدأ يُشعِرُ العراقيين بفراغِ أمني كبير، كانت الصفقة بين العبادي والعامري سلسة للغاية، واختير "الحشد الشعبي" اسمًا للميليشيات الجديدة التي ترأسها العامري، وهي ميليشيات من حيث هيكليتها العسكرية توازي النسخة الإيرانية من قوات الباسيج الشهيرة ([16]). وبالرغم من العداوة التقليدية بين كل من طهران وواشنطن، فقد مثلت الحرب ضد "تنظيم الدولة" في تلك الفترة فرصة لتحالف نادر بينهما لن يتكرر، بينما خلف المعارك الجارية على الأرض، كانت المعركة الإيرانية الحقيقة جارية في خلفية المشهد مع سير وكلاء طهران في تصفية الحواضن السنية تحت غطاء المواجهات ذات الصيت العالمي، لتحقيق هدف استراتيجي مباشر يتمثل في إعادة ترسيخ النفوذ الإيراني في العراق مرة ثانية وللأبد.
 
     
قوات الحشد الشعبي
لم يمهل الصدر طهران الكثير بعد انتهاء ستار المعارك مع "تنظيم الدولة"، وفي إحدى المليونيات النادرة في تاريخ التظاهرات العراقية في أغسطس/آب من العام الماضي، وبحضور شعبي مكثف، بدا الصدر -الذي يجيد اختيار لحظات ظهوره- كأحد الآمال القليلة المتاحة للعراقيين، داعيًا في خطابه للجموع المحتشدة لمحاسبة الفاسدين، وإقامة حكومة تكنوقراط، والإسراع بمعالجة سياسات التمييز الطائفي، وخاطب الأمم المتحدة مطالبًا إياها بالتدخل لتغيير مفوضية الانتخابات العراقية أو الإشراف عليها، لكن المطلب الأهم والأكثر وضوحًا كان رسالة مبطنة للعامري وطهران، جازمًا بأن الحشد الشعبي ينبغي أن ينخرط في الجيش الرسمي، ومضيفًا أن «السلاح ينبغي أن يكون في يد الدولة» فقط.
 
برغم كل ترتيبات الأعوام الماضية، وهندسة الصدر لمساره السياسي المتصاعد باقتدار غير مألوف بالداخل العراقي بعد انتهاء عصر "البعث"، فإن فوزه وتحالفه جاء كخبر سار لقطاع لا بأس به من العراقيين بينما كان غير متوقع بهذا الشكل لقطاعات أخرى، وفي وقت انشغلت فيه الكتل السياسية بالحديث حول نظام المحاصصة والمقاعد الانتخابية وتكرار وعود بدت مستهلكة للشعب العراقي في نسبة كبيرة منه، آتت استراتيجية الزعيم الشيعي سابقًا، القومي حاليًا، أكلها بعد استثماره لكل هذه السنوات في تنمية شعبيته بين الفقراء والطبقات الدُنيا، ممارسًا ذلك الاستثمار بشكل شديد الدقة: يتجول داخل الأحياء والبلدات البسيطة، يشارك المتظاهرين الاعتصام في الخيام، ويبشرُهم بعراق أكثر أمانًا، ويدعوهم للالتفاف حوله، ويطبق دليلًا محكمًا للصعود السياسي باستغلال طبقات المهمشين العراقية الكاسحة.
 
في جوهرها، تعد الانتخابات العراقية رغم تعقيدها منافسة شبه مباشرة بين وضع يد إيران أو قبضة واشنطن في السلطة، ومن بين التحليلات الكثيرة التي صاحبت نتائج الانتخابات الأخيرة، فإنّ فوز الصدر المعروف بمعارضته للتدخل الأجنبي يمثلُ اتفاقًا نادرًا مع واشنطن التي تزايدت هواجسها مؤخرًا من النفوذ الإيراني المتنامي في الشرق الأوسط، خاصة في ظل إدارة ترمب المختلفة كليًا عن رغبة أوباما في ترك القوى الإقليمية للتعامل مع إيران بشكل مستقل. ورغم أن الصدر حاول التأكيد على النزعة القومية العراقية وإبعاد العراق عن النفوذ الإيراني والأميركي، فإنه حريص أيضاً -كسياسي محنك- على ألا يُنفرّ الإيرانيين بالكامل منه أو يجعلهم يشعرون بأنه سيمثلُ تهديدًا صريحًا لهم.
 
ومن المهم أيضًا ملاحظة أن الانتخابات في العراق لا تخبرنا ببساطة من هو الفائز والخاسر بشكل مباشر، حيث لا يوجد أي حزب حقق الأغلبية المطلوبة، ومع هذه الخريطة الانتخابية المجزأة سيستغرق الأمر على الأرجح شهورًا لتشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان، من سيكون لها صلاحية تشكيل الحكومة الجديدة، وستلعب المفاوضات والتنازلات بعد الانتخابات دورًا رئيسًا في تلك العملية، في اختبار جديد لمهارات الصدر السياسية المتصاعدة ومعاونيه.
 
في ضوء ما سبق، فإن الخيارات القادمة تبقى مفتوحة الرهان، وأياً كان الفائز بمنصب رئيس الوزراء، فإن الثابت أن عليه التعامل مع تداعيات قرار ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وهي خطوة ستدفع طهران للتعامل بحزم أكبر مع بغداد لضمان السيطرة على مساحة شديدة الأهمية وتمثل رأس الحربة الإيرانية في مواجهة حلف "الرياض-تل أبيب-أبو ظبي" ذي الرعاية الأمريكية. وعلى الضفة الأخرى، فإنه إذا ما اجتمع الصدر والعبادي في ائتلاف واحد فإن ذلك سيحملُ أخبارًا سيئة للصقور الإيرانيين من المحافظين، كون ذلك يعني أنه سيتم تشكيل حكومة تتمحور حول العراق ويصعب السيطرة عليها، والتي وإن أبقت على علاقة ودية مع طهران، لكنها لن تكون على الأرجح وكيلًا مباشرًا لها.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات