مغتربو اليمن في السعودية.. قضية غير مؤجلة (تقرير)

مغتربو اليمن في السعودية.. قضية غير مؤجلة
مُسند للأنباء - وحدة التقارير - خاص   [ الجمعة, 16 مارس, 2018 03:54:00 مساءً ]

 دوامة الأزمة التي تتقلب فيها البلاد، لم تستثنٍ المغتربين, في المملكة العربية السعودية, الدولة الجارة, والتي تقود تحالفاً لإعادة الشرعية في اليمن منذ 3 سنوات, من نقمة الترحيل القسري من أشغالهم ومهنهم.. فصل جديد يعيد في الأذهان القطيعة التي تواصت عليها أنظمة الملك في السعودية منذ ربيع عام 1990،  كنوع من العقوبة التي أرادتها الحكومة السعودية في ذلك الحين، للنظام السابق، على خلفيه موقفه من غزو النظام العراقي للكويت، وما تلاه من إلغاء للامتيازات التي كانت تتمتع بها العمالة اليمنية، للتعبير عن ردة الفعل  إزاء امتناع اليمن عن التصويت في الجامعة العربية على قرار تشكيل حلف عسكري لإخراج القوات العراقية من الكويت.  
 
إلى ذلك التاريخ، كان اليمنيون الذين بلغ عددهم حينها قرابة مليوني مغترب، يتمتعون بامتيازات دون الجاليات الأخرى، أدى فقدانها غير المتوقع إلى أزمة اقتصادية كان لها تداعياتها السلبية على اليمن، حيث كانت أموال المغتربين التي كانت تتدفق إلى اليمن قرابة ملياري دولار، وهو رقم ضخم بالنسبة للاقتصاد اليمني في ذلك الحين.   
 
تلك الجفوة التي ما لبثت أن تحسنت العلاقات الرسمية بعدها عام 1995 بعد مؤتمر جدة الذي حاولت الرئاسة اليمنية خلاله إعادة العلاقات إلى سابق عهدها، رغم ذلك بقي إلغاء رسوم الكفالة على المغتربين اليمنيين غير قابل للنقاش لدى أسرة القصر في السعودية. 
 
المبررات التي لدى السعودية كانت كافية لسد الذرائع على المطالبين بتقديم ما هو أكثر من مجرد المرونة النسبية على المستوى الرسمي، وفتح صفحة جديدة تعود معها استثناءات المغتربين من رسوم الكفالة إلى سابق عهدها. علماً أن المغتربين اليمنيين من أصحاب رؤوس الأموال بما فيهم من انتقل للعمل والاستثمار في السعودية في حقبة ما قبل استخراج النفط، يساهمون منذ تأسيس المملكة في رفد الخزينة السعودية بضرائب مليونية سنوياً، فضلاً عن مساهماتهم في النهضة العمرانية في السعودية كما هو الحال مع عائلة "بن لادن"، ومثيلاتها من الأسر الحضرمية. 
 
أزمة الكفيل.. المفصل الأول 
بعد عام واحد من انتقال السلطة رسميا من النظام السابق إثر الإطاحة به في ثورة 2011، إلى الحكومة الانتقالية وتحديداً، في بداية شهر مارس من عام 2013، دشنت السلطات السعودية حملة شعواء على العمالة الوافدة، كان العمالة اليمنية الأشقى بهذا الحملة التي تم فيها ترحيل نحو ربع مليون عامل، بمقتضى قانون "الكفيل" الذي سنته المملكة في ذلك الوقت، بهدف ما قيل إنه تصحيح نظام العمل داخل الدولة.
 
الأمر الذي ضيق الخناق على من تبقى من العمال اليمنيين خصوصا المشتغلين في أنشطة تجارية، حيث نص القانون الجديد على أن يعمل العامل الأجنبي فقط لدى " كفيله" ولا يجوز له بدء نشاط تجاري خاص به ما يعني أن العمال اليمنيين الذين اتخذوا وظائف أخرى أو الذين أقاموا مشاريعهم الخاصة أصبحوا عرضة للترحيل من البلاد، مالم يمتثلوا لنظام الكفيل. 
 
 
الأزمة تعود مجدداً 
بعد عقدين ونصف من الفصل الأول من أزمة عام 1990، تقذف الأزمة بنفسها مجدداً إلى واقع اليمنيين الذي هشمته الحرب، وإن كانت هذه المرة، أعمق أثراً من السابق، كونها تأتي من قبيل المفارقة، التي بدت غير مقبولة في نظر كثير من المراقبين، الذين وصفوها بـ"المجحفة" بحق اليمنيين، لأنها تأتي في ظل دوامة حربٍ واسعة تقودها السعودية في اليمن منذ ثلاثة أعوام، و التي ما فتئت مشتعلة حتى الآن. الأمر الذي نجم عنه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية على مستوى العالم، حسب توصيف منظمة الأمم المتحدة. 
 
وكانت السعودية قد أقرت مطلع العام الفائت قانوناً جديدا يقضي بفرض قوانين عسيرة على العمالة الوافدة، ضمن حملة أطلقت عليها "وطن بلا مخالف" هدفها تقليص العمالة الأجنبية في المملكة، شملت "سعودة" بعض القطاعات الاقتصادية في الدولة، وتأنيث (عاملات سعوديات) عددا من المهن، التي كان معظم المغتربين اليمنيين يشغلون حيزها الأكبر، مثل محلات الأزياء والتجميل وأحياناً المجوهرات، بما فيهم حاملي المؤهلات الجامعية الذين اضطرتهم ظروف الحاجة والبطالة، وبعد ذلك الحرب في بلادهم (اليمن) إلى التماس أسباب العيش في بلد الغربة، في دول الجوار الغنية من عائدات البترول الضخمة. 
 
ومنذ بداية العام الجاري أطلقت السلطات السعودية يدها في تعقب العمال اليمنيين الذين تنعتهم بـ"المخالفين"، حيث شرعت خلال الأشهر الثلاثة الماضية، في ترحيل نحو 4 آلاف مغترب حتى الأن، الامر الذي خلق ردود فعل واسعة، تنتقد اقدام السعودية على اتخاذ مثل هذه الإجراءات في هذا التوقيت بالذات.
 
اليمنيون رأوا في هذه الخطوة تنصلاً من قبل السلطات السعودية من مسؤوليتها الإنسانية تجاه اليمن، ولاسيما أنها أتت في وقت أشد إلحاحاً إلى أن يكون للعمالة اليمنية استثناءات خاصة، في ظل الأوضاع الكارثية التي خلفتها الحرب في اليمن، التي كانت السعودية طرفاً فيها.    
 
خدمة مجانية للحوثيين 
ناشطون يمنيون ومشاهير نددوا بما وصفوه "افتعال الأزمة" لطرد المغتربين اليمنيين من أشغالهم في الخليج ودفعهم "هدية" إلى أحضان الحوثي الذي يستغل الأزمة دعائياً ضد التحالف والحكومة الشرعية، التي يقولون إنها فشلت حتى في اقناع السعودية بتخفيف الضغط على العمالة اليمنية الذين يتعرضون لمضايقات وترحيل من قبل السلطات السعودية التي تقود الحرب في بلادهم، فضلاً عن احتمال تجنيد أعداد من الشباب العاطل في صفوف الحوثيين والزج بهم في أتون الحرب.
 
تداعيات ترحيل العمالة اليمنية من أعمالهم في السعودية، في ظل الحرب والكساد الاقتصادي في البلاد وانعدام فرص العمل، اعتبره كثير من المراقبين أمرا يدعو للقلق، كما حذرت صحيفة "الاندبندنت" البريطانية  في مقال نشرته يوم أمس الأول للكاتبة الصحافية "بيثان مكيرنان" (اطلع عليه مسند للأنباء) أشارت فيه إلى أن المغتربين اليمنيين "يعيشون حالة من الارتياب في السعودية بسبب القوانين الجديدة، وأنهم يعامَلون كمواطنين من الدرجة الثانية"،  مؤكدة أن القرار السعودي  سوف يعمق ويلات الاقتصاد اليمني الهشّ أصلاً، وأنه سيؤثر في المحاولات الفاشلة لإجراء الحوار الوطني الذي يهدف لتحقيق الاستقرار في البلاد.
 
وبعد مناشدات وحملات أطلقها ناشطون على السوشيال ميديا، عمد الرئيس "هادي" إلى اتخاذ قرار بإعفاء المغتربين اليمنيين العائدين إلى البلاد من الجمارك والضرائب على كافة منقولاتهم.. وهي معالجة غير مجدية، ما يشير إلى ضعف موقف الشرعية وقلة حيلتها، في اقناع أمراء الحكم في المملكة بالعدول عن قرار الترحيل واعفاء اليمنيين من الرسوم الباهظة التي لا تتناسب مع أجورهم الهزيلة التي يتقاضونها في بلاد النفط. 
 
مليونا عامل في مهب الأزمة 
تشير الاحصائيات شبه الرسمية التي حصل عليها "مُسند للأنباء" أن العمالة اليمنية في السعودية، بلغت خلال العام قبل الماضي، زهاء مليون ونصف عامل، وحسب احصائية للبنك الدولي نشرها في وقتٍ سابق، حلت العمالة اليمنية في السعودية في المرتبة الرابعة من حيث العدد بعد الهند ومصر وباكستان.
 
في حين تبوأت المرتبة السادسة من حيث حجم التحويلات المالية التي قُدرت بـمليار دولار، وهي نسبة تقل بنحو 50% عن تلك النسبة التي كانت تتدفق من المغتربين اليمنيين في المملكة قبل ازمة الخليج عام 90، لكنها رغم ذلك ساهمت في تأمين مصدر عيش لكثير من الأسر اليمنية التي صارت تعتمد في رزقها على ما يأتيها من تحويلات مالية من معيلها في بلد الغربة.

وحول هذه الجزئية يقول محمد الجماعي إن ملف المغتربين اليمنيين، أحد أخطر (مَقَاتِل) الاقتصاد اليمني في الوقت الحالي، إذ تعتبر عائدات الاغتراب هي مصدر الدخل الأهم بالنسبة لليمن، مثلها مثل مينائي عدن والمكلا، ومطاري عدن وسيئون، ومنفذي شحن والوديعة، وشركتي صافر وبترومسيلة.. وإن أي إجراء يستهدف هذه المصادر من شأنه تخريب حياة الملايين وتعريضها لأزمات إنسانية ماحقة.."
 
وأشار الجماعي في منشور على حسابه الشخصي بموقع "فيسبوك"رصده "مسند للأنباء" إلى أنه "من هذا الباب وحده، يأتي تذكيرنا لإخواننا في المملكة العربية السعودية الذين تخضع دولتهم لعملية جراحية صعبة، في الجانب الاقتصادي، في محاولة للخروج من معادلة الاعتماد على ريع النفط، وبحثا عن مصادر أخرى غير نفطية، كشأن سعودي بحت، الجميع معنيون بإسناده وجوبا لا ندبا أو استحبابا، فالمملكة بالنسبة للعرب جميعا في مركز الرأس من الجسد".
 
ودعا الجماعي القيادة السعودية "إلى إشراك 3 ملايين يمني في معترك الإصلاح الاقتصادي السعودي، وليس وضع السكين على دخل العامل اليمني الذي يثمنون حتى الآن باعتزاز دور الرياض في معترك تحرير بلده من العدو الإيراني المشترك في الثلاثة أعوام الماضية، ويتمنى تقديم المساعدة لجيرانه كل بما يستطيع..".
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات