أيام خامنئي الأخيرة.. كيف تتصارع "العمائم" لخلافته؟

مُسند للأنباء - ميدان   [ الاربعاء, 07 مارس, 2018 09:44:00 مساءً ]

نادرا ما يبكي خامنئي في خطاباته العامة، غير أنه في تلك المرة، لم يَبدُ أن المرشد الأعلى كان راغبا ببذل أي جهد لمقاومة قطرات خفيفة من الدمع، انسابت على وجهه، خلال حديثه لمجلس الخبراء المنتخب مؤخرا في بلاده. كان خامنئي يعلم في قرارة نفسه أن هذه الدورة لمجلس خبراء القيادة، التي تمتد لثمانية أعوام والمنوطة باختيار المرشد الأعلى، ستكون مسؤولة عن اختيار خليفة المرشد، وهو الذي يتسلل الهرم في أواصر جسده، بينما يخوض صراعا عنيفا مع مرض لا يجرؤ أحد على الحديث حول حقيقته، وهو شعور لم يجد خامنئي لوهلة غضاضة في الإفصاح عنه، ولكن هذه المرة (1) على الملأ.
 
بيد أن حقيقة غروب شمس المرشد الهرم، مَن ظَلَّ على مدار قرابة ثلاثة عقود الحاكم الأوحد في نظام سياسي ديني فريد من نوعه، لا يبدو أنها تخفى على أحد سواء في بلاده أو خارجها، وهو يراقب عن كثب تلك المعارك المحتدمة حول خلافته بينما ترتقي أنظار الجميع متطلعة لكلمته التي ربما تكون حاسمة، لكن خامنئي لم ينطق أبدا عن مصير منصبه، على الأقل حتى الآن، وهو موقف متوقع من رجل اعتاد أن يلف نفسه بالكثير من الغموض، غموض يضاف إلى ضبابية كثيفة تتعلق بطبيعة منصبه ذاته الذي لا يكون عبره فردا أو حاكما عاديا، ولكنه "الولي الفقيه وريث النبوة" و"ظل الله في الأرض".
 
يدرك خامنئي أن الأمور في بلاده لم تعد كما كانت عليه قبل أربعة عقود، حين قامت الثورة الإسلامية التي حملته ورفاقه إلى مصاف النخبة، أو حتى قبل ثلاثة عقود حين آلت إليه مقاليد الأمور كلها. قبل عدة أعوام كانت الجماهير المؤيدة للحركة الخضراء تهتف في شوارع طهران بـ "الموت للديكتاتور"، فيم لم يكن الديكتاتور المعني لديهم إلا هو، ولم يكن ذلك مشهد النهاية بحال، فقد سحقهم جنوده المخلصون بلا رحمة، ولكنهم عادوا من جديد قبل أسابيع ليزعجوا المرشد العجوز فيما قد تكون أعوامه أو شهوره أو حتى أيامه الأخيرة.
 
لم يقتصر الأمر على الهتاف هذه المرة وإنما امتد للطعن(2) في شرعيته خلال مقطع فيديو أعاد إحياء لحظة بدا أن الجميع لوهلة قد نسوها بمن فيهم خامنئي نفسه، ليجد الأخير نفسه مجبرا على تذكر ذلك الماضي البعيد حين كان يشغل منصب رئيس الجمهورية الإيرانية، ولكنه على المستوى العلمي لم يعدُ كونه رجل دين متوسط الرتبة لا تخوّله مؤهلاته العلمية لخلافة "آية الله الخميني" وفقا للدستور الإيراني، ولتصاريف قدرية ربما لم يجد خامنئي نفسه الوقت اللازم للتدبر بها بما يكفي، فقد وقع الاختيار عليه للخلافة.

    

 
(مقطع مسرب لجلسة تنصيب خامنئي عام 1989)
 
كانت نهاية الثمانينيات هي المرة الأولى لوقوف "علي خامنئي" متحدثا أمام مجلس خبراء القيادة، في محاولة يائسة لإقناعهم بالعدول عن اختياره قائلا: "يجب أن نبكي دما على مجتمع إسلامي يختار أمثالي لقيادته". وربما يتذكر خامنئي لوهلة كلماته ويتساءل اليوم هل كان صادقا حقا؟ ليمضي التصويت على غير رغبته، في ظاهر الأمر على الأقل، بدعم من صديقه آنذاك "علي أكبر هامشي رفسنجاني"، الذي يرفض اختيار لجنة لتولي إدارة البلاد وقتها، ويصر على اختيار مرشد أعلى جديد، لتتم تسمية "خامنئي" في نهاية المطاف كمرشد مؤقت لمدة عام لحين إجراء استفتاء على تعديل الدستور يتعلق بالصفات الواجب توافرها فيمن يتم ترشيحه لمنصب المرشد الأعلى.
 
لم يجر ذلك الاستفتاء أبدا، وفي وقت لاحق غيَّر خامنئي "الزاهد" الدستور بما يسمح له بالاستمرار في منصبه للأبد، وحتى علاقته مع رفيق دربه "رفسنجاني" لم تدم على حالها. في البدء كان كلا الرجلين ينتميان في ظاهر الأمر إلى معسكر اليمينيين الرأسماليين في النظام الإيراني، من سعوا لاكتساب النفوذ على حساب اليساريين بعد وفاة الخميني. وبالنسبة لخامنئي كانت تلك إحدى تصريفات قدر لم يحسب له من قبل، أما بالنسبة لرفسنجاني فقد كان خامنئي شخصا ضعيفا نسبيا لم يكن ليعوقه في صياغة مشروعه الجديد للدولة، وهو مشروع رغب رفسنجاني في تنفيذه من خلال مقعد الرئاسة لبناء اقتصاد يقوم على القطاع الخاص مع دولة أكثر انفتاحا على العالم الخارجي، رغم اتفاق(3) الرجلين على أهمية الحفاظ على دولة يحكمها رجال الدين.
 
نجح تحالف رفسنجاني-خامنئي مبكرا في تثبيت أركانه داخل دولة الخميني بعد الإطاحة بأول رئيس للبلاد لا ينتمي إلى طبقة رجال الدين وهو "أبو الحسن بني صدر"، ليحل محله خامنئي نفسه، قبل أن يهندس رفسنجاني صعود الأول إلى منصب المرشد الأعلى ليقدم له الدعم المناسب أثناء توليه هو للرئاسة. غير أن الخلاف بين الرجلين سرعان ما بدأ في الظهور بعد أن شرع خامنئي في ممارسة سلطته الحقيقية وبناء تحالفاته الخاصة، معارضا محاولات رفسنجاني للوصول إلى وفاق مع الغرب وتخفيف بعض الأعراف الأكثر تشددا للجمهورية الإسلامية. ومرت السنوات بسرعة على الرجلين، وبحلول عام 2005 بدا للجميع أن كفة التوازنات مالت بوضوح لصالح خامنئي بعد أن تم إقصاء رفسنجاني من سباق الانتخابات الرئاسية لصالح الشاب محمود أحمدي نجاد الذي حظي بدعم خامنئي الكامل.
 
أدرك الثعلب العجوز رفسنجاني متأخرا أن النظام الذي أسهم في تأسيسه قد تغير بأسرع مما توقع، وأن التوازنات بين أقطاب النظام المتعددة المرساة إبان عهد الخميني قد انهارت تماما، وأنه يتحمل حصة كبيرة من المسؤولية عن هذا الانهيار، ما دفعه في نهاية المطاف وبعد استبعاده من جديد من الانتخابات الرئاسية عام 2013 إلى إلقاء ثقله خلف "حسن روحاني"، ليفوز الأخير بمقعد الرئاسة ويفرغ رفسنجاني نفسه لإدارة معركة خلافة جديدة من موقف أضعف، معركة خصمه الرئيس فيها هذه المرة هو صديقه القديم "خامنئي". لكن الأقدار لم تمهل رفسنجاني ليشهد جولته الأخيرة بعد أن وافته المنية بشكل مفاجئ مطلع العام الفائت، ليظن الجميع أن معركة الخلافة قد حُسمت وأن الطريق صار معبدا أمام خامنئي لاختيار خليفته من قلب الدولة العميقة التي صنعها على ناظريه على مدار العقود الثلاثة الماضية.
 
 
الدولة العميقة
 
الرئيس الإيراني السابق أكبر هاشمي رفسنجاني (رويترز)
  
 
حين صعد خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى لم يكن رجل الدين الخمسيني يفتقر إلى المؤهلات العلمية اللازمة لتولي المنصب -حيث لم يكن بلغ رتبة الاجتهاد الديني "المرجعية"- فحسب، ولكن الأهم هو افتقاره إلى الكاريزما اللازمة للحفاظ على مكانته في هرم قيادي متعدد الأقطاب صممه الخميني بقالب يناسب قدراته الاستثنائية.
 
فعلى اليسار وُجد أولئك الذين سعوا للحفاظ على سيطرة الدولة على الاقتصاد مع سياسات اجتماعية أكثر اعتدالا، أمّا على اليمين فكان هناك الرأسماليون اليمينيون -ومنهم خامنئي نفسه ورفيقه رفسنجاني- الذين دعوا إلى عدم تدخل الحكومة في الاقتصاد، ولكنهم رغبوا في فرض تدابير اجتماعية صارمة مستوحاة من الشريعة، ومن خلف الجناحين كانت هناك طبقة العسكريين التي حرص الخميني على إبقاء مسافة بينها وبين النظام السياسي برمته، ومن أمام الجميع وقفت طبقة الحكم الرئيسية ووسطاء السلطة المتمثلة في رجال الدين المتقدمين.
 
لم يمكث خامنئي طويلا قبل أن يشرع في حزمة تغييرات (4) مست جوهر التراتبية الإدارية للنظام السياسي الإيراني لضمان ترسيخ سلطته، بدأها بتعديلات دستورية لم تخفض فقط من المؤهلات العلمية المطلوبة لتولي منصب المرشد الأعلى، ولكنها زادت في نفس الوقت من صلاحياته، معززة سلطة المرشد على الأفرع التشريعية والتنفيذية والقضائية للنظام من خلال استحداث هيئة جديدة للحكم بين السلطات -سيطر عليها خامنئي- تحت اسم "مجمع تشخيص مصلحة النظام".
 
تزامنا مع ذلك، شرع خامنئي في إحكام سيطرته على المجمع العلمي في حوزة قم، معقل رجال الدين أصحاب الكلمة العليا، سالكا رحلة طويلة لتدارك ضعفه اللاهوتي وبناء شبكة دعم دينية تكللت منتصف التسعينيات بإعلانه مرجعا. وفي نفس الوقت تقريبا، كان خامنئي قد نجح في فرض نظام بيروقراطي دولتي على الهيكل الديني في البلاد، حارما كُل آيات الله من استقلالهم المادي -الذي فخروا به يوما- عبر هيكل من الامتيازات يفرز ويكافئ رجال الدين بحسب مواقفهم السياسية.
   
 
من خلال هذه الطريقة، نجح خامنئي في إخضاع وتطويق "مجلس الخبراء"، وهو الجهة الوحيدة المخولة بالرقابة على المرشد في النظام السياسي الإيراني. وفي نفس الوقت، بدأ المرشد في عملية امتصاص تدريجي لصلاحيات الحكومة المنتخبة، مستبدلا إياها بهياكل ظِل -تخضع لإشرافه مباشرة- شملت مجلسا استشاريا للعلاقات الخارجية وجهاز استخبارات موازيا، كما زرع الآلاف من ممثليه في الوزارات والجامعات والهيئات الدينية وحتى القوات المسلحة، مشكّلا هيكلا بيروقراطيا خاصا قلّص بشكل فعلي من الأدوار الموكلة للحكومة، وقلّص المسافة بين الجيش والنظام السياسي، غير أن التغيير الأكبر الذي أحدثه خامنئي في نمط الحكم الإيراني القائم وقتها تمثل في تحالفه الضمني مع الحرس الثوري، مساعدا الكيان القوي على ترسيخ أقدامه في النظام السياسي، للمفارقة، بدعم من رفسنجاني نفسه.
 
كانت البداية عام 1989، وبينما كان خامنئي يجري عملية إعادة هيكلة للحرس الثوري صانعا ترتيبا هرميا جديدا بدلا من الترتيب الخطي، دعا رفسنجاني كرئيس إيران جديد الحرس الثوري للمشاركة في مشاريع البناء المدنية لإصلاح دمار أحدثته حرب إيران المستمرة منذ ثماني سنوات مع العراق، مبررا (5) دعوته بأن الحرس الثوري طور قدرة هندسية كبيرة خلال الحرب، ويمكن أن يسهم في إعادة بناء البلاد، وفي نفس الوقت تحقيق عائدات لتمويل نفقاته العسكرية جزئيا. كان ذلك يعني تدفق الأموال الحكومية إلى خزائن الحرس، ومع الهيكل الهرمي الجديد عنى على وجه أدق صناعة طبقة جديدة من النخب المسلحة وقفت على مسافة قريبة من النخب الدينية المعممة.
 
إبان رئاسة رفسنجاني، تم منح العديد من العقود الحكومية لشركات الحرس الثوري وعلى رأسها الشركة الهندسية الأكبر للحرس المعروفة باسم "خاتم الأنبياء"، غير أن التحول الحقيقي للحرس الثوري نحو بناء إمبراطورية تاريخية يعود فعليا لعام 2005 مع وصول أحمدي نجاد، ضابط الحرس الثوري السابق للسلطة، وترسيخ حلفاء خامنئي لمواقعهم داخل النظام بالتزامن مع عملية إعادة هيكلة واسعة للاقتصاد قادها خامنئي بنفسه تحت شعار الخصخصة.
 
وشأنها شأن كل شيء في إمبراطورية المرجعيات الكبرى، كانت الخصخصة على الطريقة الإيرانية فريدة من نوعها، وبدلا من نقل مراكز المال والاقتصاد من الحكومة إلى قطاع خاص حيوي وفعال كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، كانت الخصخصة بمنزلة مكافأة لحلفاء المرشد الجديد على ولائهم عبر منحهم نصيبهم من الكعكة. وخلال أقل من 5 أعوام، جرى (6) نقل ملكية قرابة 80: 90% من الأصول الحكومية الإيرانية، بإجمالي نحو 300 شركة كبرى بلغت قيمتها أكثر من 70 مليار دولار، ذهبت إلى شركات مرتبطة بالدولة العميقة وعلى الأخص بمكتب خامنئي نفسه وحلفائه من رجال الدين، والأهم، للحرس الثوري الذي منح العديد من العقود غير المربحة، وخاصة في مجالات استخراج النفط والغاز الطبيعي، وبناء خطوط الأنابيب، وتطوير البنية التحتية، في حين ذهبت نسبة لم تتجاوز 13.5% فقط من هذه العقود إلى القطاع الخاص الحقيقي في البلاد.
  
الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد أثناء تسلمه أوراق أعتماده كرئيس للجمهورية (رويترز)
   
 
رأسمالية الملالي والجنرالات
لم يكن ذلك النموذج الاقتصادي الغريب مستحدثا على كل حال، وإن كان خامنئي قد وسّع نطاقه وصبغه بصبغة أكثر مؤسسية موظفا إياه في ترسيخ نفوذه وسلطته. كان نموذج اقتصاد الظل وإنشاء شبكات من الرعاية هو أحد سمات (7) المشهد الاقتصادي الإيراني ما بعد الثورة التي عرفت هيمنة ملحوظة للمؤسسات والجمعيات الثورية (Bonyads)، وهي كيانات شُكّلت ظاهريا لأغراض خيرية وأيديولوجية وتعبوية لتعمل كبديل عن الهياكل التقليدية الموروثة عن دولة الشاه ووضعت تحت سيطرة رجال الدين، ولاحقا نقل بعضها إلى سيطرة البيروقراطيين الموالين وعلى رأسهم جنرالات الحرس الثوري.
 
غير أن تلك المؤسسات الثورية، المستحدثة بالأساس لتمثّل نوعا من القطيعة مع دولة الشاه، لم تكن في جوهرها أكثر من امتداد طبيعي للشبكات الاقتصادية غير الرسمية التي اشتهرت بها إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وإن تغيرت أسماؤها وأسماء مالكيها، مع تمتعها بامتيازات خاصة تبدأ من الإعفاءات الضريبية ولا تنتهي عند الحماية من المنافسة الحرة مع القطاع الخاص المترنح في البلاد.
 
فعلى سبيل المثال ورثت مؤسسة "المستضعفين"، إحدى أبرز الجمعيات التي يسيطر عليها الحرس الثوري اليوم بشكل شبه رسمي، كافة أصول مؤسسة "بهلوي" الخيرية التابعة لشاه إيران، ورغم أن مؤسسة "المستضعفين" تصنف كمؤسسة غير حكومية فإنه يتم تعيين رئيسها من قِبَل المرشد الأعلى ودائما ما يكون من أبناء الحرس الثوري أو المقربين منه.
 
تزعم (8) مؤسسة "المستضعفين" أنها تقدم نصف إيراداتها في صورة معونات للمحتاجين في شكل قروض منخفضة الفائدة أو معاشات شهرية، في حين تستثمر النسبة الباقية في شركاتها المختلفة التي يبلغ عددها نحو 350 شركة تعمل في العديد من الصناعات، بما في ذلك الزراعة والصناعة والنقل داخل إيران وحتى خارجها. ومن أمثلة ذلك النشاط الخارجي حصول شركة تابعة للمؤسسة منتصف العقد الماضي على عقد بقيمة 30 مليون دولار، لمدة 36 شهرا، لبناء طريق بطول 37 كم في جبال الحجر في الإمارات العربية المتحدة مثّل أحد المراحل المتعددة في بناء منتجع جبل جيس الجبلي، إضافة إلى عقود أخرى في دول آسيوية وحتى أفريقية مثل ليبيا القذافي سابقا.
 
 
لا تُعد مؤسسة "المستضعفين" أنموذجا وحيدا، فهناك مؤسسة أخرى شبيهة يديرها الحرس تدعى مؤسسة "الشهداء" وتختص بمنح قروض منزلية لأسر المقاتلين والشهداء، وتدير خلف ذلك شبكة ضخمة من الأنشطة الاقتصادية، وكانت جزءا من تحالف حصل على ترخيص لتقديم خدمة الهاتف المحمول من الحكومة الإيرانية في عام 2009، ولكن درة تاج المؤسسات الاقتصادية للحرس الثوري بلا منازع هي مؤسسة "خاتم الأنبياء"، الذراع الهندسي للحرس الثوري والمتعاقد الأكبر على المشاريع الصناعية والإنمائية في البلاد.
  
 
تأسست "خاتم الأنبياء" رسميا عام 1988، مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية، لمساعدة الحكومة في إعمار المناطق المنكوبة. وطبقا للوثائق الرسمية للحرس الثوري، تسيطر "خاتم الأنبياء" على ما لا يقل عن 812 شركة فرعية، وتوظف أكثر من 25 ألف مهندس، وتتراوح أنشطتها بين الإنشاءات والطرق والنقل والهياكل الثقيلة ومشروعات المياه وخطوط الأنابيب والتعدين وحقوق التنقيب عن النفط والغاز، ويُعتقد (9) أنها تدير محفظة من الأصول تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار. وبخلاف "خاتم الأنبياء"، يُعتقد أن الحرس الثوري يمتلك أكثر من 200 شركة قابضة ويسيطر على 20% من أسهم البورصة الإيراني، وبشكل إجمالي فإنه يدير ما بين ثلث وثلثي حجم الاقتصاد الإيراني (30: 60%) على اختلاف التقديرات.
 
لا يقتصر الأمر على ذلك، فالحرس الثوري على الأرجح يتحكم بدوره في شبكة واسعة من الاقتصادات غير الرسمية التي غالبا ما تكون مخفية عن الرأي العام، شبكة تبدأ من السوق السوداء لتجارة البضائع المستوردة، التي تسيطر تقريبا على حصة الثلث من البضائع المستوردة في إيران، وتصل إلى التجارات غير المشروعة مثل الكحوليات والمخدرات كما تدعي مؤسسات بحثية مرموقة مثل راند. ويتقاسم الحرس الثوري السيطرة الاقتصادية مع عدد من المؤسسات التي يديرها رجال الدين، وفي مقدمتهم خامنئي نفسه الذي يشرف على مؤسسة خيرية أخرى تعرف باسم هيئة تنفيذ أوامر الإمام "ستاد"، وهي مؤسسة بدأت كهيئة لإدارة العقارات والأصول التي تركها ساكنوها في أعقاب الثورة الإسلامية، وتحولت لاحقا إلى إمبراطورية اقتصادية شديدة الضخامة يديرها خامنئي نفسه مع محفظة أصول قدّرتها (10) وكالة رويترز بـ 95 مليار دولار.
 
فيما يبدو إذن أن خامنئي قد أسس سيطرته غير التقليدية على أصول السيطرة المغرقة في التقليدية، من خلال صناعة تحالف قوامه المال والسلاح، مع غطاء أيديولوجي محكم وفرته مبادئ الثورة الإسلامية والمكانة الرمزية للمرشد العام والحرس الثوري. تحالف يدرك منافسو خامنئي حتمية تفكيكه أولا من أجل ضمان منافسة عادلة حول معركة الخلافة، وهو ما فشل رفسنجاني في تحقيقه قبل وفاته، ويسعى وريثه حسن روحاني اليوم لفعله مرتكزا إلى حزمة إنجازات على رأسها الاتفاق النووي، وقاعدة معقولة -وإن كانت متذبذبة- من الدعم الشعبي حملته لفترة رئاسية ثانية من الجولة الأولى، رغم منافسة شرسة قادها ضدها أشاوس الحرس القديم وسدنة الدولة العميقة في إيران، منافسة تمحورت شعاراتها حول السياسة الخارجية والاتفاق النووي والعلاقة مع الغرب، بينما يدور جوهر سجالاتها حول السياسات الداخلية والنفوذ والحصص المكتسبة في كعكعة الاقتصاد، وحتى معركة الخلافة الكبرى المنتظرة.
 
حروب تكسير العظام
قبيل الانتخابات الرئاسية الإيرانية العام الماضي بأسابيع قليلة كان مبنى بلاسكو التاريخي في قلب العاصمة طهران موضعا لأحد هذه السجالات. في ذلك اليوم -التاسع عشر من يناير/كانون الثاني عام 2017- تحلق الإيرانيون أمام شاشات التلفاز لمتابعة مشهد مأساوي غير معتاد. كانت ألسنة اللهب تلتهم الأدوار العلوية في المبنى العتيق ذي السبعة عشر طابقا لساعات متواصلة، قبل أن ينهار المعلم التاريخي الشاهق على الهواء أمام أعين الجميع، مخلفا عشرات القتلى من المدنيين ورجال الإطفاء، ومعطيا الإيرانيين نسختهم المصغرة من أحداث 11 سبتمبر/أيلول، إلا أن بطلها كان الإهمال وانعدام الكفاءة وغياب المحاسبة.

 

 
(انهيار مبنى بلاسكو الشهير في طهران)
 
لعقود طويلة عُرف (11) مبنى بلاسكو على أنه النظير المبكر لبنائي "كرايسلر" و"إمباير ستيت" الشهيرين في عاصمة رجال الدين، رغم أنه بُني بالأساس على طراز مبنى وولورث، أول ناطحة سحاب في نيويورك. ومع أن تاريخ بنائه يعود لعقدين تقريبا قبل قيام الثورة الإسلامية، حين تم تدشين المبنى مطلع الستينيات على يد "حبيب الغنيان" وأخوته ليصبح أول مبنى من نوعه في قلب العاصمة الإيرانية، إلا أنه ظل أحد المعالم القليلة لذلك العصر التي احتفظت بقليل من سمتها المميز، بما في ذلك الاسم التاريخي المقتبس من اسم شركة العنيان الأثيرة للصناعات البلاستيكية المسماه باسم "بلاسكبوبار"، رغم أنه توارى قليلا وسط العديد من ناطحات السحاب المبنية على النمط الغربي والتي تعج بها العاصمة الأكثر معاداة للغرب في العالم جوار بيونغ يانغ.
 
لم يكن حريق المبنى العتيق منفصلا (12) بحال عن تداعيات الحريق السياسي المرتبط بالاقتراع الرئاسي آنذاك، حريق أجج نيرانه أكثر وأكثر الرئيس الإيراني بموجة تصعيد خطابية غير مسبوقة ضد جهات متنفذة في بلاده -لم يسمها بداية- زعم أنها تعوقه عن إرساء نمط الحكم الخاص به. وفي خطابات أخرى، كان الرئيس الإيراني أكثر دقة بشأن تلك الجهات التي وصفها بأنها "حكومة تحمل بندقية" تخيف القطاع الخاص. كانت أسهم روحاني مصوبة بوضوح نحو ترسانة المؤسسات غير المنتخبة التي تشكل جوهر النظام الحاكم في بلاده، والتي جيشت جهودها من أجل الإطاحة به من منصبه، وفي مقدمتها الحرس الثوري.
 
تحولت الانتخابات الرئاسية إلى معركة تكسير عظام تدور رحاها في الكواليس وعلى الملأ: الحرس القديم يشن حربا شعواء على الرئيس زاعمين أنه "حاد عن مبادئ الثورة الإسلامية بالتقارب مع الغرب فاشلا في جني ثمار جنات هذا التقارب التي وعد بها ناخبيه"، في حين يصف الرئيس منافسيه بأنهم "سجانون وأياديهم ملطخة بالدماء" متهما إياهم بالسيطرة على اقتصاد البلاد بقوة السلاح.
 
كانت مأساة بلاسكو فرصة جاءت على طبق من ذهب لروحاني لتذكير الإيرانيين بعدم مصداقية نظام الظل الموازي الذي يحكم البلاد، حيث كانت سلطات طهران المنتخبة قد أصدرت مرارا وتكرارا تحذيرات حول حالة مبنى بلاسكو ذي الـ 55 عاما من العمر وغيره من المباني المتهالكة في العاصمة، ولكن رئيس بلدية طهران، محمد باقر قاليباف، أحد منافسي روحاني في الانتخابات، لم يواجه أبدا رفاق الحرس الثوري الإيراني المالكين لمبنى بلاسكو التاريخي، والذي آلت ملكيته إلى مؤسسة المستضعفين من حازته وراثة عن مؤسسة بهلوي المالك السابق للمبنى.
الرئيس الإيراني حسن روحاني (رويترز)
  
 
إبان تلك الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بدأ الناخبون الإيرانيون يلمسون بوضوح ما كان الجميع يدركه ويخشى من التعبير عنه: هناك دولتان متنافستان تتصارعان باستمرار من أجل السلطة، وتحملان رؤيتين متناقضتين بشأن قبضة الحكومة على المجتمع والاقتصاد. ويبدو أن منافسي روحاني مثل "قاليباف" المتشدد، وإبراهيم رئيسي، رجل الدين المقرب من الحرس الثوري والذي يتولى مسؤولية إدارة مؤسسة خيرية تابعة لخامنئي، ينحدران من أقل جزء قابل للمساءلة من النظام، نظام يريد أن يكون محميا من تدقيق الأجانب والإيرانيين على حد سواء. كان مفتاح إعادة انتخاب روحاني هو ما إذا كان بإمكانه إبراز هذه الحقيقة بشكل مقنع، وإقناع ناخبيه أن "سماسرة السلطة في البلاد" حد رأيه قرروا سرقة الانتخابات منه.
 
مرت الانتخابات بسلام، وحقق روحاني انتصاره الأكبر وسارع لاستثماره لخوض معركته الحقيقية ضد الحرس الثوري، والتي لا تتعلق بالاتفاق النووي مع الغرب أو بالسياسة الخارجية بقدر ما تتعلق بطبيعة الدولة الإيرانية ذاتها، وفي مقدمة ذلك حصة المؤسسات العسكرية من الاقتصاد. وبضغوط من روحاني وبدفع من الدعم الشعبي الذي يتستر به، اضطر جنرالات الحرس الثوري خلال العام الماضي إلى التخلي عن كثير من مشروعاتهم الاقتصادية في قطاعات تتراوح بين النفط والغاز للاتصالات والبناء، كما جرت عملية إعادة هيكلة لبعض الشركات القابضة ونقل ملكية بعض الشركات إلى هيئات أخرى داخل الدولة. لم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، ولكن يد روحاني امتدت لاعتقال عشرات من أعضاء الحرس الثوري ورجال الأعمال المقربين منهم، بما في ذلك ضابط برتبة عميد وصفته صحيفة "فاينانشيال تايمز" بالعقل الاقتصادي المدبر للحرس، وأُفرج عنه بكفالة في وقت لاحق، بينما أُجبر آخرون على تسديد فواتير عن ثروات راكموها من خلال صفقات تجارية مشبوهة.
 
كانت تحركات روحاني ضد الحرس مذهلة وغير مسبوقة، إلا أن القنبلة الحقيقية تفجرت في وقت لاحق على لسان وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي في يناير/كانون الثاني الماضي. وفي مقابلة مع صحيفة محلية قال حاتمي إن الجيش والحرس الثوري سوف يفرغان من أي أنشطة اقتصادية لا صلة لها بواجباتهما العسكرية وفق توجيهات من المرشد الأعلى شخصيا، وإن الرئيس الجديد لهيئة الأركان العامة، الجنرال الغامض محمد باقري الذي تولى منصبه منتصف عام 2016، سوف يشرف على عملية التفريغ.
 
لم يعلق خامنئي على تعليقات حاتمي إيجابا وسلبا وفق عادته الأثيرة في التزام الصمت ونقل التصريحات البالونية من خلال وسطاء، عادة اكتسبها بعد أن اهتزت مكانته إبان مظاهرات الحركة الخضراء عام 2009. كانت تصريحات حاتمي محاولة من خامنئي لاحتواء الاحتجاجات التي تضرب شوارع إيران والتي طالته هو شخصيا ولم تقتصر على الرئيس وحكومته. وبدا أن روحاني نجح هذه المرة نجاحا مزدوجا، أولا حين نجح في توجيه الاحتجاجات الشعبية الأخيرة لتخطيه وصولا إلى المؤسسات غير المنتخبة الحاكمة للبلاد، وثانيا حين نجح في إقناع خامنئي، أو إجباره على الأرجح، على الانحناء للرياح ومساندته في جهوده الرئاسية لتقويض النفوذ الاقتصادي للحرس الثوري.
 
 
ما بعد خامنئي.. هل يرتدي روحاني عمامة الفقيه؟
في واقع الأمر لا يزال (13) السبب الحقيقي للتظاهرات التي اندلعت في إيران أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي ومطلع العام الحالي موضعا للكثير من التساؤلات. لم يكن المتظاهرون من فئات الطلاب أو الناشطين السياسيين الذين اعتادوا قيادة الاحتجاجات بين الفينة والأخرى، ولكنهم كانوا هذه المرة من رجال الشارع العاديين. وصحيح أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يمكن أن يدفع إلى الاحتجاج، لكنّ الإيرانيين لم يحتجوا في ظروف اقتصادية أكثر سوءا إبان عامي 2012 و2013.

   

 
سرعان ما اتضح أن الطبيعة السياسية للاحتجاجات، التي اندلعت لأول مرة بعد صلاة الجمعة في 28 ديسمبر/كانون الأول في مدينة مشهد معقل التيار المحافظ مطالبة بتنحي الرئيس حسن روحاني، كانت مختلفة عن الاحتجاجات التي تندلع بشكل دوري في إيران. وكان المَعْلم الأبرز لهذه التظاهرات أنها أُثيرت فيما يبدو من قِبل خطيب طهران المتشدد "أحمد علم الهدى"، في أعقاب إقدام روحاني على نشر شفاف غير مسبوق لموازنة البلاد كشف عن مقدار الدعم الحكومي الكبير المقدم للعديد من المؤسسات الثقافية الإيرانية المرتبطة بالحرس الثوري.
 
كان هذا الكشف الشفاف عن الموازنة أحد الخطوات التي سلكها الرئيس روحاني في حربه ضد البيروقراطية الإيرانية للمؤسسات غير المنتخبة، وهي خطوة أثارت خصوم روحاني بمن فيهم منافسه السابق في الانتخابات إبراهيم رئيسي -وهو للمفارقة صهر علم الهدى- الذي استهدف بيانه الأولي حسن روحاني فيما بدا أنه دعم ضمني لمطالب المتظاهرين.
 
ولكن الاحتجاجات سرعان ما توسعت وخرجت عن السيطرة متجاوزة المظاهرات الأولية المناهضة للحكومة، ومنتشرة في أكثر من 80 مدينة في مظاهرات بدت أكثر عفوية وأوسع نطاقا من مظاهرات مشهد، في حين توسعت أهدافها لتشمل الحرس الثوري والمرشد الأعلى نفسه، ما دفع سائر مؤسسات إيران بمن فيها الحرس الثوري إلى التدخل لاحتواء التظاهرات. ورغم أن تورط بعض الجهات داخل النظام الإيراني في التحريض على التظاهرات الأخيرة لا يعدو الآن أكثر من كونه نظرية مؤامرة رائجة، فإن المؤكد أن الرئيس سارع لاستثمارها لتعزيز موقفه خاصة في موجة الاحتجاجات المتعلقة بالحجاب.
 
لذا، من المستبعد أن يكون قيام مركز الدراسات الاستراتيجية الإيراني المرتبط بمؤسسة الرئاسة بنشر تقرير يعود تاريخه إلى عام 2014 تزامنا مع الاحتجاجات مفارقة غير مقصودة، حيث أظهر التقرير أن قرابة نصف الجمهور الإيراني يعارض إلزام النساء بالحجاب. وإذا تجاوزنا نظرية المصادفة غير المرجحة، فإن نشر التقرير كان إشارة واضحة من روحاني أنه لا يعارض وجهات النظر المختلفة بشأن القضايا الاجتماعية وأنه لا مانع لديه من دعمها أيضا.
 
هل كانت احتجاجات إيران الأولية ضد روحاني مفتعلة أم لا، أمر يستحيل الجزم به الآن، ولكن المؤكد أن المعركة داخل النظام الإيراني صارت تلعب بأوراق مكشوفة، وأن عناصر من الحرس الثوري الإيراني، غير الراضية عن تحركات روحاني، تريد تذكيره بحدود قدرته، في حين سعى للاستفادة من الوضع من خلال تحويل التركيز مرة أخرى إلى الحرس الثوري الإسلامي، وفرض نفسه كرقم لا يمكن تجاوزه في المعركة الكبرى حول خلافة المرشد العجوز، المحسوب تقليديا على الجناح الأكثر تشددا والذي لا يزال يجنح إلى طبيعته في الغموض حتى اللحظات الأخيرة.
  
 
مرتديا ثياب رفسنجاني، ومتمردا عليها في الوقت ذاته، يبدو أن حسن روحاني يطمح (14) إلى ما هو أبعد من رئاسة غير تقليدية، وهو يجد نفسه اليوم زعيما لشبكة سياسيّة غير رسمية كانت دائما جزءا من الجمهوريّة الإسلاميّة يشار إليها عادة باسم التكنوقراط.
 
يحمل (15) التكنوقراط والحرس الثوري تاريخا متبادلا من الشكوك إزاء بعضهم بعضا، وهم ينحدرون في غالب الأحيان من الطبقة المتوسطة التي تتركز في المدن الكبرى، بعكس جماهير الحرس الثوري المنحدرة من المناطق الأكثر فقرا. وفي حين شغل حرس الثورة المواقع القتالية، انخرط التكنوقراط في المؤسسات مكتسبين نظرة أكثر انفتاحا إلى العالم.
 
يتجلى هذا التناقض بين النظرتين على مستويات عدة من النقاش السياسي الإيراني، حتى فيما تعلق بالسياسة الخارجية، ففي أعقاب التوصل إلى الاتفاق النووي مع الدول الكبرى، صورت وسائل الإعلام المقربة من الحرس الثوري وزير الخارجية محمد جواد ظريف على أنه ليس ثوريا حقيقيا، وهي نفس الاتهامات التي طالت وزير النفط بيجن زنكنة الذي وصل إلى منصبه على حساب رستم قاسمي المقرب من الحرس، مشيرة إلى أنه بينما كان ظريف يدرس في جامعة دنفر، كان قادة الحرس الثوري واقفين في الخنادق يقاتلون ضد نظام صدام حسين.
 
غير أن الجنرالات يدركون جيدا حاجتهم إلى التكنوقراط من أجل إدارة الدولة والعلاقات مع العالم الخارجي، ما يضع سقفا مرنا دائما لمعركة الشد والجذب الدائرة بين الطرفين، ويبقى السجال مستمرا. وعلى الرغم من التوسع الهائل لنفوذ الحرس الثوري فإن الأبجديات التأسيسية التي تضع مساحة بين الجيش والعمل السياسي -التي حرص خامنئي على عدم تحطيمها بالكلية- تجعل الحرس مجبرا على الاستعانة بالتكنوقراط من أجل العمل، كما أنه سيكون دائما بحاجة إلى الغطاء اللاهوتي الذي يمنحه له رجال الدين وعلى رأسهم خامنئي.
 
 
يعني ذلك أمرين لا يمكن إغفال أي منهما: أن المرشد العجوز سيكون عامل حسم لا يستهان به في تحديد خليفته إذا اختار التدخل، وأن الإصلاحيين والتكنوقراط يبقون رقما لا يمكن إغفاله في معادلة اختيار المرشد القادم. ولا يبدو أن خامنئي قد حسم موقفه بعد، وهو يذكر جيدا أن اصطفافه السياسي الكامل مع الحرس الثوري لم يأت دائما بالنتائج المرجوة، وتجربته حين دعم أحمدي نجاد خير دليل ليسقط الأخير فيما بعد من الرئاسة مقابل توسع نفوذ منافسيه، وإذا كان من الممكن تهميش نجاد وتياره بشكل كامل كما حدث بالفعل، فسوف يكون ذلك متعذرا مع روحاني وتياره إذا اختار خامنئي الوقوف ضده بشكل مباشر وشبه علني.
 
يعني ذلك أيضا أن خامنئي ربما يدرك أن ترك ملف الخلافة في يد صراعات التكنوقراط والحرس الثوري سوف يكون محفوفا بالمخاطر، وآخر ما يرغب فيه هو عملية انتقال تثير الشكوك ربما تدفع الجماهير إلى الشوارع مرة أخرى وبغزارة أكبر، وأن الأمر ربما يتطلب حلا وسطا أوسع للحفاظ على تماسك النظام، وأن الانقسام اليوم أكبر بكثير من الانقسام الذي فرض نفسه حول خامنئي نفسه قبل ثلاثة عقود، خاصة بعد رحيل معظم الشخصيات الوازنة في النظام السياسي مثل آية الله مشكيني رئيس مجلس الخبراء لربع قرن، وخليفته محمد رضا مهدوي وحتى رفسنجاني نفسه، وهو ما يعني(16) بحكم الواقع أن الطبقة الدينية في البلاد تخسر المساحات أمام الطبقة السياسية المدنية وحتى أمام العسكريين.
 
في ظل هذه المعطيات، لا يبدو أن الخلاف داخل أروقة السياسة الإيرانية اليوم عند حدود هوية خليفة خامنئي، في ظل غياب شخصية تحظى بفرص تفضيلية والتأرجح البندولي للخيارات بين الحين والآخر، ولكنه يمتد لصراع أوسع (17) حول نظرية ولاية الفقيه نفسها، في ظل التراجع الفعلي للفقهاء والصراع بين السياسيين الأكثر حاجة إلى الغطاء الديني، وبين السياسيين الراغبين في نظام أكثر مرونة. صراع دفع مرجعا دينيا مرموقا هو آية الله مصباح يزدي إلى شن هجوم على أصداء التظاهرات الأخيرة على جهات لم يحددها، زاعما أنها لا تؤمن بولاية الفقيه وتقدم الديمقراطية على الإسلامية، ليفتح بابا جديدا من الجدل على مصراعيه ليس فقط حول خلافة خامنئي، ولكن حول مستقبل النظام السياسي الإيراني بأكمله ونظام الولاية خلفه.
 
 
في ضوء ذلك، لا يستطيع أحد أن يجزم بما سوف يحدث حين يجتمع مجلس الخبراء المرة القادمة لاختيار خليفة خامنئي. ووفقا للدستور الإيراني، فإن القيادة سوف تؤول حال وفاة المرشد العجوز إلى لجنة ثلاثية تضم الرئيس ورئيس السلطة القضائية ورجل قانون من مجلس صيانة الدستور يختاره مجمع تشخيص مصلحة النظام. وما سوف يحدث بعد ذلك يبقى خاضعا لرهانات مفتوحة: رهانات لا تُبقي باب التكهنات مغلقا على تنصيب مرشد جديد ينتمي إلى التيار المحافظ، وتتساءل في حياء عن حظوظ مرشح معمم قادم من خارج الدوائر التقليدية مثل روحاني أو حتى حسن الخميني، ولكنها تفتح باب التساؤل حول إذا ما كانت إيران سوف تبقى كما نعرفها بعد خامنئي، أم أن العجوز -الذي ترفع عن منصبه يوما ما- سوف يكون المرشد الأخير للجمهورية الإسلامية، على الأقل وفق الصورة النمطية التي نعرفها عن المرشد والجمهورية كليهما.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات