عجوز يجدد أمل شباب ماليزيا.. القصة الكاملة لـ«مهاتير» محمد وصعوده الجديد

مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ الإثنين, 14 مايو, 2018 10:30:00 مساءً ]

لم يكتب هذا التقرير ليتحدث عن قصة مألوفة: «رجل فقير يصعد إلى الحكم قادمًا من قرية مهمّشة»، بل عجوز طاعن في السن يحفظُ دولةً في دماغه، يخرجُ من مكتبه الفخم إلى مكتبٍ فخمٍ آخر حاملًا لقب «رئيس الوزراء»، إنه ملكٌ بلا تاج، مهاتير محمد، كبير السياسة الماليزية الذي لا يتحدث عنه الناس بسخطٍ أو بعين إعجاب.
 
في هذا التقرير استعراضٌ عامٌ لتجربته، مع مرور على نموّ ماليزيا الاقتصادي الذي بدأ قبل قدومه، وتجاوز به مهاتير أزمةً مالية واجه فيها صندوق النقد الدولي. أيّ أفكار يحملها هذا الرجل في الاقتصاد والسياسة؟ وكيفَ عادَ إلى مكتبه القديم مجددًا، على الرغم من سنه الكبير، واعتزاله من فترة طويلة للسياسة؟ وماذا تعني عودته؟
 
قذيفة من التاريخ تحتلّ ساحة كوالالمبور
يعتبرُ مهاتير أسرته أسرةً فقيرة من متوسطي الدخل، وُلدَ في 10 يوليو (تمّوز) 1925 لمُعلم رياضيات ترك المدرسة، وعملَ مدققًا ماليًا، وترعرع في بيتٍ مالاوي تقليديّ مُكتظٍّ بالإخوة والأخوات، تلقَّن فيه القيم الماليزية القديمة واحدةً تلو الأخرى من والدته القريبة له: الأسرة، والتواضع، والاهتمام الشديد بالمواعيد، وأهمها الحرص على التعلم والتعليم، وغيرها من القيم «المالاوية التقليدية»، التي يتحسّر مهاتير على فقد الأجيال الجديدة لها.
 
من المدرسة إلى كليّة الطب في سنغافورة، شابٌ طَري العود يخافُ من الجثث وتشريحها، يتعلم الدرس الأول: إذا خفتَ شيئًا واجهه. هكذا يتحدث مهاتير عن نفسه في سيرته الذاتية، «طبيب في رئاسة الوزراء»، شارحًا كيف مارس السياسة بعيني الطبيب: استماع حقيقيّ للمشكلة، ثم تشخيصٌ دقيق. هذا وصفه لنفسه، وإن كانت تبدو الأمور في الواقع مختلفةً بعض الشيء.
 
خطا مهاتير خطوته الحقيقية الأولى في عالم السياسة كعضوٍ في البرلمان الماليزي عامَ 1964، منتقدًا كل شيء لا يعجبه؛ فطُرد من «أمينو»، التحالف السياسي الأقدم لإثنية الملاويين في ماليزيا؛ بعد انتقاده لرئيسها. ظلَّ مهاتير ناشطًا؛ حتى عادَ إلى اللعبة مع أمينو مجددًا، ودخلَ البرلمان عام 1974 بسمعةٍ عن أفكارٍ وخطط لديه عن تحسين التعليم، وبشكل مُفاجئ عُيّن وزيرًا للتعليم، متجاوزًا بذلك البروتوكول المعتاد بأن تكون نائبًا للوزير كتمرين قبل استلام حقيبةٍ وزارية بكامل مهامها.
 
وبعد أربع سنوات من حمله لحقيبة التعليم توفي أستاذه عبد الرزاق حسين، رئيس الوزراء الذي عيّنه في منصبه. وبوفاته صعدَ إلى رئاسة الوزراء حسين أون، وصارَ مهاتير نائبه. أن تكون نائب رئيس الوزراء، فهذا يعني الكثير في ماليزيا ذلكَ الوقت؛ فالحزب الحاكم (أمينو) مسيطرٌ تمامًا، ويترأس الحزب رئيس الوزراء، وبرحيله يحلُّ نائبه مكانه. وهكذا، وفي مشهد مفاجئ وغير متوقع، وجدَ مهاتير نفسه على أهمّ كرسي في البلاد، في 16 يوليو (تموز) 1981، وكأن مهاتير أخذَ الكرسي إلى نجّار خاص فصَّله وصاغه على قياس مهاتير فحسب، فلا يرتاح فيه أحدٌ غيره من بعده.
 
مهاتير في مؤتمر الكومونويلث، كرئيس لوزراء ماليزيا عامَ 1981، في بريطانيا، البلد التي يكرهها –كما يقول مذاكير في مذكراته-.
 
لم يكن مهاتير صغيرًا آنذاك؛ فعمره 56 عامًا، وظلَّ في منصبه حتى أواخر 2003، تاركًا كرسيّه الخاص مُقتربًا من عامه الثمانين. فكيفَ عاد اليوم إلى الساحة على الرغم من سنه الكبير: 92 عامًا؛ ليُحقق نصرًا مُستحقًا على منافسه الذي نشأ في ظلّ توجيهاته، بتحالفٍ جديد كسرَ التقليد الماليزي الأقدم.
 
هزَّة أرضية: شرق آسيا بلا مال
تعيشُ في بلدك وقيمة مدخراتك وأملاكك وكل ما لديك تنخفضُ يومًا بعد يومٍ فيما يُشبه انهيارًا جليديًا، وكلفة ربطة الخبز قديمًا لا تكفي لرغيف واحد اليوم. هذه ببساطة هي الأزمة المالية الآسيوية عامَ 1997. انهارت قيمة العملة، ما الذي يُسبب حدوثَ ذلك؟ المضاربون وانفتاح السوق دونَ قيود أو شروط. ما حدث أن صندوق النقد الدولي كان يرعى ويحفّز سياسات فتح السوق الآسيوية أمام الاستثمارات الأجنبية، على الطريقة الليبرالية: دونَ قيود؛ فتتدفق الملايين من الدولارات دون أن تتمكن الحكومات من منعها، أو التحكم بها بأي شكل من الأشكال، تزدهر البلاد وتُصبح «ثرية» وذات استقرار ماليّ؛ فترتفعُ قيمة العملة ، ويشعرُ المستثمرون البعيدون أن المكان آمن؛ فتتدفق رؤوس أموالٍ جديدة بأحجامها المختلفة: الصغيرة، والكبيرة.
 
ودونَ سابق إنذار يُسحبُ فجأة رأسمال ضخم جدًا من البلاد؛ فتقلُّ قيمة العملة كثيرًا. يخافُ المستثمرون؛ لأن قيمة أموالهم تقلُّ شيئًا فشيئًا أمام أعينهم، ربطة الخبز صارت بقيمة رغيفٍ واحد. وعندما يدقُّ ناقوس الخطر في البورصات، ينسحبُ المضاربون جميعًا ويختفون، وتختفي معهم الأموال، ولا يظلُّ دولارٌ واحد في البلاد في مكانه، وينتهي المطاف بأبناء البلاد وحدهم، دونَ شيءٍ هذه المرّة. هكذا تنهار عملةٌ من خلال المضاربة.
 
بفقاعة عقاريّة ومضاربات كبيرة بدأت قصة الأزمة الماليّة في تايلند، ومع ظروف أخرى، ما الذي مهَّد الطريق لهؤلاء المُضاربين ليهزّوا اقتصادات ناميةٍ كتلك؟ صندوق النقد الدوليّ، الذي دفعَ باتجاه فتح الأسواق، و(لبرلتها) سريعًا، ودون تدرجٍ حقيقي، مؤكدًا على أنَّ ذلك «أمرٌ إيجابي»، وستكون نتائجه إيجابيةً كذلك. أبعدَ من ذلك: قبلَ شهرين من وقوع الأزمة طمأن رئيس صندوق النقد دول الإقليم بأنَّ أوضاعها الاقتصادية مُطمئنة وإيجابيّة. انهارت تايلند، وتبعتها اقتصادات الإقليم في الانهيار، وخسر الرنجت 30% من قيمته. وهنا تأجَّج الخلاف بين مهاتير وأنور إبراهيم.
 
 
المشترك الذي تتصل به غير متاح حاليًا!
وقفَ صندوق النقد الدوليّ يُتابع الأزمة من بعيد، وبعد أن غرقت آسيا بعملاتها، هبَّت فورًا مُقدمةً حزمَ إنقاذٍ قاسية: 23 مليار دولارٍ لإندونيسيا، و17 مليارًا لتايلند، مشروطةً بإعادة هيكلة الاقتصاد، وهذا يعني باختصار: التقشّف، وخفض الإنفاق العام، وإغلاق الكثير من الشركات والبنوك، أو استحواذ رؤوس أموال أجنبيّة عليها.
 
أما ماليزيا فقد أشاحت بوجهها عن عروض النقد الدوليّ، ومع بداية الأزمة أعلنَ أنور إبراهيم، وزيرٍ المالية، أن خفضًا في إنفاق الوزارات سيتم بينَ 10-20%، وأعلن وقفَ ضخ الأموال في المشاريع العملاقة. أُلغيت معظم رحلات الوزراء إلى خارج البلاد، وتطوّعوا باقتطاع 10% من رواتبهم، وتبعهم بذلك بعض البيروقراطيين مُتبرعينَ بـ5% من رواتبهم. لاحقًا حُفِّزَ المواطنون على إيداع الأموال وادّخارها بتخفيف الضريبة عنهم، وفورًا فُرضت قيود على العمالة الأجنبية وأموالها، التي تُرسل 4 مليارات رينجيت سنويًا إلى خارج البلاد.
 
مهاتير كانَ حادًا في الهجوم على المُضاربين وعلى المحللين الاقتصاديين الذين شكَّكت تحليلاتهم في قوة الاقتصاد الماليزيّ؛ فخوّفوا المُستثمرين. ودعا إلى «مَركَزة» الاقتصاد: أن تتحكم الحكومة برؤوس الأموال، وأن تمنع المستثمرين، ورؤوس الأموال الأجنبية من الانسحاب من السوق، بعدَ أن وقعت الأزمة، بهدف تثبيت سعر العملة وتثبيت السوق. وهذا ما حصلَ بالفعل.

بورصة كوالالمبور.
 
بدلًاعن التقشف الذي أوصى به صندوق النقد الدولي اتجهَ مهاتير نحو إنعاش الاقتصاد بزيادة الضخ في الإنفاق الحكومي والعام، ولتوفير المال للإنفاق استعانت الدولة بصناديق ادخار الموظفين والمتقاعدين، وأي صناديق ادخار أخرى تابعة للدولة، ووفَّرت شركة النفط الوطنية «بتروناس» سيولة مالية جيدة للبلاد. وُضعت سياسات تمنع رؤوس الأموال من التدفق إلى خارج البلاد، فأُمسكت 8 مليارات دولار داخل البلاد من الاستثمارات الأجنبية.
 
شيئًا فشيئًا فُتح الباب أمام رؤوس الأموال لتُهاجر إلى الخارج في نطاق شروط معينة، كضريبة على سحب المال، حُوِّلت لاحقًا إلى ضريبة على الأرباح. كان موقف أنور من الأزمة مُعاكسًا لموقف مهاتير الذي شرعَ يُهاجم المُضاربين، ويتهم جورج سورس بأنه فاعلٌ رئيسي في المضاربة بالعملة وإسقاطها، وظلَّ أنور داعيًا إلى سياسة السوق المفتوح التي رفضها مهاتير رفضًا تامًا.
 
أُسست وكالات اقتصادية لحلّ مشاكل اقتصادية محددة، كالديون المُتعثرة، التي كانت تخنق حركة الاقتصاد، فأُوجدت شركتان: «Danaharta» و«DANAMODAL»، للعمل على التخلص من هذه الديون بضخ النقد المالي بشكل مُوجّه، وإعادة بناء القطاع البنكي بشكل خاص، مُخفضة من مخاطر تضخّم الاقتصاد.
 
في نفس العام ارتفع الطلب العالمي على الصادرات الماليزية الإلكترونية؛ فسندت الإنفاق، ونما الاقتصاد في الربع الأول 4.1%، على عكس المتوقع: 1%، وكان ذلك إشارةً إلى انتهاء فترة الركود.
 
كانت التوقعات عكسيّة: أن يفشل الاقتصاد، وأن تفشل استراتيجية مهاتير التي تُغلق السوق وتمنح الحكومة سيطرة واسعة عليه وعلى رؤوس الأموال فيه، الأجنبية خصيصًا. وصندوق النقد الدولي الذي أصدر تحليلاتٍ عدّة تتوقع فشل هذه الاستراتيجية، تراجع وأعلنَ رئيسهُ إعجابه باستراتيجية الإنعاش الماليزية، وهو ذاتُ الرجل، ميشيل كامديسوس، الذي طمأن ماليزيا قبل أزمتها الاقتصادية بشهرين بأن شؤونها المالية ممتازة ومُستقرة، ثمَّ فجأة غرقت ماليزيا.
 
ليس من السهل أن يصدر تصريح كهذا من صندوق النقد الدولي، الأداة العالميّة لفتح الأسواق المُغلقة بقوّة المال، «أصابت ماليزيا في تحكّمها برؤوس الأموال». وفي نفس الوقت حفظت سيادتها على بنوكها ومؤسساتها، في حين استحوذت رؤوس الأموال الأجنبية على بنوك الدول المُجاورة لها. وجاء ارتفاع ونجاح ماليزيا مُذكرًا بشكل ساخر بعبارة: «ارتفاعُ المَد يرفعُ كل القوارب»، فحسَّنت فرص النمو في جاراتها المُنهارة، التي انخرطت في تنفيذ خطط صندوق النقد الدولي، ولم تقترب في نتائجها من نتائج ماليزيا.
 
بلد متأهِّب: كيف يفكّر مهاتير؟
 
خطواتٌ أولى في الاقتصاد
لم تنتج رؤية مهاتير الاقتصادية من العدم، بل كما يؤكد في مذكراته، كانَ متابعةً لما قدَّمه الآباء الأوائل لماليزيا ما بعد الاستقلال. أما ما ميّزه فكان اهتمامه الشديد بأن لا يحتاج الماليزيون لمساعدة خارجيّة، وإذا احتاجوها فليتعلموا كيفيّتها.
 
في الستينات اتجهت البلاد نحو إنعاش صناعة المطاط ونخيل الزيت، ونشأ قطاع لإنتاج الأخشاب ذو مردود جيّد. كان إنتاج ماليزيا لهذه المواد، المطاط خصوصًا، إنتاجًا لمواد أوليّة، ثم تُصدر لعدة دول؛ لتُصنّع هذه المواد الأولية، وتحوَّل، ثم يعاد إرسالها بفارق عالٍ في السعر تدفعه ماليزيا، بدلًا عن أن تنتج المنتجات بشكلها النهائي محليًا. كانَ هذا هاجسًا مُزعجًا لمهاتير، وظلَّ حريصًا على نقل الإنتاج إلى الداخل، ولو بملكيّة غير ماليزية، مع اشتراط بتعليم كوادر ماليزية وتأهيلها لأداء هذه المهام الصناعية الجديدة على البلاد.
 
وفي السبعينات ارتفعت قيمة هذه المواد الأولية، وارتفع معها النمو إلى 11.8%، بعد أن كان 10.9% في الستينات. وفي السبعينات بدأ الانتقال نحو التصنيع، بدلًا عن التصدير الأوليّ فحسب، وهذا يعني انخراطًا لشريحة أوسع من العمالة الماليزية في العمليّة، ومنذ ذلك الحين وحتى أوائل التسعينات تضاعفت القوى العاملة من 3.2 مليون إلى 6.4 (يبدو التضاعف مبررًا أكثر عند أخذ ارتفاع عدد السكان في الحسبان).
 
وتحرَّكت تشريعات الدولة وخططها الاقتصادية بهذا الاتجاه، تحويل الاقتصاد من مجرَّد اقتصادٍ زراعي إلى اقتصادٍ صناعي؛ صنعنة الاقتصاد. وبناءً على ذلك بُنيت رؤية جديدة للبلاد، وسارت الأمور على أربع مراحل:
 
المرحلة الأولى: استبدال الواردات بتصنيعها محليًا. 1958-1970.
المرحلة الثانية: التصنيع بهدف التصدير إلى خارج البلاد. 1970-1980، (وهنا بدأت استراتيجية السياسة الاقتصادية الجديدة).
الجولة الثانية من المرحلة الأولى. 1980-1985.
الجولة الثانية من المرحلة الثانية. 1985 وحتى 1991، حين أطلق مهاتير الرؤية المُكملة: رؤية 2020.
تسلّم مهاتير رئاسة الوزراء في منتصف 1981، أي أن الاستراتيجية القديمة كانت قد انطلقت بالفعل، وحقَّقت تقدّما جيدًا في نقل الاقتصاد من الزراعيّة إلى الصناعيّة: قفزت حصة القطاع الصناعي من إجمالي الناتج المحليّ من 6.3% في بداية التغيير، إلى 26.8% عامَ 1990. وانخفضَت حصة القطاع الزراعي من 47% إلى 19.4%، وظلَّ حجم قطاع الخدمات شبه ثابتٍ على الرغم من توسعه الكبير، لكنّ التغيّر الحساس في هذه العقود الثلاثة يكمنُ في الانتقال من الاستيراد إلى التصدير: صارت حصة الصادرات من إجمالي الناتج المحلي تساوي 69% في 1990، بعد أن كانت 42% في 1963. لم تتجه ماليزيا في تلك الفترة نحوَ الشركاء القدامى: أمريكا وأوروبا، وإنما تجاه الدولة المجاورة والجنوبيّة، إنها سياسة مهاتير تقود اقتصاده، وحاجات اقتصاده تقودُ سياسته.
 
البراجماتية الأمريكيّة في زيٍّ ماليزيّ
عقلية مهاتير مختلفة عن مَن تبعوه؛ فعدا الاختلاف الطبقي/ الاقتصادي، هنالك اختلاف فكري واختلافٌ في التوجه. مهاتير ابن أسرة عاديّة متوسطة الدخل، أما من بعده فكانوا أبناء الأرستقراطية الملاويّة. وفي نفس الوقت، شهدَ مهاتير استقلال ماليزيا وتحررها من سلك الدول المُستعمَرة، وإن كان استقلالها أقل دمويّة من استقلال جاراتها، وخرجَ من كلّ ذلك بحسٍّ ضد استعماري/ غربي، ظهرَ بوضوح في رفضه لما قدمه صندوق النقد الدولي.
 
لكن قناعات مهاتير سرعان ما كانت تنهار أمام المصالح السياسية والاقتصادية؛ إذ فتحت الأسواق الماليزية – في فترات الاستقرار – لرؤوس الأموال الأجنبية أيًا كان مصدرها. إلى أيّ حدٍ كان لاختلاف الخلفيات دورٌ في تصادم مهاتير مع سلفه نجيب؟ مهاتير درس الطب في ماليزيا، ودرسَ الأخير في بريطانيا – المُستعمِر السابق لماليزيا – الاقتصاد الصناعيّ، وهو ابن ثاني رئيس وزراء ماليزيّ، استُدعي للبرلمان ليخلف مكان والده بعد وفاته؛ فدخلَه بعمر الثانية والعشرين.
 
كذلك، على خلافِ نجيب، اهتمَ مهاتير اهتمامًا أكبر بالعالم الإسلامي، أو ما يُسميه الماليزيّون بـ«غرب آسيا»، وظلَّ يعقد زيارات دبلوماسية لدول العالم العربي، وعبّر بشكل واضح عن دعمه للقضية الفلسطينية ورفضه لما تفعله إسرائيل.
 
 

مهاتير مع الرئيس الفلسطينيّ الراحل ياسر عرفات، في ماليزيا عامَ 2001.
 
أما نظرته المعادية للاستعمار فدفعته باتجاه جيرانه من الدول الآسيوية، وظلَّ يدعو لحوار جنوبيّ – جنوبي، بين دول الجنوب وبين الآسيويين لبناء مصالح سياسية واقتصادية بشكل خاص، مشتركة ونافعة للجميع. روُّج لنموذجه في الحكم على أنه «إسلاميّ معتدل»، حتى الولايات المُتحدة وصفته بذلك بعد أحداث سبتمبر (أيلول) التي دفعته أكثر باتجاه الدول الإسلامية.
 
لكنَ موقفه من هذه الدول ليسَ كلامًا فحسب، بل فيه توجّه براجماتي واضح لتشغيل الأموال الماليزية وبيع تكنولوجيتها (وفي ظروفٍ أخرى كانَ توجه ماليزيا مهاتير نحو العالم الإسلامي إنسانيًا؛ إذ اهتمَ بشكل خاص بحرب البوسنة والهرسك، واستضاف الهاربين من الحرب كلاجئين سياسيين في بلده).
 
وكانت ماليزيا، مع الصين والهند، من أول الوافدين إلى السودان، ودخلت إلى السودان لتعمل في بناها التحتيّة في مستويات مختلفة: بناء السدود، وشبكات الاتصال السلكية، واللاسلكية، وأهم من ذلك: الصناعات النفطيّة. استحوذَت شركة النفط  «بتروناس»، أكبر شركة ماليزيّة، على أكثر من 30% من سوق النفط السودانيّة عامَ 1997، ومعها الصين والهند، إلا أن الحرب الأهلية في السودان صعَّبت العمليات النفطيّة للدول الثلاث، لكنَّ ماليزيا لم تنسحب، على الرغم من استهداف موظفيها واختطافهم وقتلهم. كانَ السوق السوداني فرصةً ذهبيةً للتوسّع، بعد أن انسحبت منه الشركات الأوروبية والأمريكيّة. اتسع التعاون ليشمل صفقات سلاحٍ مع السودان، ودخولًا في سوق الصناعات التحويلية، وتصفية البترول.
 
خديجة خالد، الأستاذة الباحثة في المؤسسة الدولية للسياسات العامة والإدارة في جامعة مالايا الماليزيّة، ترى أن تفكير مهاتير السياسي – داخليًا وخارجيًا – مرتبطٌ بالاقتصاد بشكل مباشر، وأنَّه لطالما رأى علوَّ المنزلة السياسية لأية دولة عالميًا مرتبطًا بنجاح اقتصادها وتقدمه. إلى حدّ ما رسمَ مهاتير خطوطًا للسياسة الخارجية صَعُبَ على من بعده أن يخرجوا عنها، وحجر زاوية هذه السياسة: النزعة الإقليميّة، الميلُ نحو الدول المجاورة والاهتمام بها أكثر من غيرها، ولذا دعم منظمة «آسيان» الاقتصادية التي تجمع دول جنوب شرق آسيا، وتشكّل الآن سابع أكبر اقتصادٍ في العالم.
 

مراضاة الخصوم: مهاتير في «انقلابٍ ديمقراطي»
 
تُهم «جنسو-سياسية»
 
كانت سنوات 1997-1999 سنوات قاسية على مهاتير شخصيًا، وعلى ماليزيا، وإقليم شرق آسيا ككل، كانت الأزمة قاسيةً، وواجهها مهاتير باستراتيجية قاسية؛ فكسرها، وتخطَّى الركود أسرعَ من غيره. أنور إبراهيم، السياسيّ الموثوق والمقرّب من مهاتير، خدمَ كوزير للماليّة منذ 1991، وفي 1993 صارَ نائبًا لمهاتير في رئاسة الوزراء، حتى 1998 حين اشتعلت الأحداث، سياسيةً واقتصاديّة، مُفجرة خلافًا بين الرجلين.
 
في تلك الأثناء، ومع السقوط الكبير للاقتصاد عَلَت أصوات المُشككين في كفاءة وجدارة مهاتير، وهل من الجيّد أن يظلَّ في سدة الحكم ويقود البلاد في أزمة حادة كهذه وهو الذي أوصلها إليها؟ صدرت مطالب بتنحي مهاتير، واستجاب مهاتير بتنفيذ حملات تأييد واسعة على طول البلاد وعرضها، ولمّا عُقدت جلسة في البرلمان لطرح الثقة عن الحكومة، أو تجديدها، أعرب أنور إبراهيم بشدَّة عن ثقته بمهاتير كرئيس للوزراء، فعلَ ذلك على الرغم من خلافهما الشديد حولَ طريقة إدارة الأزمة.
 
وكانَ رمزُ أنور يبرزُ يومًا بعد يوم كرئيس كفء للوزراء، ولكن تهمًا بالفساد والمحسوبية، وحتى اللوطيّة – المُحرَّمة قانونيًا في ماليزيا آنذاك – بدأت تنتشر عنه في أوساط أمينو وفي ماليزيا. كانت هذه التهم، مع أدلّة يُصرّ أنور على أنها مزيّفة، كافيةً لمهاتير ليطرد أنور من الحكومة في سبتمبر 1998؛ ففرغ مقعدا الماليّة والداخليّة، وأخذهما مهاتير، وأعطى ذلك مبررًا كبيرًا للمعارضة لتصمه بالديكتاتور المتفرّد.
 
وبحركة محبوكة، جلبَ مهاتير وزيرًا قديمًا من الثمانينات إلى منصبه مجددًا: وزير الماليّة «ديم زين الدين»، ومعه وزيرًا للداخلية، ونائبًا لرئيس الوزراء عبد الله أحمد بدوي. وبذلك اتزَن الحزب الذي أجَّل مهاتير انتخاباته الداخلية لما بعد الانتخابات البرلمانية. وحوَّل طاقات الحزب من صراع داخلي إلى آخر خارجي على مستوى ماليزيا لإثبات تفوق أمينو. وبدأ مهاتير بإلقاء التهم على صديقه القديم أنور، وأصدرَ في الاجتماع العام لأمينو لائحة بأسماء مُقربين من أنور تحصلوا على عقود مع الحكومة بالمحسوبية.
 
اعتُقل أنور لاحقًا في 14 أبريل (نيسان) 1999، بتهمة الفساد، وحُكم عليه بست سنوات من السجن؛ صدمت قطاعًا من الناس، واعتبروا المحاكمة سياسية لاغتيال رمزية أنور؛ فنزلوا إلى الشوارع في احتجاجات مستمرة لثلاثة أيام؛ تحوَّلت أحيانًا إلى عنف قابله عنفٌ آخر من قوات مكافحة الشغب.
 
 

احتجاجات مؤيدة لأنور إبراهيم.
 
ثمَّ في الذكرى الأولى لاعتقال أنور إبراهيم اجتمعَ 10 آلاف مُحتج أمام المسجد الوطني إحياءً للذكرى، وقابلتهم مجددًا قوات مكافحة الشغب، وبدأت موجة من الاعتقالات لقادة المعارضة بتهمة التحريض. في نفس الوقت نشرت أشرطة مسجلة للمعارضة اعتبرها مهاتير تهديدًا على الأمن الداخلي لماليزيا بدعوتها لقتله وقتل قيادات سياسية أخرى، ولكن ناقوس خطر دُقَّ في هذه التظاهرات؛ إذ مَثل فيها بوضوح الملاويون الشباب والطلاب من حركة أمينو.
 
أما التجمّعات الإسلامية الملتزمة، فكانت مشكلةً أخرى؛ فاتهمت أعضاء من أمينو بالكفر، واعتبرت مهاتير «فرعونًا كبيرًا»، وردَّ مهاتير في نفس الفترة برحلة إلى مكة، مع إعلان رسمي عن ما يُشبه تأميم المدارس الإسلامية الداخلية؛ لتصير تحت سيطرة الدولة لـ«تحسينها إداريًا». فعليًا دخلت الدولة فيما يشبه حالة طوارئ مُخففة.
 
اهتزَّت صورة القضاء بعد الحكم القاسي على أنور إبراهيم، انطلق الجنون في هذه الفترة، الكلّ يُقاضي الكل! قادة الحكومة يُحاكمون المُعارضة على تُهم الفساد، ورجال الأعمال يُحاكمون الصحافيين على نشر قصص عنهم، واتهامهم بالمحسوبية، والمعارضة فعلت المثل بقادة الحكومة ورجال الأعمال.
 
أزمتان: سياسيّة، واقتصاديّة، أسقطت الأخيرة رؤساء الدول المجاورة بشدّة وطأتها، وتجاوزها مهاتير بأقل خسارة ممكنة، وخرجَ منها سالمًا يخوض الانتخابات العامة عامَ 1999، ويحقّق فيها – كالمعتاد- فوزًا بأغلبية كبيرة، ولم يخسر في جولته هذه بعد كل معاركه، سوى 15 مقعدًا. مُنهيًا بينَ 1997-1999 برجَي التوأم، التابعين للشركة النفطيّة «بتروناس»، يُشكّل البرجان مع عدة مشاريع عملاقة أخرى عمودًا مهمًا في فهم مهاتير للنهضة الاقتصادية لماليزيا، فهي تعطي الماليزيين رمزية «ماليزيا
تستطيع»، و«الماليزيون يستطيعون» أن يكونوا بأداء وتقنية الأوروبيين، وتظلُّ الأبراج رمزًا للتقدم والتطوّر الصناعي والاقتصادي، وغيرها المطار، مطار كوالالمبور الدولي، الذي بُدئ العمل عليه منذ 1993 وحتى 2007.
 
لا يحب مهاتير هذه المشروعات لرمزيتها فحسب، ولكن لأنها تخلقُ طلبًا ضخمًا على الموارد والعمالة، وبذلك يأتي مع كل مشروع كبير شركات حكومية كبيرة تُنفق أموال الميزانية على أبناء الشعب، فالعمال ماليزيّون، والموارد المستخدمة ماليزيّة، والمال من وإلى ماليزيا. وهذه نقطة خلاف أخرى بين مهاتير وأنور، الذي أجَّلَ عملَ المشروعات العملاقة فورًا مع بدء الازمة الاقتصادية، مُظهرًا اختلافًا كبيرًا في الرؤية بينه وبين مهاتير.
 
تقاعد مهاتير عن عمله السياسي في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2003، ترك البلاد في يد رجل اختلفَ معه لاحقًا، عبد الله أحمد بدوي. لحقَ ببدوي بعد رئاسته نجيب رزَّاق، ووجود ملفات فساد كبيرة مرتبطة برزَّاق لا ينفي أن سجله السياسي كان حافلًا وثريًا؛ فقد نجحَ في انتخاباته الأولى، ثم الثانية، رغم «فضائح الفساد» المرتبطة به وبزوجته. حتى جاءت احتجاجات 2016 واسعة النطاق، التي  لبسَ فيها الماليزيّون ملابسَ صفراء وملأوا الشوارع بحملة «نزاهة»، احتجاجًا على حكومة نجيب وفسادها.
 
ودفعَ هذا مهاتير ليُقدم على خطوته التالية: انسحبَ في 2016 من التحالف الحاكم «أمينو»؛ لأنه رآه «مساندًا للفساد»، وبعدَ عامٍ من ذلك أسس حزبه الجديد لخوض الانتخابات، والإحاطة بنجيب، رئيس الوزراء الحالي المُتهم بالفساد.
 
ذهبَ مهاتير لزيارة أنور إبراهيم، وتحدَّث عنه كرجل المرحلة، والرجل الأنسب لماليزيا، وبدأ يظهر مع زوجة أنور وابنته، زعيمتي التحالف المُعارض. في طريق العودَة عليكَ أن تقدم تنازلًا كبيرًا بعدَ أن تُؤذي الآخر كثيرًا. ووعدُ مهاتير أنور إبراهيم أن يتنازل عن رئاسة الوزراء لهُ بعد خروجه من السجن، وبعدَ أن فازَ مهاتير بالانتخابات، قبل أيّام صرَّح أن أنور سينالُ عفوًا ملكيًا قريبًا ليعودَ إلى الساحة السياسية، ويستلم رئاسةَ الوزراء.
 
 

صورة قديمة تجمع مهاتير بأنور إبراهيم.
 
الصينيّون
في ماليزيا ثلاثُ إثنيات: هنديّة، وصينيّة – تملكُ الأخيرة مصادر مالية كبيرة – والإثنية الأكبر والأقدم في البلاد: الملاويّة. بعدَ استقلال ماليزيا عن بريطانيا عامَ 1963، كانَ للصينيين والهنود يدٌ نافذة جدًا في الاقتصاد، وشعرَ الملاويين أن فرصهم في البلاد قليلة أمام الصينيين بنفوذهم المالي والسياسي، فكانت اضطرابات 1969 ذروة التوتر، وقُتل فيها 143 صينيًا و25 ملاويًا.
 
وعلى إثرها أُعيد ترتيب النظام السياسي والإنفاق الحكومي ليُقدم فرصًا عادلة للإثنيات المختلفة، وللملاوية، الأكثرية المحرومة من التعليم على وجه الخصوص. اعتمَد مهاتير وحزبه أمينو لوقتٍ طويل على أصوات الملاويين، ونظرَت النخبة الصينيّة لمهاتير كملاوي مُتعصب ومُغال، وهو ما ينفيه عن نفسه. وفي العامين الماضيين تحالفَ مهاتير مع أعدائه الصينيين القدامى، متجاوزًا الخلاف الإثني التاريخيّ.
 
ملكٌ بلا تاج: لمَ العودة الآن؟
انشق مهاتير عن حزبه؛ لأنه تحوّل من «حزب أمينو» إلى «حزب نجيب»، رئيسُ الوزراء المُتهم بالفساد، وتحوَّل إلى حزب «مساند للفساد»، وجدَ أن عليه العودة لإخراج نجيب ومُحاسبته على تهم الفساد المُسندَة إليه.
 
فازَ تحالفُ المعارضة، «تحالف الأمل»: مهاتير مع الصينيين وأتباع أنور إبراهيم بـ124 مقعدًا من أصل 222، مُتجاوزين بذلك النصاب المطلوب لكسب الأغلبية البرلمانية، ومن ثمَّ صار زعيم التحالف، مهاتير، رئيسًا للوزراء.
 
صعدَ مهاتير لأداء اليمين كأكبر حاكم سياسي في العالم عن عمر 92 عامًا، وعلى عاتقه وعدَان للوفاء بهما: إخراج أنور من السجن، ووضعُ نجيب رزاق فيه.
 
صدق مهاتير، فخلال عامَين من الآن كحد أقصى سيكون أنور إبراهيم في كرسي رئاسة الوزراء، وسيتخلّى له مهاتير عن منصبه.
 
مهاتير في مؤتمر صحفيّ بعد القَسَم الدستوري، 10 مايو (أيّار) 2018.
أما نجيب رزاق فينتظره مستقبلٌ مجهول يبدو أنه سيكون قاسيًا. فبعدَ فوز مهاتير، وحتى قبل الانتخابات، كان يُنادي بالتحقيق في قضايا الفساد التي ارتبطت باسم نجيب، وبعدَ يومين فحسب من فوز مهاتير حاولَ نجيب وزوجته الهرب من ماليزيا إلى إندونيسيا، تجنبًا لمحاكمة وتحقيقات حول قضايا «فساد كبيرة».
 
وفي تطوّر في هذه القضية داهمت الشرطة الماليزية بيوت أقاربٍ لرئيس الوزراء بحثًا عن وثائق هامة، «يُعتقد أن هنالك محاولة لتهريبها خارجَ البلاد». بالأمس 13 مايو (أيار) 2018 اتهمَ رئيس مكتب مكافحة الفساد نجيب بإعاقة التحقيقات في ملف الفساد، الذي يبدو أنهُ لن يُغلق كما أراد نجيب.
 
تقرير للجزيرة يعرض ملفات الفساد المرتبطة برئيس الوزراء الماليزي السابق نجيب رزّاق.
 
إنه صعودٌ مُدهش، أن تعود بالديمقراطية مجددًا إلى الحكم بوعدٍ لم يعده أحدٌ من قبل: «جئتُ لأتخلى عن السلطة!»، يبدو المشهد دراميًا ومُثيرًا للحنق في دولٍ تعيشُ اختناقًا غيرَ مسبوق في الحريات.

 
أي آفاق جديدة ستنفتح للعالم العربي بصعود مهاتير، ثم أنور إبراهيم؟ الأيام كفيلة بالإجابة عن ذلك.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات