الخيال العلمي وتراجيديا فيلم «خوذة»: عن الشباب اليمني ومأساة الحرب

مُسند للأنباء - القدس العربي   [ الجمعة, 16 مارس, 2018 08:20:00 مساءً ]

سواء اتسعت أو ضاقت العبارة إزاء علاقة السينما بالمجتمع، إلا أن فحواها لا تتجاوز كون الفن السابع منصة مختلفة تُوَصّف اللحظة أكثر من أن تعبُر عن موقف منها، وبالتالي تنبثق جودة العمل فيها من الاشتغال النوعي، أولاً على الأدوات بوعي يؤمن بكل التفاصيل. 
 
ومن الحرص ثانياً، على أن يخرج الفيلم بمستوى ما أُريد له أن يكون وأن يظهر ما في الحبكة الموضوعية من أهمية موازية.
 
 
يمكن القول إن فيلم «خوذة» للمخرج اليمنيّ الشاب أسامة خالد، الذي شهدت صنعاء مؤخراً عرضه الأول والثاني، قد استطاع أن يخرج للمشاهد، وفق ما أراد له مُخرجه أن يكون عليه، فهو فيلم خيال علمي قصير، (وهنا لم يتسن التأكد من أنه الأول يمنياً في مجاله) إلا أن ما يتضح، من خلال مشاهدته، أن هذا العمل لم يتهاون في أن يكون دون مستوى هذا النمط من الأفلام، بل حرص فريقه على أن يخرج بمستوى إبهار خيالي علمي مُقنع تقنياً. 
 
 
وعلى ما في نجاح هذه التجربة من صعوبة في بلد كاليمن ما زال متأخراً سينمائياً، علاوة على أن إنتاجه تم في ظروف حرب… إلا أن هذا الفيلم كان، أيضاً، مؤثراً بما أثاره من عاطفة تشاركَ فيها الجمهور فكرة الصراع مع الفيلم، كنتيجة طبيعية لمستوى تعامله الجيد مع السياق التراجيدي، الذي اختير له أن يظهر فيه، فكان ذلك بدون أن يُصيب فكرته أي تشويش أو يشوب مساره أي تعثر ينقطع معه الشعور، فاشتغل على المأساة، وكان في ذلك ذكياً وبارعاً في توظيفه للمؤثرات المختلفة الموسيقية والضوئية وأصوات الطائرات والانفجارات وغيرها ضمن تنغيم سمعي بصري أثر مباشرة على المشاهد. 
 
 
وعلى الرغم من أن الفيلم اعتمد على ممثل واحد فقط، هو البطل، الذي هو المُخرج نفسه، بالإضافة إلى أنه لم يكن هناك أي حوار أو كلام، إلا أن الفيلم استطاع أن يتجاوز هذين التحديين، من خلال التعامل النوعي مع عناصر العمل من موقع وديكور وتصوير وصوت وإضاءة وغيرها، بالإضافة إلى المؤثرات والتقنيات المختلفة، بموازاة عنايته الفائقة بالتفاصيل الصغيرة، فمن خلال كل ذلك قد لا نجافي الحقيقة إن قلنا، إنه نجح تقنياً وفنياً، ولا يعني هذا، أيضاَ، إنه خسر موضوعياً، إلا أنه يمكن القول أيضاً، إن تركيز المُخرج مع فريقه كان مكثفاً على العناصر التقنية والفنية في علاقتها بالموضوع، لكنه لم يكن كذلك في اشتغاله على الموضوعي في علاقته بالتقني، لأسباب قال فيها المُخرج، إن الفيلم تم إعداده كفيلم طويل ونتيجة تعثر تمويله تم تحويله إلى فيلم قصير، وربما خلال ذلك لم تتم مراعاة التكييف الموضوعي للفيلم مع مدته القصيرة. 
 
ووفقاً لحديث المُخرج لجمهور العرض الثاني في مؤسسة «بيسمنت الثقافية» فإن فريقه يعمل حالياً على مشروع الفيلم الطويل، لكنه لم يذكر موعد ومدة وطبيعة التمويل والإنتاج. 
 
الجدير بالإشارة إلى أن «منصة الفنون اليمنية» و«أفلام قُمرة» نظمت مؤخراً «العرض الأول لصانعي الأفلام اليمنيين» في صنعاء، وقدمت فيه عرضين أولين لفيلمين كان من بينهما فيلم «خوذة Helmet»، الذي استضافت سينما لوميير في مؤسسة بيسمنت (القبو) لاحقاً عرضه الثاني، واُتيح عقب هذا العرض مناقشته من قبل الجمهور مع فريق إنتاجه، ومن ثم عرض الخوذة التي استخدمها الفيلم. 
 
ويُعد فيلم «خوذة» نموذجاً لما تحققه فئة الأفلام القصيرة في السينما اليمنية، من خلال صُناع أفلام شباب يملكون طموحاً ومهارات وإصرارا على تطوير القدرات، وقد استطاعوا بجهود ذاتية إنتاج أفلام بمستويات منافسة، في ظل ما يواجهونه من معوقات في الحصول على تمويل، علاوة على ما تمثله ظروف الحرب نفسها من مشكلة كبيرة… فهذا الفيلم، ومدته عشر دقائق، استغرق إنتاجه عامين، وقد واجه مشكلة التمويل مع مشكلة الاشتغال على تقنية الخيال العلمي، وقبل هاتين المشكلتين كانت مشكلة الحرب، إلا أنه تجاوز الأولى من خلال تمويل أولي قدّمه المُخرج واستكمله لاحقاً، من خلال دعم من المجلس الثقافي البريطاني ومؤسسة أخرى، وتجاوز الثانية من خلال إيمانه بالنوعية اعتماداً على مهارات كثيرة استطاع المخرج أن يوفرها من خلال فريق اجتمع له، واشتغل عليهم بوعي، فيما تجاوز الثالثة بإصراره على تحدي نفسه والانتصار لمشروعه في وجه الحرب.
 
 
ما يمكن قوله إن الفيلم تميّز بانبثاقه عن رؤية كان لها فريق، وتولّد عنها اشتغال نوعي تكاملت فيه وتوازت معه جهود عناصر العمل السينمائي، بما فيها استخدامه الجيد لتقنيات الغرافيكس والانيميشن والمؤثرات البصرية الحديثة. وعلى الرغم من تصوير معظم الفيلم في غرفة صغيرة، في ما انحسرت المشاهد الخارجية في لقطات سريعة، إلا أن الغرفة بما استوعبته من تفاصيل كثيرة صُممت بدقة، حيث تموضع فيها كل شيء بعناية… إيقاع لم يشبه أي نشاز في التعامل مع كل شيء داخل الغرفة.
 
يبرز في أولى لقطات الفيلم مشهداً لصنعاء وعليه تاريخ يقول إن ذلك كان في عام 2015، وهو أول أعوام الحرب المستعرة هناك. تناول الفيلم معاناة شاب في تلك المرحلة، حيث تعرضت معظم منظومات الخدمات للتدمير، صاحب ذلك إغلاق للمنافذ مع تصاعد لمؤشرات مأساة إنسانية، وهو ما أصاب الناس بصدمة، خاصة شريحة الشباب الذين وجدوا أنفسهم يعيشون بدون كهرباء حتى الأحلام تجمدت عند لحظة ما قبل الحرب. يقول المُخرج: «كانت تنتابني، خلال تلك الفترة، مثل آخرين، أفكار خيالية لتجاوز الواقع الذي نجده عسيراً على الفهم والخلاص، حتى وقعت في يدي خوذة، فقلتَ لو كان لدي أخرى مزودة بطاقة تنقلني، بمجرد أن أرتديها، إلى خارج واقع الحرب، حيث أعيش بعض الوقت في حياة طبيعية، وهي الفكرة التي أصبحت فيلماً يعبر عن حالة واقعية لا عن موقف منها». 
 
عاش بطل الفيلم تحت القصف الجوي في صنعاء، وهنا تعامل الفيلم مع بعض لقطات وأصوات القصف والطائرات، مع لقطة لصحيفة وعنوان عن المأساة الإنسانية، وخلالها كان البطل يعمل على إنجاز خوذته، باعتبارها الحل الوحيد، بعدما أصبح السفر مستحيلاً.
 
 وحين انتهى منها وضعها على رأسه وبدأ من خلالها بمشاهدة عالم آخر يستعيد فيه معايشة كل شيء جميل افتقده، لكن الخوذة سرعان ما تعطلت ليعود لواقعه ويصاب بيأس، إلا أن الظروف أجبرته على استئناف تجربته، وهو ما كان، حتى أنجز خوذته الجديدة، لكنه، هذه المرة، وبمجرد أن وضعها على رأسه، اختفى كلياً من غرفته، وانتهى الفيلم ليفتح الباب لأسئلة الجمهور الذي لم يخف إعجابه ودهشته بمستوى الفيلم، لكنهم تساءلوا موضوعياً عن مصير الشاب وعن فكرة الهروب، وعن ملامح المكان ومعالم المأساة، وغيرها من الأسئلة التي تفاعل معها فريق الفيلم، الذي أكد أنه ليس بالضرورة أن ينتهي الفيلم بما يريده المشاهد،علاوة على أن الفيلم ليس معنياً بتقديم مشاكل وحلول، كما أشار المخرج إلى أن الفيلم لم يتعامل مع فكرة الهروب من الواقع كحل، وإنما جاء الأمر تعبيراً عن حالة يعيشها الشباب، مع فقدان كل سُبل الخلاص، وبالتالي كان البحث عن وطن (افتراضي)، تعبيراً عما وصلت إليه الحال في ظل ما خلفته الحرب في الداخل الإنساني من صراع، مع الإحساس بما كان عليه الحال قبلها، خاصة لفئة الشباب الذين ما زالت حياتهم أمامهم في ما تمثل الحرب سداً منيعاً تنهار أمامه كل الآمال بحياة جديدة. 
 
 
وشهدت السينما في اليمن خلال العقدين الاخيرين تطوراً لافتاً، وتحديداً على صعيد الأفلام القصيرة، التي ظهر فيها عددٌ من صانعي الأفلام الشباب. وتُمثل الأفلام القصيرة، غالباً، مرحلة ينطلق من خلالها معظم صانعي الأفلام لإنتاج الأفلام الطويلة (الروائية والوثائقية)، وهذه الأخيرة صار لها رصيد يمنيّ وبعضها فاز بجوائز دولية وعربية، لكنها ما زالت معدودة للأسف، بسبب كلفة إنتاجها المرتفعة في ظل غياب ممولين محليين. وتلعب السينما دوراً مهماً خلال الحرب، وتتضاعف أهميتها في البلدان التي تشهد فصول معاناتها تزييفاً سياسياً من قبل وسائل الإعلام، ما يجعل من السينمائيين في الداخل أدوات مهمة لرصد اللحظة وتوصيفها وتوثيقها، وهنا يكون تأثير أفلامهم لافتاً وأصواتهم مسموعة.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات