«ف.بوليسي»: سياسة «ترامب» بالشرق الأوسط.. أرباح قصيرة الأجل و«كوارث» مستقبلية

مُسند للأنباء - الخليج الجديد   [ الخميس, 08 فبراير, 2018 08:54:00 مساءً ]

مر العام الأول من رئاسة «دونالد ترامب» الشهر الماضي، مما يتيح فرصة منطقية لتقييم سياسة الإدارة في الشرق الأوسط. وقد يكون عام واحد طويل بما فيه الكفاية للبدء في تمييز بعض الآثار المنهجية لسياسات الإدارة الجديدة. وقد تبدو المهمة غير معقولة لتقييم الرئيس «ترامب» وفق خطابه في الحملة الانتخابية، نظرا لما للخطابات من سمعة سيئة بالنسبة للوعود الكبيرة التي لا تنفذ. بيد أنه بالنظر إلى ما وعد به خلال حملة الرئاسة عام 2016، فقد أظهر - حتى لو لم يعلن ذلك تماما - سلسلة من المواقف المتسقة إلى حد ما فيما يتعلق بالشرق الأوسط.
 
وكما هو الحال مع العديد من مواقف الرئيس السياسية، يمكن وصف الفلسفة الكامنة وراءها على أنها «محو خطى أوباما». ووصف «ترامب» سياسة سلفه في الشرق الأوسط بأنها «كارثة»، واتهم الرئيس «باراك أوباما» بـ «ممارسة الضغط على أصدقاء الولايات المتحدة، وفي هذا السياق، انتقد «ترامب» بشدة دعم الإدارة السابقة للربيع العربي، قائلا إنه سيواصل العمل على الحفاظ على «الاستقرار الإقليمي، وليس التغيير الجذري» في الشرق الأوسط. واعتبر نهج «أوباما» مع الأصدقاء والأعداء - على حد سواء - بمثابة سوء تقدير استراتيجي.
 
وبالنسبة لـ«ترامب»، تعد صياغة سياسة أمريكية ناجحة في المنطقة أمرا بسيطا؛ حيث تتطلب تقديم دعم غير محدود للأصدقاء، والعداء المستمر مع الخصوم. وكجزء من هذا النهج - أبيض أو أسود - أكد «ترامب» على 4 أهداف ملموسة:
 
1- هزيمة سريعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.
 
2- تعزيز الشراكات الإقليمية التقليدية لأمريكا.
 
3- التدقيق على دور إيران الإقليمي المتنامي ومواجهته.
 
4- التفاوض على اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال «الصفقة النهائية».
 
وظهرت هذه الأهداف في خطاب الرئيس في مايو/أيار 2017 في الرياض، الذي يمكن القول إنه كان العرض الأكثر شمولية في الشرق الأوسط. وتبقى كيفية تحقيقه لدور في هذه المجالات اختبار عادل لنجاح سياسته تجاه المنطقة.
 
لذلك، فلنرى كيف أدى الرجل الجديد في هذه المساحات.
 
تنظيم الدولة الإسلامية
 
بالنسبة لـ«الدولة الإسلامية»، قد تكون جهود الإدارة لتسريع الهزيمة قد أثمرت. وفي ظل «ترامب»، زاد الجيش الأمريكي من وتيرة الضربات الجوية في سوريا بنسبة تصل إلى 50%، ومن المرجع أن يكون قرار الإدارة بتمكين القادة المحليين يزيد من قدرتها على الاستجابة في الوقت الحقيقي لتحولات ساحة المعركة. مع عدم إغفال التحذير الهام بأن هذه التغييرات أدت إلى زيادة في عدد الضحايا المدنيين في سوريا، واستعاد التحالف المناهض للدولة الإسلامية 93% من الأراضي التي احتلتها سابقا، وأطاح بالتنظيم من آخر معاقله الرئيسية في العراق وسوريا.
 
ومع ذلك، ليس من الواضح أن تصرفات «ترامب» قد سرعت فعلا زوال تنظيم الدولة الإسلامية، فكما اقترحت خطة حملة «أوباما» لعام 2014، كان من المفترض الوصول إلى النصر بحلول أواخر عام 2017. ولم يكن لدى «ترامب» «خطة سرية» لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (كما ادعى)، ​فقد استمر في استراتيجية أوباما بدعم الشركاء المحليين، مع المساندة من خلال الغارات الجوية والقوات الخاصة. ولكن الإدارة الجديدة تستحق الفضل في الاستمرار حتى تحقيق الهدف.
 
الشركاء التقليديين
 
وبالمثل، نجحت إدارة «ترامب» في إصلاح العلاقات المتوترة مع بعض الشركاء الأمريكيين التقليديين، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة و(إسرائيل). وكانت هذه الثمار سهلة القطف، لكن الجمع بين الاحتفالات العامة الدافئة، والصمت على نقاط الخلاف طويلة الأمد في العلاقات الثنائية (حقوق الإنسان، واليمن، والمستوطنات)، والمواقف السياسية المنحازة (القدس وإيران)، أعادت هذه العلاقات الحميمة. وتبين من خلال الموافقة السعودية الضمنية - وحتى الدعم الهادئ - لقرار ترامب بشأن القدس، واتفاقها على رفع الحصار مؤقتا عن ميناء الحديدة في اليمن، أن هذه المشاعر الطيبة قد اشترت لواشنطن نفوذا إضافيا.
 
ومع ذلك، فإن هذا التقدم الساحر لم يكن ناجحا عالميا، كما ظهر مع مصر. وعلى الرغم من زيارة الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي» للبيت الأبيض والترحيب بـ «ترامب»، فإن الحكومة المصرية لا تزال غير واثقة من الولايات المتحدة، وشعر الدبلوماسيون الأمريكيون بالإحباط بسبب تردد القاهرة في معالجة المخاوف الأمريكية بشأن علاقة مصر بكوريا الشمالية، من بين أمور أخرى. وكان قرار إدارة «ترامب» - في أغسطس/آب - بحجب أو إعادة برمجة أكثر من 200 مليون دولار كمساعدة لمصر دليلا واضحا على حدود نهج الاحتضان الدافئ.
 
طهران
 
وعلى النقيض من ذلك، فشلت محاولات «ترامب» لوقف أنشطة طهران واحتوائها في المنطقة، على الرغم من أن إدارة «أوباما» قد عانت أيضا في هذا المجال. ولم يتراجع دعم إيران لوكلائها المتشددين، وتلتزم طهران بنفس المواقف التي كانت عليها قبل عام. وعلاوة على ذلك، يزحف الوجود الإيراني في سوريا إلى الحدود الإسرائيلية. ولا يزال الحوثيون المدعومون من إيران قوة قوية في اليمن، واقتربوا من ضرب مواقع رئيسية في الرياض.
 
وبدعم من إيران، دفعت الحكومة العراقية والميليشيات المتحالفة الأكراد من أربيل ومناطق أخرى في شمال العراق، واستولت على حقول النفط، وتشتت عن القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ولم تكن الاحتجاجات الأخيرة ضد النظام في إيران - رغم الترحيب الأمريكي بها - مدفوعة بسياسات الولايات المتحدة. وقد تتسبب تهديدات «ترامب» بالتخلص من الاتفاق النووي في تعريض التعامل الاستراتيجي للولايات المتحدة تجاه إيران للخطر، بعد أن بدا وكأنه في طريقه للنجاح.
 
صفعة القرن
 
ويعتبر تصرف «ترامب» في عملية صنع السلام في الشرق الأوسط كارثة لا مثيل لها، مما يؤكد الشكوك بأنه منفصل عن فريقه. وفي حين أن الممثل الخاص للمفاوضات الدولية «جيسون غرينبلات» تلقى في البداية تعليقات إيجابية لجولته في الاستماع إلى المسؤولين في (إسرائيل) والأراضي الفلسطينية، فإن رفض ترامب تأييد حل الدولتين أدى إلى تآكل الثقة مع الفلسطينيين. كما لعبت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» - التي تعارض غالبيتها إقامة دولة فلسطينية - دورا في هذا، وليس لها مصلحة في استئناف عملية السلام.
 
وحتى قبل إعلان «ترامب» الاعتراف بالقدس عاصمة لـ (إسرائيل)، وتعهده بنقل السفارة الأمريكية، فشلت جهود الإدارة في استئناف المحادثات.
 
ونفى «جاريد كوشنر» - صهر الرئيس وكبير مستشاريه - أهمية التاريخ في الصراع، ودعم سفير الولايات المتحدة في (إسرائيل) «ديفيد فريدمان» شرعية المستوطنات، وأكدت الشائعات أن اقتراح الوضع النهائي للولايات المتحدة لم يتصور عاصمة فلسطينية في القدس. ومع قرار الرئيس بشأن القدس، سرعان ما أصبحت «صفقة القرن» بالنسبة للفلسطينيين «صفعة القرن»، ورفض رئيس السلطة الفلسطينية «محمود عباس» الآن قبول الوساطة الأمريكية.
 
ويبدو أن مستشاري «ترامب» يعتقدون أن الغضب الفلسطيني سوف يمر، وأن «عباس» سوف يعود إلى طاولة المفاوضات، ربما رضوخا للضغوط المالية الأمريكية. ومع ذلك، من غير المحتمل مشاركة الفلسطينيين إذا كانت القدس خارج الطاولة. وقال «ترامب» إن الفلسطينيين «لا يحترمون» الولايات المتحدة بعدم اجتماعهم مع نائب الرئيس «مايك بينس» في جولته في الشرق الأوسط، وهدد بوقف المساعدات حتى يجلسوا للتفاوض حول السلام. وليس الضرر الحقيقي في تخريب العملية المتعثرة أصلا، بل في التشكيك في وساطة الولايات المتحدة في الصراع، وتبني فكرة حل الدولة الواحدة الذي لا يفيد أحدا.
 
عام ترامب الأول
 
فكيف إذا نقيم سجل «ترامب» في الشرق الأوسط بعد عام واحد؟ في البداية، لا يرسم هذا الاستعراض الصورة الكارثية التي كان يخشاها الكثيرون منا عندما تم انتخاب «ترامب». ومع استثناء إعلان «ترامب» بشأن القدس (وحظر المسلمين)، تجنبت الإدارة معظم تصريحات «ترامب» الانتخابية غير المستنيرة.
 
ولم تبدأ الولايات المتحدة «إخراج» أفراد أسر الإرهابيين، ولم تحاول واشنطن الاستيلاء على حقول النفط العراقية. ولم تدرج الولايات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية. وعلى الرغم من التراجع عن تصديق الاتفاق النووي الإيراني - في أكتوبر/تشرين الأول عام 2017، لم ينسحب «ترامب» بعد من الاتفاق التاريخي.
 
ولئن كان هذا الأمر مطمئنا، فإنه للأسف مضلل أيضا. فإذا كان أداء «ترامب» في الشرق الأوسط مقبولا على المدى القصير، فإن تأثيره الدائم على المصالح الأمريكية سيكون أكثر ضراوة بكثير. ويرجع ذلك إلى أنه ليس فشله على المدى القصير فحسب، ولكن أيضا نجاحاته، قد ينتج عنها عواقب غير مقصودة من شأنها أن تضعف الموقف الأمريكي في المنطقة. وكثيرا ما يتخذ الرئيس التنفيذي تدابير غير سليمة لدعم سعر سهم شركته بشكل مؤقت، وحقق «ترامب» بعض الانتصارات قصيرة الأجل على حساب المصالح والنفوذ الأمريكي في المنطقة في المستقبل. وقد يؤدي ذلك إلى ثلاث طرق على الأقل.
 
أولا، تسبب حرص «ترامب» على احتضان الشركاء الأمريكيين التقليديين في تعزيز سلوكهم المتهور من قبل قادتهم في الداخل والخارج. ويتجلى هذا الأمر بشكل أكثر وضوحا في حالة السعودية، حيث يبدو أن علاقة «ترامب» و«كوشنر» الوثيقة مع ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان» قد شجعت المغامر الشاب الذي لا يتمتع بخبرة. وبدأ «بن سلمان» بسرعة الحصار المفاجئ ضد قطر، واعتقل العشرات من منافسيه السياسيين في محاولة ابتزاز خرقاء، واختطف رئيس الوزراء اللبناني في محاولة عكسية لتقويض إيران.
 
وحدثت هذه الخطوات بعد وقت قصير من زيارات لـ «ترامب» و/أو «كوشنر». وسواء أكانوا يقدمون موافقة صريحة على مخططات «بن سلمان» أم لا، فمن المرجح أن يشعر ولي العهد بالجرأة جراء هذه اللقاءات. ونتيجة لذلك، عانت مصالح الولايات المتحدة في الوصول إلى جبهة عربية موحدة ضد إيران وتنظيم الدولة الإسلامية.
 
ثانيا، أهملت سياسة «ترامب» في الشرق الأوسط بناء علاقات بين الولايات المتحدة وشعوب المنطقة، مما ترك السياسة الخارجية الأمريكية مع قاعدة دعم ضحلة وغير مستقرة. وقد أعطى الرئيس أولوية قصوى تقريبا لعلاقاته الشخصية مع قادة المنطقة الأكثر استبدادا، ولم يبذلوا جهدا يذكر للوصول إلى جمهورهم. ومن شأن إبرام الصفقات مع الرجال الأقوى أن يجلب ذلك أرباحا قصيرة الأجل، ولكن عندما تفتقر هذه الترتيبات إلى الدعم الشعبي، فإنها تكون عرضة للانتكاس السريع. وعلى سبيل المثال، في حين قبلت الرياض تحركات «ترامب» بشأن القدس، فإن الدعم السعودي المستمر لخطة السلام الأمريكية يبدو أنه يعتمد كليا على التأثير المستمر لشخص واحد، وليس وصفة للنجاح الدائم.
 
والأسوأ من ذلك، أنه عندما يتجاهل «ترامب» شعوب الشرق الأوسط، فهو لا يستعد لها. وكان قراره بشأن القدس، وحظر المسلمين، ومذكرة وزارة الخارجية المسربة التي تشير إلى خطط لاستخدام حقوق الإنسان كورقة ضد المعارضين - مع تجاهل الأخطاء من قبل الحلفاء - قد قوضت بلا شك مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة على المستوى الشعبي. ولقد كانت واشنطن تكافح دائما لتحسين سمعتها في الشرق الأوسط، ولكن هذه الأخطاء المفرطة جعلت من المستحيل ذلك تقريبا. وإذا حدث التغيير في نهاية المطاف في المنطقة، فإن سياسات «ترامب» تزيد بشكل كبير من احتمال أن تكون هذه التغيرات معادية لأمريكا.
 
ثالثا، وأخيرا، إذا نجح «ترامب» - إلى حد ما - في إعادة بناء شراكات تقليدية في المنطقة، فقد كان له أثر معاكس على حلفائنا الأوروبيين الذين يشكل دعمهم لنا قوة مضاعفة ومصدرا للشرعية الدولية. فعلى سبيل المثال، أدت التهديدات بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني إلى دفع الأوروبيين إلى التفكير في طريقهم الخاص في الاتفاق، والتخلي عن سياسة الولايات المتحدة في إيران. وخلال الجولة الأخيرة من الاحتجاجات في إيران، لم تتمكن الإدارة من إقناع أوروبا باتخاذ موقف أقوى لصالح المظاهرات - التي كان من الممكن أن تكون أكثر تأثيرا - بسبب العلاقات الأوثق بين أوروبا وطهران، لأنهم اشتبهوا في أن دوافع خفية كانت وراء الاحتجاجات. وبغض النظر عن حلفاء أمريكا الأوروبيين، فإن سياسة «ترامب» في الشرق الأوسط تجعل من الصعب على الولايات المتحدة متابعة مصالحها.
 
عام ترامب الثاني
 
وبالنظر إلى العام الثاني لـ «ترامب»، لا يوجد سبب يُذكر للتفاؤل. وقد قام موظفو الخدمة المدنية باختبار بعض أسوأ غرائز الرئيس في العام الأول، وذلك - جزئيا - لأنهم كانوا الوحيدين الذين يعرفون كيفية تشغيل آلية الدولة. ومع مرور الوقت، من المرجح أن يتم تعيين السياسيين الذين يتقاسمون وجهات نظر ترامب بشكل حقيقي، أو يتغاضون عنها في عملية السياسة الخارجية، وبالتالي يصبحون أكثر مهارة في النهوض بأولويات الرئيس، مما يزيد من احتمال التحركات الطائشة من قبل الإدارة.
 
وكان الشرق الأوسط، بالنسبة لكافة الاضطرابات التي وقعت العام الماضي، خاليا من الأزمات نسبيا. وفي أوقات الأزمات - ولا سيما تلك التي تنطوي على بعد عسكري - كانت الإدارة هي الأكثر حرية في التصرف. وبدون التقليل من أزمة الخليج أو وضع القدس، لا يزال «ترامب» لم يختبر أي حالة طوارئ عسكرية. فكيف ستستجيب الإدارة لو قتل الوكلاء الإيرانيون في سوريا جنودا أمريكيين، أو ضرب صاروخ حوثي هدفا رئيسيا في الرياض، أو أطلقت (إسرائيل) حربا جديدة في لبنان؟ لا شيء في هذا التحليل يوحي بالثقة في قدرة «ترامب» على إدارة مثل هذه الحالات. وفي نهاية المطاف، مهما كانت الأمور سيئة العام الماضي، فمن الممكن، بل وعلى المرجح أن تزداد سوءا في العام الجديد.
 
المصدر | فورين بوليسي



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات