"مناورة في الخاصرة".. هل تروض أميركا الصين ببحرها الجنوبي؟

مُسند للأنباء - ميدان   [ الجمعة, 02 فبراير, 2018 07:46:00 مساءً ]

 
مقدمة المترجم
يبدو سعي التنين الصيني لبسط نفوذه وتكريس هيمنته على على الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي مستمرا، إذ تعد هذه الجزر مواقعا إستراتيجية غنية بالموارد. يناقش هذا التقرير خطورة تأخر التدخل الأميركي واقتصاره على المواقف الدبلوماسية التي لن تردع بكين من تصعيدها.
 
نص التقرير
في 30 ديسمبر/كانون الأول، بث التليفزيون الوطني الصيني لقطات مصورة من الجو للمرافق التي بنتها بيكين قرب الشعاب المرجانية في منطقة "فايري كروس ريف" في بحر الصين الجنوبي. كان هذا الفيديو؛ هو الأول من نوعه حيث قام بعرض صور ملتقطة عن قرب للقاعدة البحرية والجوية الكبيرة على منطقة الشعاب المتنازع عليها في جزر سبراتلي. وفي وقت سابق من ذلك الشهر، نشرت مبادرة آسيا للشفافية البحرية -التابعة لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية- صورا ملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية؛ توثق بناء حظائر للطائرات ومرابض للصواريخ ومرافق لاستخبارات الإشارات ومنشآت عسكرية، أخرى في منطقة تقع ضمن شعاب "فايري كروس ريف"، فضلا عن شعاب "مستشيف" و"سوبي"، خلال عام 2017.
 
لكن اللقطات الجوية كانت قد سلطت الضوء على حجم الحشد العسكري الصيني بطريقة أكثر تفصيلا من صور الأقمار الصناعية. وكان ينبغي أن تؤدي تلك اللقطات إلى إطلاق صفارات الإنذار في كل من مانيلا وواشنطن، حيث إنه قد أصبح واضحا للعيان أن بكين لم تغير قيد أنملة من إستراتيجيتها طويلة الأجل؛ المبنية على تعديل الحقائق على الأرض بالإجبار، وإذا لزم الأمر، بالقوة العسكرية المباشرة من أجل الهيمنة على بحر الصين الجنوبي. فعلى الرغم من الكلام الدبلوماسي، فإن المشكوك بجديته حول محاولة الوصول الى مذكرة مشتركة عن قواعد السلوك مع الدول الأخرى التي لديها مطالب في المنطقة، فإن إجراءات الصين تقوض الزعم القائل بأنها جادة في إيجاد حل دبلوماسي منصف للمنازعات في بحر الصين الجنوبي في أي وقت قريب.
 
نوايا الصين
 
في الفلبين، أثارت اللقطات من الشعاب المرجانية في منطقة "فايري كروس ريف" القلق بين الصحافيين والمعلقين، لكن رد فعل الحكومة أتى مرتبكا. في 8 يناير/كانون الثاني قال وزير الدفاع الوطني الفلبيني "دلفين لورينزانا": إن نشر القوات أو أنظمة الأسلحة على الشعاب التي تحتلها الصين يشكل انتهاكا لتعهد بكين عام 2015 (الذي قدمه الرئيس الصيني شى جين بينغ للرئيس الأميركي باراك أوباما) بعدم عسكرة مواقعها في جزر سبراتلي. وقال لورينزانا إنه إذا ثبتت صحة هذه الأنباء فإنه سوف يطلب من وزارة الخارجية الفلبينية تقديم احتجاج دبلوماسي رسمي ردا على ذلك.
 
ولكن في اليوم التالي؛ رفض المتحدث باسم الرئاسة الفلبينية هاري روك؛ القول إن الصين قد ارتبكت أي مخالفة، وأكد أن بكين تتصرف "بحسن نية" طالما أنها لم تقم بردم البحر في الجزر والشعاب المرجانية غير المأهولة، مما أوحى بأن التعزيزات العسكرية المستمرة في جزر سبراتلي السبعة التي تحتلها الصين؛ هي أمر مقبول لدى مانيلا. هذه الإجابات المتناقضة حول ما إذا كانت الصين قد انتهكت التزاماتها تسلط الضوء على جدل مستمر داخل الفلبين، وفي أنحاء عديدة من جنوب شرق آسيا، حول كيفية فهم ما تبطنه بكين.
 
 
أثار المرور العادي للسفينة الأميركية "يو أس أس هوبر" عبر البحر الإقليمي للجرف الصخري البحري المسمى بـ"سكاربورو شول"، اختلافا مماثلا في الرأي حول هذه المسألة. شكل هذا المرور أول عملية لـ"خطة حرية الملاحة" بالقرب من سكاربورو شول، التي كانت الصين قد انتزعت السيطرة عليه من الفلبين في عام 2012، حيث بدأ تطبيق برنامج حرية الملاحة الأميركي في بحر الصين الجنوبي؛ بجذب الاهتمام الواسع منذ أواخر عام 2015. ردا على ذلك، قال المتحدث باسم الرئاسة الفلبينية هاري روك: إن هذه المسألة هي قضية أميركية-صينية مضيفا أن الفلبين لا تريد التورط فيها، بالرغم من أن مانيلا تطالب بالسيادة على سكاربورو شول كجزء من أراضيها. من جهته، سارع لورينزانا للدفاع عن العملية التي وصفها بأنها "قانونية تماما".
 
أتاح تنصيب الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي في حزيران 2016 فرصة سرعان ما قامت الصين باغتنامها بغبطة تامة. فرودريغو دوتيرتي المعادي ايديولوجيا للولايات المتحدة تحرك بسرعة لطي صفحة قرار التحكيم الصادر في يوليو/تموز 2016، والذي كان قد اعتبر أن مطالبات بكين الشاسعة بـ"الحقوق التاريخية" في بحر الصين الجنوبي هي غير قانونية، وأكد حقوق مانيلا الحصرية في المياه وقاع البحر الممنوحة لها بموجب القانون الدولي. كما أعلن دوتيرتي "انفصال" بلاده عن الولايات المتحدة فيما يتعلق بالسياسة العسكرية والاقتصادية، بينما سعى إلى إقامة علاقات أوثق مع الصين. لكنه حتى الآن، لا يزال مسعاه هذا مقيدا من قبل البيروقراطيات العسكرية والمدنية، وأعضاء الكونغرس الفلبيني، والرأي العام، الذين لا يزالون يؤيدون الولايات المتحدة بالتوازي مع عدم ثقتهم بالصين. ومع ذلك، يستمر دوتيرتي في سياسة التقارب مع بكين؛ حيث تبقى مانيلا صامتة حول نقاط الخلاف مقابل وعود لم تتحقق بعد لزيادة الاستثمار الصيني فيها، وتعهدات صينية بإدارة كافة المنازعات سلميا.
 
منذ خريف عام 2016، أطلقت بكين مبادرات دبلوماسية تجاه العديد من دول جنوب شرق آسيا، وتجنبت إثارة مواجهات جديدة كبرى في بحر الصين الجنوبي. وفى مايو/أيار عام 2017، أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن المفاوضين توصلوا إلى اتفاق حول مشروع "إطار" لمذكرة مشتركة عن قواعد السلوك في بحر الصين الجنوبي، بين الصين والدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (الأسيان). ثم اعتمد وزراء خارجية الدول الـ11 المتفاوضة رسميا اتفاق إطار من صفحة واحدة في أغسطس/آب عام 2017، وهم يأملون ببدء المفاوضات حول بنود المذكرة نفسها في مارس عام 2018. لكن لا تزال التوترات قائمة في علاقات الصين مع أندونيسيا والفلبين، وفيتنام بشكل خاص، وإن كانت هذه التوترات قد خفتت من دون شك. والسؤال المطروح هو ما إذا كان هذا التقدم يمثل تحولا إستراتيجيا طويل الأجل من جانب بيكين، أو مجرد تعديل تكتيكي قبل جولة التصعيد المقبلة. وبعبارة أخرى، هل الصين تتصرف فعلا بحسن نية؟
 
سياسة قهرية بامتياز
في الحقيقة، إن الجدل بين أولئك الذين يشككون في نوايا الصين، وأولئك الذين يؤيدون مسايرتها ليست ظاهرة خاصة بدولة الفيليبين. فهذا -تماما- ما يحدث في جميع الدول التي تلعب دورا رئيسيا في نزاعات بحر الصين الجنوبي، بما فيها أندونيسيا وسنغافورة وفيتنام وحتى الولايات المتحدة. وبعد ما يقرب من عقد من التصعيد المتزايد وغياب آفاق حقيقية لحل المنازعات البحرية، يمكن فهم السبب وراء جاذبية الانفراج الدبلوماسي المفاجئ، مهما كان هذا غير مرجح، والاستعداد للرهان على حسن النية لدى الصينيين. فالبديل عن هذا هو تقبل سنين طويلة من التوترات العسكرية المتصاعدة، والاشتباكات المتقطعة، والمشاحنات الدبلوماسية، دون ضمان الوصول إلى حل.
 
لكن الوقائع -لسوء الحظ-،  لا تدعم الفرضية القائلة بأن الصين مستعدة للتخلي عن الإكراه العسكري والقبول بصفقة عادلة مع جيرانها. فعلى مدار عام 2017، في الوقت الذي كانت فيه الصين تتحدث عن جهود دبلوماسية مع الدول الأخرى التي لديها مطالب في المنطقة، قامت الصين ببناء مرافق تغطي مساحة حوالي 72 فدانا، أو 290،000 متر مربع من الأراضي في جزر سبراتلي وباراسيل المتنازع عليها. تقع المرافق الأكبر في جزر سبراتلي، وفايري كروس، ومستشيف، وسوبي؛ والتي تحتوي حاليا على مرافق كبيرة تحت الأرض لتخزين المياه والوقود والذخائر اللازمة للقواعد البحرية والجوية الكبيرة. وتم تجهيز كافة هذه المرافق بالرادارات الحديثة، وأجهزة الاستشعار، وغيرها من قدرات استخبارات الإشارات لضمان أن لا شيء سوف يتحرك في بحر الصين الجنوبي دون معرفة بكين.
 
ومهدت العمليات التي قامت بها الطائرات المقاتلة وطائرات النقل العسكرية التابعة لسلاح الجو الصيني في جزر باراسيل في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي؛ لما هي الصين بصدده في جزر سبراتلي، حيث تنتظر 72 من حظائر الطائرات المقاتلة ونحو 12 حظيرة للطائرات الأكبر حجما. الدفعة الأولى من الأسرب الجوية. كما تستعد المآوي ذات الأنشاء المقوّى لاستضافة منصات الصواريخ المتنقلة التي من شأنها حماية هذه القدرات الهجومية من أي رد عسكري من قبل الولايات المتحدة، أو الأطراف الإقليمية الأخرى. كما أن الصين لم تظل ساكنة مع تطويرها لقواعدها العسكرية في عام 2017. ففي أغسطس/آب، نشرت بكين أسطولا من السفن العسكرية والمدنية قبالة جزيرة ثيتو التي تحتلها الفلبين، والتي يسكنها نحو 100 مدني، ردا على نزول صيادين فلبينيين على جزيرة غير مأهولة بالقرب منها. كما كان ضباط صينيون قد أجبروا في وقت سابق طائرة تحمل لورينزانا في زيارة للجزيرة في أبريل/نيسان على الابتعاد عنها، مصرين على أنها كانت تحلق في المجال الجوي الصيني. 
 
في ذلك الوقت، كان رد وزير الدفاع الفيليبيني هو التقليل من أهمية الحادثة، فقال للصحافة: إن هذا يحدث كلما قامت طائرة فلبينية بالهبوط في جزيرة ثيتو. وفي أبريل/نيسان أيضا، أفيد بأن أفرادا على متن سفينة في خفر السواحل الصيني أطلقوا النار على صيادين فلبينيين بالقرب من شعاب مرجانية متنازع عليها وغير مأهولة. وعلى مدار العام، حافظت سفن خفر السواحل الصينية على وجود منتظم في جزر لوكونيا قبالة ساحل ماليزيا، وفي سكاربورو شول حيث سمح للصيادين الفلبينيين بالعمل حول الشعاب المرجانية تحت إشراف الضباط الصينيين (تعرضوا للمضايقة أحيانا)، ولكن لم يسمح لهم بالدخول إلى البحيرة الصخرية هناك؛ والتي تسيطر عليها الصين. ومما يبعث على القلق؛ أن الحكومة الصينية هددت في يوليو/تموز باستخدام القوة العسكرية لمنع فيتنام من المضي قدما في استكشاف النفط والغاز، بالتعاون مع الشركة الإسبانية ريبسول على فانجارد بانك، وهي منطقة محددة من قاع البحر في الطرف الجنوبي من "الخط ذات النقاط التسعة" الذي تستخدمه الصين لترسيم مطالبتها البحرية. واضطرت هانوي إلى تعليق عقد ريبسول بعد أن كانت قد أنفقت مئات الملايين من الدولارات على أعمال التنقيب والحفر.
 
وقد تجاهل أو برر المسؤولون من أمثال هاري روك ووزير الخارجية الفلبيني آلان بيتر كايتانو؛ هذه الأمثلة من السلوك القهري والعسكرة المستمرة،  بكونها غير مهمة نسبيا عندما يتم مقارنتها باحتمال الوصول إلى اتفاق حول قواعد السلوك في بحر الصين الجنوبي. فكون الاتفاق الإطار قد تم توقيعه، وبالنظر إلى المحادثات المزمع عقدها في مارس/آذار، فإن هذا الشعور مفهوم ولكنه يظل من السابق لأوانه. فالاتفاق الإطار يقع في صفحة واحدة فقط، مليئة بالعموميات والمفاهيم الناقصة. وهو لا يتطرق إلى أي من المسائل الصعبة التي تحتاج إلى التذليل من أجل أن تكون قواعد السلوك فعالة في النهاية، ولكن الصين لم تعط أي إشارة تظهر على أنها مستعدة لتقديم التنازلات بشأن أي منها.
 
جرى الكثير من النقاش حول ما إذا كانت بكين ستوافق على جعل الاتفاقية حول قواعد السلوك ملزمة قانونيا، -وهو أمر لم يناقش في الاتفاق الإطار- ولكنه سوف يكون جزءا لا يتجزأ من أي اتفاق فعال حقا. ولكن هذه ليست بالضرورة المسألة الأكثر صعوبة، ولا هي الأهم. على سبيل المثال، فليس هناك ما يشير إلى أن الدول على الموجة نفسها عندما يتعلق الأمر بالمجالات التي قد تنطبق عليها قواعد السلوك. فهل سوف تشمل جزر باراسيل وكذلك جزر سبراتلي؟ ماذا عن مواضيع مثل فانجارد بانك التي ترى الصين فقط أنه متنازع عليها؟ فالمناقشات الرسمية لم تبدأ بعد حتى في تناول تفاصيل مثل إدارة مصايد الأسماك، والتطوير المشترك لحقول النفط والغاز، وحماية البيئة، وإنفاذ القانون في المياه المتنازع عليها. علاوة على ذلك، كيف سيمكن للدول التوفيق بين مطالبة الصين بالحقوق التاريخية المزعومة لها وبين قوانينها المحلية والقوانين الدولية؟ وكيف سيتم حل الخلافات حول كيفية تفسير قواعد السلوك؟
 
 
ليست هذه المسائل مستعصية على الحل، ولكن حتى لو التزمت جميع الأطراف بالعمل على تذليلها، فإن التوفيق بينها قد يستغرق سنوات عدة. فمنذ أن قامت الصين ودول الآسيان بالتوقيع على إعلان غير ملزم بشأن سلوك الأطراف في بحر الصين الجنوبي، في عام 2002، لم تحرز هذه الدول أي تقدم ملحوظ في أي من هذه المواضيع. ولم يتم حتى إدراج القضايا الصعبة في المفاوضات الإطارية في العام الماضي؛ لأنها كانت ستجعل من المستحيل التقيد بالمهلة النهائية المحددة مسبقا من قبل الأطراف. لكسر هذا الجمود والتوصل إلى اتفاق فعال في إطار زمني معقول -على سبيل المثال في السنوات القليلة المتبقية قبل انهيار مصايد الأسماك في بحر الصين الجنوبي- فإن هذا سوف يتطلب تحولا جذريا في المواقف والاستعداد لتقديم تنازلات واسعة. وينطبق هذا بصفة خاصة على الصين ومزاعمها القديمة، والغامضة حول كون الحقوق التاريخية لها.
 
للأسف، من الصعب التوفيق بين فكرة أن تكون نية كهذه موجودة في بكين مع استمرار الحشد العسكري والتكتيكات القهرية من قبلها التي شهدناها طيلة عام 2017. الخلاصة الأكثر تفاؤلا هي أن الحكومة الصينية لديها رأيين حول بحر الصين الجنوبي، فهي في آن واحد منفتحة للمبادرات الديبلوماسية، ولكن في الوقت نفسه تسعى الهيمنة على جيرانها من خلال الوسائل العسكرية وشبه العسكرية. لكن الرأي الأكثر تشاؤما هو أن المبادرة الدبلوماسية الصينية خلال العام ونصف العام الماضيين كانت أساسا تكتيكا مماطلا يهدف إلى صرف انتباه أصحاب المطالب في جنوب شرق آسيا، وتحييد الانتقادات الخارجية، في الوقت الذي تستعد فيه بكين للجولة المقبلة من التصعيد العسكري.
 
رادع فعال
في العواصم الأسيوية وواشنطن، يرحب البراغماتيون بفكرة انفراج دبلوماسي مفاجئ، ولكن سيكون من الخطأ الاعتماد على حسن النية في الصين، بالنظر إلى وجود العديد من العلامات السلبية كما أسلفنا. فيبدو أن احتمالات إبرام اتفاقية جدية حول قواعد السلوك على المدى القصير ضعيفة. وفي الوقت نفسه، يبدو من المرجح أن الطائرات المقاتلة الصينية ستبدأ قريبا العمل بشكل منتظم من القواعد الجوية في جزر سبراتلي، جنبا إلى جنب مع الوجود البحري وشبه العسكري المتزايد باستمرار هناك؛ لفرض مطالب بكين على حساب مطالب جيرانها.
 
"لكي ترتدع الصين عن استخدام القوة أو حتى التهديد باستخدام القوة كإجراء قهري ضد الفلبين، ستحتاج الولايات المتحدة إلى نشر طائرات مقاتلة وغيرها من المعدات الهجومية في هذا البلد"
 
منذ عام 2016، قامت الصين بشكل مطرد بتقوية قدراتها على نشر قواتها في جميع أنحاء الخط  ذوالنقاط التسعة، في حين أن مواقف الأطراف الأخرى في جنوب شرق آسيا والأطراف الخارجية مثل الولايات المتحدة قد تراجعت نسبيا. في مانيلا، خفف وزير الدفاع وغيره من القادة العقلاء من اندفاعة أولئك الذين كانوا يصرون على الوصول إلى انفراج مع الصين مهما كانت التكلفة. واشتمل ذلك على إنقاذ العلاقة العسكرية مع الولايات المتحدة، على الأقل جزئيا، استعدادا لليوم الذي يؤدي فيه السعي العدواني للصين لفرض مطالبها إلى جولة جديدة من المواجهات والاشتباكات.
 
من جهتها، لم يترك تركيز إدارة ترامب الضيق على الأزمة الحالية في كوريا الشمالية سوى القليل من الوقت، أو القدرة على معالجة الأزمة القادمة في بحر الصين الجنوبي. وقد خفضت وزارة الخارجية أولوية هذه القضية إلى موقع ثانوي في العلاقات الدبلوماسية مع الشركاء الإقليميين، ولم يبذل البيت الأبيض أي جهد لصياغة إستراتيجية شاملة للإدارة حول هذه النزاعات. وفي حين أن وزارة الدفاع بدأت بتنظيم ما يسمى بعمليات حرية الملاحة بانتظام، فإن ذلك لم يكن له أثر يذكر. كما أن الجيش الأميركي عاد إلى تنظيم التدريبات المشتركة مع القوات المسلحة الفلبينية، ويستمر في تقديم الأموال لبناء القدرات العسكرية الفلبينية، ولكن اتفاق التعاون الدفاعي المعزز، الذي تم توقيعه في عام 2014 لإعطاء القوات الأميركية إمكانية محدودة للوصول إلى القواعد الفلبينية، يجري تنفيذه جزئيا فقط، ومن غير المرجح أن يقوم هذا الاتفاق بالسماح للولايات المتحدة بالرد بشكل فعال على الانتشار العسكري الصيني في جزر سبراتلي.
 
تشير الدلائل إلى أن الصين مستعدة لتصعيد جديد في بحر الصين الجنوبي، مما يوجب أن تستنفر له الحكومات في الفلبين وعبر المنطقة، فمن شأن ذلك أن يمثل تحديا وفرصة في نفس الوقت للولايات المتحدة، ولكن حتى الآن لا تفعل واشنطن سوى القليل جدا للاستعداد لهذا. فلكي ترتدع الصين عن استخدام القوة، أو حتى التهديد باستخدام القوة كإجراء قهري، ضد الفلبين، ستحتاج الولايات المتحدة إلى نشر طائرات مقاتلة وغيرها من المعدات الهجومية في هذا البلد. 
 
وهذا يعني إعادة اتفاق التعاون الدفاعي المعزز إلى المسار الصحيح، وخاصة من خلال إقناع حكومة دوتيرتي بمتابعة الخطط لتطوير القواعد العسكرية الخمسة المتفق عليها مسبقا، والتراجع عن قرارها بحظر تخزين الذخائر فيها، والسماح بجدول منتظم لنشر الطائرات الأميركية القتالية فيها. كما حان الوقت لحكومة الولايات المتحدة أن تعلن التزامها بالدفاع عن القوات والسفن والطائرات الفلبينية من الهجوم؛ بموجب المادة الخامسة من معاهدة الدفاع المتبادل بين البلدين، وأن تعلن أنه ينطبق على المياه والجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. وهذا التوضيح لن يطمئن حكومة دوتيرتي على أن الولايات المتحدة ستدعم الفلبين فعليا عند الحاجة فحسب، بل ستكون بمثابة رادع قوي للعدوان الصيني.
 
 
ومن الضروري وجود رادع أميركي فعال في الفلبين إلى جانب العمليات الأميركية الاعتيادية في بحر الصين الجنوبي، والتمويل المستمر لبناء القدرات، والتدريب المشترك مع الجهات ذات المطالب في جنوب شرق آسيا؛ لمنع الهيمنة الصينية بالقوة في المدى القصير. بيد أنه لا يوجد حل عسكري للمنازعات، وإن أي إستراتيجية أميركية طويلة الأمد تحتاج إلى أن يقودها البيت الأبيض ووزارة الخارجية وليس البنتاغون. ويعني ذلك بذل جهود طويلة المدى بين الأجهزة الأميركية لدعم المطالبين في جنوب شرق آسيا، وحشد الدعم الدولي، وفضح أفعال الصين.
 
ولكن الولايات المتحدة سوف تحتاج أولا إلى طمأنة المنطقة بأنها لم تغفل عن أهمية هذه المسألة، وبأنها لن تغفل ذلك في المستقبل. وكخطوة أولى، يتعين على المسؤولين الأميركيين البدء في إيلاء بحر الصين الجنوبي اهتماما كبيرا موازيا لكوريا الشمالية؛ من خلال العلاقات الدبلوماسية مع دول الآسيان وشركاء إقليميين آخرين. كما يجب عليهم أن يوضحوا من خلال التصريحات العلنية أن المصالح الأميركية في النزاع لا تقتصر فقط على قدرتها على "الطيران والإبحار والعمل" في تلك المياه -وهو ما يعني في حد ذاته القليل بالنسبة للدول الإقليمية- ولكن أنها تشمل بنفس القدر من الأهمية، أمن الشركاء والحلفاء والدفاع عن النظام القائم على القواعد في مواجهة المحاولة الصينية لتحريف حقائق التاريخ خدمة لمصالحها.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات