قصة التنظيم السري الذي أسقط الدولة الأموية في المشرق

مُسند للأنباء - رصيف22   [ الإثنين, 21 مايو, 2018 11:43:00 مساءً ]

أرى خلل الرماد وميض نار/ يوشك أن يكون لها ضرام
 
فإن لم يطفها عقلاء قوم/ يكون وقودها جثث وهام
 
أقول من التعجب ليت شعري/ أأيقاظ أمية أم نيام
 
فإن كانوا لحينهم نياما/ فقل قوموا فقد حان القيام
 
بهذه الأبيات أبرق عامل خراسان (منطقة تقع اليوم بين إيران وتركمانستان وأفغانستان) الأموي نصر بن سيار إلى الخليفة في الشام والملقب بالحمار. ولقب الحمار أُطلق على الخليفة الأموي لا لقلة في الفهم بل لصبره على الفتن التي عمّت مملكته.
 
فقد تولى مروان بن محمد الجعدي (آخر خلفاء بني أمية) الخلافة عام 745 (127 هـ) ليجد العالم الإسلامي يموج بالقلاقل، لا سيما الجانب الشرقي منه.
 
في خراسان، وصل العداء بين القبائل العربية الساكنة هناك أشده، لسوء إدارة الحكام ومحاباة كل منهم لقبيلته ضد الآخر. ومناطق شمال العراق وأذربيجان كذلك كانت تعيش اضطرابات واسعة يقودها الخوارج. أما في بلاد فارس، فقد وجد الخليفة مروان نفسه في مواجهة دعوة جديدة بزعامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم.
 
إلى جانب كل هذا، وفي إقليم خراسان تحديداً، بدأ عبد الله بن عثمان المعروف بكنيته أبو مسلم الخراساني متحفزاً للانطلاق، يجمع السلاح وينظّم جيشه في الظل بعيداً عن المعارك الدائرة، ويعد العدة سراً للانقضاض على السلطة حين إعلان ساعة الصفر للتحرك، منتظراً الإشارة من إبراهيم الإمام بن محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الكامن في قرية الحميمة (في الأردن اليوم)، مرشد التنظيم السري وزعيمه.
 
حاول ابن سيار إعلام الخليفة مرات عديدة بما يجري التحضير له، وراح يرسل الأخبار إليه عن طريق عامل العراق الأموي يزيد بن هبيرة، محذراً من عمل انقلابي كبير قد يقلب الموازين ويسقط الدولة. فقد كان يعلم عن حراك أبو مسلم ويعرف أكثر عن التنظيم الذي يقوده إبراهيم الإمام، وأن في الأمر خيوط مؤامرة كبيرة. لكن ابن هبيرة كان يكره ابن سيار ويحجز رسائله الموجهة للخليفة خوفاً من تفوقه عليه، في سياق تنافس حاشية الخليفة على التقرب منه.
 
وحين ضاق ذرع ابن سيار، أقرض أبياته الشهيرة، وكان الشعر وسيلة التواصل المتاحة حينذاك، مطالباً عبرها الخليفة بإرسال المدد لإطفاء النار في موقدها.
 
تأخر وصول المدد إلى خراسان
خرج أبو مسلم بثورته بعد أن تسلم إشاره ساعة الصفر من إبراهيم الإمام، عن طريق ظهور الراية السوداء التي حملها النقيب قحطبة بن شبيب الطائي (في التنظيم السري، كان زعماء الحركة يسمون النقباء). استلم أبو مسلم الراية وأمر الجند (العملاء في نظر الدولة) بالتحرك.
 
خرجت حركة أبو مسلم من الظل واكتسح مسلحوها البلاد، واجتاز قحطبة بجيشه حدود العراق متوجهاً إلى الكوفة، بينما كان أبو مسلم خلف خطوط القتال يطهر البلاد من المعارضين وينظم الإدارة. وبعد دخول قحطبة العراق، استلم خالد بن برمك مهمة التطهير والتمكين فيها.
 
ثم تجزأ جيش التنظيم إلى ثلاث فرق، سارت كل منها في اتجاه، للسيطرة على مناطق جديدة من البلاد وملاحقة فلول النظام. توجه حميد بن قحطبة إلى المدائن، وخالد بن برمك إلى دير قنى، وسفيان المهلبي إلى البصرة. وبقي شمال العراق تحت سلطة الخليفة مروان بن محمد الجعدي يقاتل تحركات التنظيم الذي ما عاد سرياً.
 
خلال تلك المعارك، وقع إبراهيم الإمام (المرشد) في قبضة السلطة، وكُشفت أسرار التنظيم وهيكلية قيادته وتحضيراته للثورة وأسماء المشاركين فيها، وأودع الإمام السجن، وقبض على عدد كبير من أعوانه. أدرك الإمام أن التنظيم بحاجة إلى زعيم جديد، فأوصى بالرئاسة والبيعة لأخيه عبد الله المكنى بأبي العباس، ليسافر المرشد الجديد إلى الكوفة متنكراً مع بعض من رجاله، وليلقى المرشد السابق نحبه في السجن خنقاً.
 
استمر التنظيم في تحركاته بقيادته الجديدة. جولات كر وفر بينه وبين الدولة. وفي صباح يوم الجمعة في 12 ربيع الأول من عام 132 هـ (749 مـ)، خرج أبو العباس من مخبئه باحتفال مهيب حضره القادة والنقباء وجماعة من أفراد الأسرة العباسية، ودخل مسجد الكوفة ليخطب بالناس، ثم صلى إماماً بالحاضرين وأخذ البيعة بالخلافة، معلناً قيام الدولة العباسية.

مسجد الكوفة
 
انقسم العالم الإسلامي مرة ثانية كما كان حاله قبل 100 سنة: هاشمي عباسي يحكم العراق وأموي يحكم الشام. غير أن حاكم العراق من قبل لم يكن فقط هاشمياً بل كان علوياً. كان الإمام علي بن أبي طالب فيها ضد شام معاوية بن أبي سفيان.
 
اتبع أبو العباس السفاح سياسة القسوة، ولاحق مروان الجعدي مطارداً إياه في كل مكان، في الشام وفلسطين، حتى قُتل على يد صالح بن علي العباسي، ليزول سلطان بني أمية في المشرق نهائياً، وتُرفع رايات بني هاشم العباسية.
 
أقوال جاهزة

استمر التنظيم السرّي في تحركاته. جولات كر وفر بينه وبين الدولة. وفي صباح يوم الجمعة في 12 ربيع الأول من عام 132 هـ، خرج أبو العباس من مخبئه باحتفال مهيب، ودخل مسجد الكوفة وخطب بالناس، وأخذ البيعة بالخلافة، معلناً قيام الدولة العباسية
 
هول المجزرة والدم المسال من بيت الإمام علي بن أبي طالب دفع آله وأشياعه إلى التفكير الجدي في تشكيل تنظيم سري يعمل على استرداد الحكم وتطبيق العدالة الاجتماعية وإسقاط سلطان بني أمية
 
هناك روايات عديدة تدّعي أن الخليفة الأموي كان بمقدوره مواجهة ثورة أبو مسلم الخراساني، وأنه لو بعث ابن هبيرة بجنوده إلى خراسان لوأد حراك أبو مسلم في المهد، وما كانت لتقوم دولة بني العباس بالنتيجة. ممكن. غير أن التنظيم السري الذي شكل النواة التأسيسية للدولة العباسية لم يكن ليموت حينها. فصوت الثورة قد أطلق قبل كل هذه المعارك بسبعين سنة، وتحديداً يوم كربلاء، يوم غرست أولى لبنات التنظيم.
 
70 سنة إلى الوراء: كربلاء
في عام 680 (60 هـ)، تولى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الحكم، ممارساً عهداً جديداً بإدارة جديدة تخلو من الكياسة والسياسة التي عُرف بهما أبوه. فقد اتسم عهد معاوية بن أبي سفيان بالاستقرار والهدوء، بعد أن انضوي العالم الإسلامي تحت راية بني أمية بمبايعة الحسن بن علي بن أبي طالب له على شروط وعهود، في ما عُرف بعام الجماعة.
 
دام عهد معاوية عشرين سنة. ولما تقادم سنه أراد أن يخلفه ابنه يزيد في الحكم بدلاً من أن يترك أمر الخلافة شورى بين المسلمين. فعمل على أخذ البيعة بولاية العهد لابنه، في بدعة لم تلقَ الارتياح لدى الكثير من قادة العرب. وجرت أعمال استاء منها الرأي العام، خاصة في الحجاز حيث تعيش معظم الأسر الكبيرة القرشية، وعلى رأس الناقمين كان الحسين بن علي بن أبي طالب.
 
على الأثر، خرج الحسين من الحجاز يريد مواجهة يزيد، بموجب دعوات وجهت إليه من أشياع أبيه. واصطحب معه أسرته، أطفالاً ونساء. وفي طريقه التقى بجيش يزيد في كربلاء، وقاتلهم حتى قُتل هو ومعظم أفراد عائلته، في مأساة يتردد صداها إلى اليوم.
 
 
ربما، فالعلماء لم يحسموا الأمر بعد، يمكن اعتبار الحدث بداية مأسسة ثقافة المعارضة السياسية في العالم الإسلامي، بعد أن كانت أفكاراً وأفعالاً قبلية وفردية يطغى عليها رد الفعل.
 
هول المجزرة والدم المسال من بيت الإمام علي بن أبي طالب دفع آله وأشياعه إلى التفكير الجدي في تشكيل تنظيم سري يعمل على استرداد الحكم وتطبيق العدالة الاجتماعية وإسقاط سلطان بني أمية. وكانت السرية الأساس في نمط وسلوك المنتسبين، فالعمل السياسي المعارض ضد سلطة دموية يحمل مخاطر على مدار الساعة، إذ ضُيقت المجالات على الهاشميين كافة، تحديداً العلويين منهم، وأوجدت الدعاية المسيئة ضدهم في المنابر. لذا السرية وإخفاء الهوية كانا ضروريين.
 
هنا وقعت الأنظار على محمد بن الحنفية، أكبر أبناء الإمام علي الأحياء سناً، لقيادة التنظيم. ولُقّب بالحنفية لأن أمه كانت من قبيلة بني حنيفة الوائلية النزارية. عندها، انتقل التنظيم من فكرة إلى نهج وعمل وتنفيذ.
 
ولما توفي محمد بن الحنفية تولى من بعده قيادة التنظيم ابنه عبد الله المكنى بأبي الهاشم، فواصل العمل التنظيمي السري، وأحسن تدبيره بعيداً عن أعين وجواسيس بني أمية رغم شعورهم بوجوده. وضع الأنظمة وسن الخطط ووزع المهام، وحدد لكل نقيب منطقة عمل (وقتها وصل عدد النقباء إلى أكثر من سبعين ولكل منهم قادة ونواب)، وربط كل المنتسبين في القاعدة بهيكل تنظيمي ومرجعية واضحة، ونظم الدورة المالية للتنظيم وطرق مداخيله.
 
لم تجهل السلطات الأمنية الأموية بهذا التنظيم، وحاولت مراراً كشف هويات قيادته. وفي عام 716 (97 هـ)، وصل أبو الهاشم إلى الشام متنكراً، وقابل الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك لغرض جاء من أجله. أعجب الخليفة برجاحة عقله وصفاء منطقه ووضوح بيانه، فعرف على الفور أنه مَن يحذر منه قائلاً: "ما أظنه إلا الذي حدثنا عنه". وأمر جنده بملاحقته بعد أن فر من الشام.
 
السم الذي غيّر خط الوراثة
كمن جنود الخليفة لأبي الهاشم وهو في طريقه إلى فلسطين، وسقوه السم في كأس اللبن الذي كان يشربه، كما ذكر في المراجع. وعندما علم أبو الهاشم بتسممه وبأنه هالك لا محالة، توجه بركبه إلى أقرب قرية في طريقه: الحميمة. وفيها كان يقيم محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الذي استقبل ابن عمه العلوي وأحسن ضيافته.
 
على الفور، أخبر أبو الهاشم محمد بن عبد الله بأسرار التنظيم السري وهيكله وأتباعه، وقلده الرئاسة والزعامة. ثم كتب إلى شيعته في العراق وخراسان بما جرى، موكلاً جميع أمور الحركة إلى محمد بن عبد الله العباسي، وإلى ولده من بعده، طالباً منهم الامتثال لأوامره.
 
ويرى المؤرخون أن لتوجه أبو الهاشم إلى الحميمة أسباباً كثيرة، منها خوفه من أن يموت في الطريق قبل إيجاد خليفة له من بني هاشم، فيضيع المجهود الذي وضع في بناء التنظيم السري، ومنها أيضاً أن أحفاد الإمام علي الأحياء كانوا صغاراً في السن ولا يستطيعون تحمل مسؤولية بهذا الحجم. زد على ذلك كثرة الشباب في آل العباس بن عبد المطلب. فقد كان لمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس 21 أخاً وثمانية أولاد بنين (إبراهيم الملقب بالإمام، عبد الله الخليفة، أبو العباس السفاح، وعبد الله الثاني الخليفة، أبو جعفر المنصور، عباس، يحيى، وموسى أبو عيسى).
 
وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت أبو الهاشم للتوجه إلى الحميمة، أنتج قراره تحولاً خطيراً برزت نتائجه في ما بعد، بنقله غرس الولاية من شجرة أبيه العلوي إلى شجرة بيت عمه العباسي، ليثمر الغرس بستاناً عباسياً طال عمره قروناً عديدة في حكم العالم الإسلامي، قروناً سلط فيها السيف العباسي على العلويين، وكان أشد مضاضة من وقع الحسام الأموي، لإدراك العباسيين خطر التنظيمات السرية والحركات الثورية.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات