داخل الألم خارج الفرح .. اليمنيون يستجدون العيش..

أطفال يمنيون
مُسند للأنباء - خاص - تقرير   [ السبت, 13 يناير, 2018 10:57:00 مساءً ]

لطالما حلمت مئات من الأسر بواقع مختلف يقتصر على الرغيف والمسكن الآمن بعيدا عن رغد العيش الذي غدا الوصول إليه من المستحيلات حد تعليق الكثير من أرباب الأسر الواقعة ضحايا هذه الحرب وخصوصا في المناطق التي تخضع لسيطرة ميلشيا الحوثي الانقلابية.
 
يقول الرجل الثلاثيني أحمد فارعلـ "مٍُند للأنباء" إنه أصبح عاجزا تماما تجاه متطلبات أسرته التي تتكون من أربعة أفراد ثلاثة أطفال وأمهم، حيث لم يعد من المقدور المقاومة أكثر، في ظل استمرار انقطاع الرواتب التي تتجاوز العامين جراء الحرب الدائرة وسطو ميلشيا الحوثي الانقلابية على مقدرات ومؤسسات الدولة واستنزافها وفشلها الذريع في تلبية حاجات الناس.

وتقف ميلشيا الحوثي الانقلابية عاجزة أمام اتساع الفجوة الاقتصادية والمجاعة والفقر المدقع في المناطق التي تخضع لسيطرتها، جراء استنزافها وسطوها للممتلكات العامة وموارد الدولة المتبقية، بعد انقلابها في 21 سبتمبر 2014م.

هذا ما جعل فارع يشعر" باليأس وفقدان الأمل تجاه عودة الحياة الطبيعية، التي تضمن الحصول على راتبه للحفاظ على عيشة كريمة لأسرته، لافتا إلى أنه كان متأملا على بعض من الوقت لتجاوز هذه الأزمة، إلا أنه وجد تعاقب الأيام بلا جدوى رمقهم الأخير من الدقيق والقمح".

ويوضح فارع" حتى المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات الدولية لا تصل إليهم والمستحقين من المواطنين، حيث تسيطر ميلشيا الحوثي الانقلابية وتصرفها لمواليها والمقاتلين معها، دون أي شفقة أو الشعور بذرة من إنسانية".

وفي ظل تفاقم الوضع المعيشي والإنساني لم يكن أمام أحمد فارع أستاذ مادة الفيزياء في إحدى مدارس العاصمة صنعاء إلا الذهاب للعمل حينا "حجر وطين" وحينا آخر يدفع "عربية" من الخرسانات الإسمنتية لضمان مصروف يومي ضئيل لأطفاله الذي بالكاد يكفي بالعافية من الماء والخبز فقط حد قوله".

ولا يختلف وضع الحاج محمد السودي عن فارع، فهو لم يعد يحتمل ما يصفه بالكارثي "انقطاع الرواتب وارتفاع أسعار المواد الغذائية، مؤكدا هول وكارثية الضغط المعيشي غير المحتمل الذي تتعرض له أسرته، خصوصاً مع انقطاع الراتب، منذ أشهر طويلة، وارتفاع الأسعار وتعدد الأولويات وازدياد الديون".

ويضيف السودي " إن التزايد الكبير للعملة ضاعف كل تلك الكوارث مرة واحدة، والتي بدورها انعكست تلقائيا على أسعار الأغذية الأساسية المهمة".

 ولمواجهة الوضع المعيشي الصعب يضع السودي " برنامج متدن من التغذية لأسرته بما يلائم دخله اليومي البديل الذي يعتمد في الحصول عليه من خروجه كل صباح للعمل مع شركة مقاولات هي الأخرى صارت شحيحة المشاريع، بعد تركه وظيفته الحكومية التي لم تعد مجدية حد قوله".

استجداء العيش..

أم سند المرأة الضعيفة وإحدى ضحايا ميلشيا الحوثي الانقلابية، بعد قيام الميلشيا باختطاف زوجها إلى مكان مجهول منذ ما يقارب عامين وترك اسرة قوامها من 6 أفراد لشظف وقسوة العيش.

لا شيء تستند الأسرة إليه غير اضطرار المسؤول الثاني بعد الأب المختطف أم سند  اضطرت إلى افتراش أحد أرصفة العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة ميلشيا الحوثي الانقلابية لبيع أشياء ومستلزمات بسيطة، هي في واقع الأمر خلاصة بقائها وأطفالها على قيد الحياة ومقاومة شظف العيش الصعب الذي كان استرسالا موجعا وغطاء للسؤال عن السبب الذي قادها لتفترش الرصيف وهي بهذا السن.

لم تختر أم سند حياتها الجديدة طوعا، بل ضيق الحال وصعوبة العيش كانا خيارها الوحيد اجبرت معه على افتراش رصيف ذابل مع مجموعة أشياء بسيطة من «الكمون، وليف الغسلة من الصوف وبعض من الفصفص العدني»، حيث تأتي كل مساء للجلوس وتدشين يومها الطويل والمنهك حد قولها، وهي المرأة ذات العمر الاربعيني.

تقول أم سند» لمراسل "مُسند للأنباء" بعد عامين اعتدت على جلوسي هنا على الرصيف مشيرة إلى موضع بضاعتها التي تجتمع على سطح «كرتون» ابيع للمارة ما يمكنه ادخار قيمة رغيف وتيسير ما تبقى لأطفالي من أيام مع اقتناعها الكامل بعدم عودة زوجها المختطف من قبل الميلشيا.

حيث تحكي عن تضارب أنباء مصير زوجها التي تردده الميلشيا بين الحين والآخر وكلما ترددت أم سند على أقسام الشرطة ومشرفي الميلشيا مكررة السؤال ذاته عن زوجها، لتعود يائسة ككل مرة وبدموع غزيرة تمحوها أول وصولها عند أطفالها خشية إيلامهم حد قولها.

في الرابعة عصرا تبدأ يومها بشوشة ومبتهجة وعند قرابة الحادية عشر تلم بضاعتها استعدادا للعودة الذي حكت لي بالقول «عند تمام الحادية عشر انهض للعودة إلى مسكني الذي كان آخر ما تركه لنا والد صغاري».

وتضيف أم سند « إن الميلشيا لا تتوقف بين الحين والآخر من مضايقتها وأطفالها كان في مسكنهم أو مكان تواجدها لبيع أشياءها البسيطة التي تدخر منها رغيف أطفالها الستة، حيث لا تمتنع الميلشيا من الشتائم واللصاق عبارات التخوين كما كان الحال مع زوجها قبل اختطافه الذي تصفه بالمسكين والطالب الله بعد حاله.

ويتعرض غالبية الشعب لانتهاكات جسيمة ومتعددة من قبل ميلشيا الحوثي الانقلابية، طالت كل ما يتعلق بحاجيات العيش الضرورية وتوسيع الفائقة والعوز في أوساط عامة الناس.

وتفرض الميلشيا واقعا إنسانيا صعبا وموجعا، مارست معه أبشع الجرائم  في حق النساء والأطفال والمدنيين، مستخدمة اشد انواع التعذيب والتنكيل، واشد منه القتل العشوائي دون ثمة شفقة، أو أسبابا تتعلق بالمعارك.

مسرح موت مفتوح..

إنها  الحرب، مسرح مفتوح للموت والقتل والدمار اليومي، في محافظة الجوف شمال شرقي اليمن، التي تدور فيها أشد المواجهات العنيفة بين القوات الشرعية اليمنية مسنودة بالتحالف العربي من جهة وميلشيا الحوثي الانقلابية من جهة أخرى، التي عمدت فيها الأخيرة إلى تفخيخ الوجود واجتثاث الأرض والإنسان وتوقف حركة الحياة، وتهجير جماعي لأكثر من  عشرون  ألف نسمة من سكان المحافظة من مختلف مديرياتها تقريبا.

خيارات منزوعة الرجاء وعذابات قاسية تقاسمها ومازالوا يتقاسمونه سكان هذه المحافظة الموغلة في الألم والتشرد جراء اجتياح ميلشيا الحوثي الانقلابية مناطقهم، يمضون أيامهم و أعمارهم في محاولة تصور حياة مقاربة لما كانوا عليها،  قبل ان تشعل فيها المليشيا النار وتجعل منها  مسرحا مفتوحا للخراب، حيث لم ينته عند هذا القدر من الخراب و نزوحهم هربا من الموت، لكنه طال حياتهم التي حولتها الحرب إلى جحيم مفتوح.

وفيما يحاولون التعافي في مناطقهم الجديدة القاحلة والبديلة لمواطنهم الأم، جراء ما خلفته الحرب  من خراب وسلب لحيواتهم، التي ماتزال تسيل وجعا حتى اللحظة، وبانتظار من يرمم جراحاتها النازفة بالوجع.

 أُسر قليلة وأن كان معظمها لعسكريين من خارج المحافظة؛ توافدت إليها وأخرى من ذات المحافظة غيرت مواطنها التي طالتها الحرب، محاولة إعادة إيقاع الحياة وسط كل هذا الخراب الذي صار ملجئا للقادمين من البعيد، الفارين من  المليشيا ونارها إلى فصول الغبار.

خدوش وثقوب قذائف على الجدران، ومنازل شبه واقفة هي كلما تبقى  لأهالي مديرية الغيل  المهجورة التي حولتها مليشيا الحوثي الانقلابية إلى مبكى  في مسيرة موتها ودمارها الممتد في مهرجان الحرب ورهاناتها الخاسرة .

الجندي عادل طه أحد أفراد الجيش الوطني الذي يقاتل الميلشيا في ذات المديرية بإخلاص وتفاني نادر للدولة والسلطة الشرعية،  ظهر ضحية هذه الحرب، إذ بدا مهزوما ومنهارا تجاه تفاقم الوضع المادي والمعيشي لأسرته البعيدة، وهو في انتظار راتبه الذي طال غيابه ما دفعه إلى وحشة الهذيان والغرق في تلف ذاكرته، بعد أن جاءه خبر إخراج أسرته  إلى الشارع بسبب عجزه عن سداد الإيجار المتراكم لسبعة أشهر، حسب قول زملائه الذين كانوا آذانا صائغة لهمومه ومشاكله، ومثلهم هو.

يقول زملائه " إن طه جنن بعد علمه بإخراج أسرته وأطفاله إلى الشارع، ومن يومها لا يعرف أحدا غير ترديد أسم أمه وأطفاله".

توسلات وهذي متقطع يطلقهما عادل طه لأمه وزوجته وأطفاله الذين كثيرا ما طمأنهم  بتوجيهات ووعود صرف المرتبات، بحسب زملائه، والتي هي كلما تبقى من ذاكرته المفقودة في زمن الحرب، حيث يقف عاجزا عن صنع احتمالات النجاة، بل وغير قادر على تمييز الحياة والحلم، كونه لم يعد طبيعيا جراء هذا العجز.

رحلة البحث عن الحياة..

ومثله تجري الأمور مع العم صالح، غير أنها تختلف في الوجهة وتتشابه في الصورة والألم المرير، حيث ينهض كعادته كل يوم، يرتاد وسط مدينة الجوف "الحزم" حيث تجمع العمال بمختلف مهنهم، عله يجد من  يلوح بيده بحثاً عن عامل بناء، أو أي فرصة عمل، في قلب مدينة ضيقة وغريبة عنه.

رحلة بحث عن مصدر عيش كريم هي ما لخصها العم صالح حين سألته عن سبب تواجده في مثل هذه المدينة الغريبة حسب وصفه لاحقا، وهو الرجل الأربعيني الذي لا يكل كل يوم من انتظار الرزق وادخار ما أمكن لأسرته البعيدة  في قريته الواقعة في محافظة تعز وسط اليمن التي مضى على تركه له تسعة أشهر، بعد أن ضاق ذرعاً بالحرب التي أضرمتها المليشيا وتوقفت معها الأعمال، متأملا دخلا ولو ضئيل، لا منعدم لسد رمق أسرته وأطفاله،  لكن سرعان ما يضيق بأمنياته هذه شارع مليء بالهزائم والخيبات وانعدام الاعمال إلا من القليل تعد بالنادرة.
 
يقول العم صالح" لمراسل "مُسند للأنباء" أعيش في فندق صغير وسط المدينة، أعود إليه  بعد نهار شاق، استغرقه في البحث عن عمل أسد من خلاله رمق أطفالي الأربعة، واحتياجاتهم التي لا أتمكن من توفيرها نتيجة غياب فرص العمل، وكما ترى في إشارة منه إلى اعداد العاطلين عن العمل".

وجع يومي شاخت معه ملامح المئات من العمال القادمين من مناطقهم المشتعلة بالحرب، إذ تبدو وجوههم منهكة بالتعب جراء ركضهم الطويل وراء القوت الضروري لأُسرهم، في زمن جفت فيه مصادر الدخل، وتفاقمت ظروف المعيشة الصعبة، التي دفعوا ثمنها خذلانا وخيبات في موسم ممتد من الحرب.

ويعد هؤلاء العمال بمهنهم المختلفة هم الشريحة الأكثر تضررا في مسرح الحرب، التي أدت إلى توقف الحركة وغياب فرص العمل في عموم البلاد.

ولا يتوقف الألم عند هؤلاء فسكان محليون ممن أجبرتهم ميلشيا الحوثي الانقلابية على ترك منازلهم وافترشوا القفار والصحاري الجدباء سردوا بعض معاناتهم بالقول" إن الميلشيا وضعتهم تحت الحصار لعدة شهور بزرعها حقول الألغام والتي حدت من تحركنا والخروج من مناطق اشتعال النيران".

ولفت السكان إلى الوضع المعيشي الصعب الذي لحق بهم جراء اجتياح ميلشيا الحوثي الانقلابية لمناطقهم، حيث أنها لم تترك لهم بعد اشتداد المعارك السماح بأخذ ممتلكاتهم الضرورية من اثاث ومستلزمات الحياة اليومية، غير ملابسهم التي يرتدونها، بالإضافة إلى منع وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية".
 
 
 
 
 
 
 
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات