كم مرة هزمتنا الخيانة دون قتال.. قصة 3 جواسيس خدعوا قادة العرب

مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ الإثنين, 12 مارس, 2018 06:03:00 مساءً ]

تنفق أغلب الدّول مليارات من أجل جمع المعلومات عن الأعداء والمنافسين، والاستخبار عن أحوالهم وأسرارهم السياسيّة والعسكريّة، وتجنّد من أجل هذا مئات العملاء السريّين الذين قد يندسّون وراء خطوط العدوّ لمحاولة استطلاع أوضاعه والعودة بمعلومات ثمينة، قديمًا وحديثًا.
 
يكفي أن نعلم أن أمريكا تخصّص 52 مليار دولار من ميزانيّتها سنويًّا لمجال الاستخبارات بمختلف فروعها التي تبلغ 16 فرعًا مختلفًا، وتحظى مؤسسة «سي آي إيه» بأكبر حصّة من هذه الميزانيّة بقدر يبلغ 12 مليار دولار سنويًّا.
 
وكثيرًا ما أثارت عوالم الجاسوسيّة والعملاء السريّين اهتمام الكثيرين، وقد ساهم في زيادة هذا الاهتمام أفلام سينمائيّة شهيرة كسلسلة «جيمس بوند» و«رأفت الهجّان»، والواقع والتّاريخ يقولان إن دور الجاسوسيّة في الحروب والصّراعات مؤثر بقدر كبير، والعالم العربيّ ليس في معزل عن كل هذا، فقد كان مسرحًا لنشاط عدد من الجواسيس الذين استغلّوا العاطفة الدينيّة والوطنيّة للقيادات العربيّة من أجل الإيقاع بهم ونَيْل مبتغاهم.
 
في هذا التقرير نتحدّث عن ثلاثة جواسيس استطاعوا الإيقاع بالقادة العرب وجمع معلومات مهمّة منهم، أو التقرّب منهم لغرض التأثير في دوائر صناعة القرار.
 
أشرف مروان.. الملاك الآخر الذي تمرّد
شهدت شقّة جميلة في العاصمة البريطانية لندن، في 27 يونيو (حزيران) من سنة 2007، سقوط أحد ساكنيها من الطابق الخامس، ليخرّ ميّتًا على الأرض، وتموت معه أسرار كبيرة عن حرب أكتوبر 1973 بين العرب وإسرائيل، أشرف مروان، مُساعد الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر وصهره، ومدير مكتب الرئيس السابق أنور السادات، وأحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل، بين من يتّهمه بالعمالة لإسرائيل ومن يرفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلًا بالقول إن أشرف مروان كان «عميلًا مزدوجًا» من أجل تضليل الإسرائيليين بمعلومات مغلوطة.
 
أدّى خروج الكتاب الجديد المعنون بـ«الملاك» للمؤلّف وعضو جهاز الموساد الإسرائيلي «بار-جوزيف» إلى تجدّد النقاش حول قضية أشرف مروان، الذي يزعم الكاتب أنه مسؤول عن إمداد إسرائيل بمعلومات شديدة الخطورة حول مخططات الجيش المصري وآراء القيادة السياسية والعسكرية المصرية في الحرب مع إسرائيل.
 
تشير التقارير الإسرائيلية إلى أن أشرف مروان اتّصل بالسفارة الإسرائيلية في إنجلترا وأمدّها بملفات تحوي معلومات حسّاسة متعلقة بالأمن القومي المصري. وتضيف تقارير صحافيّة نقلًا عن كتاب «الملاك» أن أوّل لقاء جرى بين مروان وعميل للموساد كان في مقهى بجوار الفندق الذي أقام فيه مروان، وقد أعطى عميل الموساد ظرفًا به تقارير وملفّات بها أسرار عسكرية، ولم يطلب شيئًا مقابل هذا الظرف، لكنه نبّه عميل الموساد أن اللقاء القادم سيكون ثمنه 100 ألف دولار.

 
 
لكن جهاز الموساد الإسرائيلي كان يخشى من احتماليّة أن يكون مروان «عميلًا مزدوجًا» فيعطيهم معلومات مغلوطة هدفها الإيقاع بهم وتوجيه جهودهم في الاتجاه الخاطئ، لكن مروان كان يجيب بأن خسارة حرب 1967 قد أحزنته، وأنه يريد أن يعمل مع الجانب الرابح. وتشير ذات التقارير أن مروان قد نبّه الإسرائيليين من الهجوم المصري لاستعادة سيناء، مرّة في أبريل (نيسان) 1973، وقد تمّ التجهّز لمثل هذا الهجوم من قبل إسرائيل لكنه لم يحدث، ومرة أخرى أعاد الكرّة في أكتوبر (تشرين الأوّل)، مما جعل القيادة الإسرائيلية تجري اجتماعًا عاجًلا على ضوء المعلومات التي سلّمها مروان، لتخرج بقرار نقل الجنود الاحتياطيين إلى الجبهة في سيناء، وتقلّل بذلك من آثار الهجمة المصريّة.
 
وعن نوعية الإضافة التي قدّمها مروان للجانب الإسرائيلي ومدى خطورتها يقول أحد ضبّاط الاستخبارات الإسرائيلية في الكتاب: «كانت معلومات عالية الجودة، من النوع الذي ترغب فيه وكالات الاستخبارات طوال حياتها، وقد لا ترى مثلها إلا كل عدة أجيال».
 
«لقد خسرنا المصدر الأعظم في تاريخنا»، كانت هذه هي الكلمات التي قالها في التلفزيون الإسرائيلي تسفي زمير، أحد أكبر الجنرالات الإسرائيليين إثر سماعه نبأ وفاة أشرف مروان.
 
أكثر من 40 سنة على حرب أكتوبر 1973، وأكثر من 10 سنوات على وفاة مروان، لكن النقاش حول هذه الشخصية الغامضة ودورها الحقيقي في أكثر المراحل خطورة من الصراع العربي الإسرائيلي يبقى متجدّدًا بعد كل هذه السنوات، ومع الاصرار الإسرائيلي على أنه كان عميلًا لإسرائيل، وأنها استفادت منه أشد استفادة، إلا أن القيادة المصرية قد صرّحت بعد وفاة الرجل أنه كان «وطنيًّا مخلصًا»، كما جاء في كلمة للرئيس المخلوع حسني مبارك.
 
الأمير عبد القادر الجزائري.. عاطفة الدين توقع بالمجاهد الكبير
أنت الآن في الجزائر عقِب احتلال القوّات الفرنسيّة لمدينة (الجزائر العاصمة) واستيلائها بذلك على الحكم سنة 1830. بعد سبع سنوات من سقوط مدينة الجزائر، كان هنالك اسمان رئيسيّان التفّ حولهما الجزائريون ونظّموا خطوطهم القتاليّة تحت رايتهما من أجل مجابهة الاحتلال، أولهما رجل يدعى «الحاج أحمد باي» المتحصّن في قسنطينة – الواقعة شرق الجزائر – والذي أذاق الجيوش الفرنسية طعم الهزيمة النكراء فيما عُرف بـ«الحملة الفرنسية الأولى على قسنطينة».
 
والثاني كان «الأمير عبد القادر الجزائري» الذي تمحور نفوذه في غرب الجزائر وسيطر على مساحات واسعة كانت تحت سلطته باعتبارها حكومة موازية تفرض سيطرتها وقوانينها بعيدًا عن سطوة الاحتلال الفرنسيّ. وهو الشاب ذو الأربعة والعشرين ربيعًا الذي انطلقت مقاومته للاحتلال بعد مبايعته أميرًا من قبل أهالي الجزائر سنة 1832.
 
كانت 1937 هي السّنة التي وقّع فيها الأمير عبد القادر مع الاحتلال الفرنسي معاهدة سلم عُرفت بـ«معاهدة التافنة» من أجل وقف الحرب لفترة مؤقّتة، وقد احتاج الطرفان لهذه المعاهدة بشدّة: فالاحتلال استغلّها من أجل التفرّغ لإنهاء الأمور العالقة مع الانتفاضة الشّرسة التي يقودها الحاج أحمد باي في شرق البلاد، والّتي تكبّد جيوش الاحتلال خسائر كبيرة صارت تؤثّر سلبًا على الدّاخل الفرنسي، فيما احتاج الأمير عبد القادر هذه المعاهدة لحلّ بعض المشاكل الداخليّة التي عانتها دولته من اضطرابات وفتن داخليّة، وللتزوّد بالمؤونة والسلاح من أجل الحرب القادمة لا محالة.
 
 
خلال هذه المعاهدة، استغلّ «ليون روش»، المترجم الرئيسي في الجيش الأفريقي الفرنسيّ، الشاب المتقارب في العُمر مع الأمير؛ استغلّ فرصة الهدنة من أجل التقرّب إلى معسكر الأمير عبد القادر بحجّة الدخول في الإسلام وتغيير المعسكر والعمل تحت لواء المسلمين، فوضع خدماته رهن إشارة الأمير عبد القادر، وقد ساعده على ذلك إتقانه الجيّد للّغة العربيّة واشتغاله في الترجمة لعدّة سنوات، بالإضافة إلى حسّه المغامر وذكائه اللّامع.
 
استغلّ «روش» عاطفة الجزائريين الدّينية وادّعى أنّ حياته مهدّدة بعد ارتداده عن المسيحيّة وانضمامه لصفوف المسلمين، وقد أقنع بذلك عدّة شخصيات، فرحّبوا به واستقبلوه استقبال «الأخ حديث العهد بالإسلام» الذي يطلب العون من إخوانه المسلمين. بعد عدّة اتصالات استطاع «روش» أن يرتِّب موعدًا مع الأمير، فتهيّأ لملاقاته بتعلّم شيء من الصلاة وأحكام الدين، وقد جرى تعريفه بالأمير على أنه فرنسيّ اعتنق الإسلام ويريد خدمة الأمير.
 
بدأ «ليون روش» ينقل من داخل معسكر الأمير أحوال الدولة الاقتصاديّة والعسكريّة والاجتماعيّة ويبعثها في رسائل إلى الفرنسيين، كما أعطى تفاصيل دقيقة في رسائله عن صفات الأمير الخَلقيّة والخُلُقيّة وأبرز للفرنسيين التقدير الكبير الذي يحظى به في نفوس أتباعه بسبب اتّباعه لتعاليم الدين الإسلاميّ. وقد أفلت «روش» من الإعدام واكتشاف أمره بأعجوبة وبفضل دهائه، إذ أقنع عاملي الأمير أنه مسلم ولا يجوز قتله إلاّ بأمر من السلطان نفسه (الأمير)، وقد بلغ به تقمّص الدور وإظهار التقوى والورع إلى درجة خداع الجميع لمدّة سنتين كاملتين، واستطاع أن يصبح «كاتب الأمير» الذي يكتب رسائله ومخطوطاته. ترك روش معسكر الأمير بعد انقضاء الهدنة مع الفرنسيين، لكنه واصل نهج الجاسوسيّة لصالح الجيش في كل من المغرب واليابان بعد ذلك.
 
ولروش كتاب يحكي فيه بعضًا من مذكراته، بعنوان: اثنتان وثلاثون سنة في رحاب الإسلام: مذكرات ليون روش عن رحلته إلى الحجاز
 
إسرائيلي يُوقع بِقادة سوريا: من تجارة ربطات العنق.. إلى عنُق حولها مشنقة
أن يحاول العملاء السريّون التجسّس على القيادات العليا في الدولة؛ فهذه وظيفتهم في كل أنحاء العالم، لكن أن تصل علاقاتهم ونفوذهم إلى حدّ مصاحبة رئيس الجمهوريّة، ومرافقته وأخذ الصّور التذكاريّة معه وحضور المناورات العسكريّة السريّة؛ فإن هذا دليل على حجم اختراق صادم، وفشل مخابراتيّ ذريع، وخديعة كبرى وقعت فيها القيادة السوريّة في ستينيات القرن الماضي.
 
في أحد أحياء مدينة الإسكندريّة بمصر، وُلد لعائلة يهوديّة الطفل «إيلي كوهين» الذي سيكون عنوان إحدى أكبر العمليّات الجاسوسيّة الإسرائيليّة في العالم العربيّ. بعد شبابه في مصر وقراره الالتحاق بالحركة الصهيونيّة والعمل لصالحها في السرّ، غادر «كوهين» مسقط رأسه إلى إيطاليا ومن هناك إلى إسرائيل حيث تبنّاه الإسرائيليّون، ودرّبوه على إتقان اللهجة السوريّة وتعاليم الإسلام، حتى يبدو شخصيّة سوريّة لا تكشفها الأبصار والأسماع.
 
ومن إسرائيل سافر إلى الأرجنتين وقد صُنعت له أوراق ثبوتيّة سوريّة، وتظاهر بأنّه تاجر يعمل في مجال الاستيراد والتصدير، ممّا أتاح له الاندماج في أوساط العرب هناك، وسرعان ما بنى علاقات متشابكة مع عدّة شخصيات عربيّة معتبرة من مسؤولين وسفراء، وتقول مصادر إنّ مدخله إلى الملعب السوري كان عن طريق تعرّفه على الملحق العسكري في الأرجنتين العقيد أمين حافظ، الذي سيصير فيما بعد بفضل سلسلة الانقلابات التي حدثت في سوريّة في الخمسينيات والستينيات؛ رئيسًا للجمهورية في سنة 1963.
 
في سنة 1961 قرّر «كامل أمين ثابت»، الاسم المستعار لـ«كوهين» إنهاء تجارته في أمريكا اللاتينيّة والعودة إلى سوريا «بدوافع وطنيّة»، وبفضل علاقاته التي بناها في الأرجنتين مع كبار المسؤولين استطاع تسويق صورته بوصفه رجل الأعمال الوطنيّ الناجح الذي يملك علاقات مع القيادة العليا في الدولة، مما فتح له عدّة أبواب لممارسة نشاطاته التجسسيّة لصالح الموساد الإسرائيلي، وصلت إلى حدّ حضور تدريبات ومناورات للجيش السّوري في أراضي «الجولان» شديدة الخطورة. يُستضاف كوهين في الإذاعات السوريّة بصفته أنموذجًا للرجل العربي الناجح الذي عاد من الاغتراب ليساهم في بناء الوطن، دون أن تنكشف نواياه المبطنة.
 
جدير بالذكر أن رئيس الجمهوريّة السوريّة السابق أمين الحافظ الذي يُشاع ارتباطه بـ«كوهين» وتسهيله الدخول إلى سوريّة حين كان ملحقًا عسكريًّا في الأرجنتين في نفس الفترة التي نشط فيها «كوهين» في نفس البلد؛ قد هوّن من حجم المعلومات التي حصل عليها وقال في برنامج «شاهد على العصر» في قناة الجزيرة أن القضية جرى فيها تهويل كبير من أجل النيل من سمعة أمين الحافظ واستخدامها وسيلة لتحقيق أغراض سياسيّة، وحسب كلامه فإنه «لم ير كوهين ولم يقابله في حياته».
 
صحيح أن الكثير ممّا أحيط بـ«كوهين» لا يخلو من المبالغات، خصوصًا الإشاعات التي تقول إنه كان عضوًا في القيادة القُطرية لحزب البعث السوريّ الحاكم أو تلك التي تزعم أنّه شارف على الوصول إلى منصب رئاسة الجمهوريّة، فلا يُعقل أن يقترب من هذا المنصب الذي تعرّض لانقلابات متكرّرة: رجلٌ مجهول لم يُعرف اسمه إلا قبل سنوات معدودة.
 
لكن هذا لا ينفي عن «كوهين» تحقيقه لاختراقٍ كبير في النظام الحاكم والجيش السوريّ، متمثّلًا في علاقاته مع رؤوس النظام وزياراته للجبهة السوريّة مع إسرائيل بصحبة قادة كبار في الدولة، وتسريبه لأخبار حسّاسة لجهاز الاستخبارات الإسرائيليّ تتعلّق بالشؤون العليا للدولة السوريّة كما أكّد وزير الإعلام السوريّ الأسبق محمّد الزعبي.
 
يقول الكاتب «محمّد حسنين هيكل» القريب من دوائر الحكم المصريّة: إنّ الفضل يعود إلى جهاز المخابرات المصريّة في كشف هذا الجاسوس الإسرائيليّ، فبينما كان الجهاز يدرس الصّور القادمة من سوريّة لاحظ ضبّاط الجهاز وجود شخصيّة غير معروفة في صورة لمناورات الجيش السوريّ، وبعد تدقيق وبحث وجد الجهاز أنّ هذه الشخصيّة هي للجاسوس الذي اعتُقل في مصر عدّة مرّات، وقد تمّ إبلاغ الطرف السوريّ بهذه المعلومات لتجري محاكمته وإعدامه شنقًا في ميدان عام.
وقد نفى الرئيس السوري السابق أمين الحافظ «جملةً وتفصيلًا» حسب تعبيره، رواية «هيكل» التي حكاها عن ملابسات قضيّة «كوهين».
 
بالنسبة لإسرائيل فإن «إيلي كوهين» بطل وطنيّ يستحق الاحترام والتقدير، وقد بالغت في تمجيد سيرته ونسب البطولات له، واستماتت في محاولة جلب جثمانه بعد إعدامه، وقد اقترحت على السوريين مبادلة جثمانه بآلاف الأسرى السوريّين حسب شهادة الزعبيّ، كما أصدرت إسرائيل طابعًا بريديًّا يحمل صورته تخليدًا لـ«تضحياته» من أجل الحركة الصهيونيّة.
 
 
وقد عادت قصّة هذا الجاسوس لتصنع الحدث مرّة أخرى قبل أشهر قليلة حين ذكرت وسائل إعلام بذل الحكومة الإسرائيليّة جهودًا لاسترجاع رفات «كوهين»، وقد انتشر مؤخّرًا فيديو لإعدام الجاسوس سنة 1965.

فيديو إعدام «إيلي كوهين»:
 
 
لعلّ «كوهين»، المولود في مصر، الذي انتهى به المطاف لخدمة عدوّ مصر الأوّل – آنذاك على الأقل – وهو يستعدّ لحكم الإعدام الذي سيطبّق في حقّه فجر اليوم التّالي، وشريط حياته يمرّ أمام عينيه، قد تذكّر ربطات العنق التي كان يبيعها والده في صغره، والسّخرية التي خبّأتها الأيّام بأن تكون نهايته من خلال ربطة تُشدّ على عنقه؛ ليس للزّينة هذه المرّة، ولكن لإنهاء حياته.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات