لست مجنونا ما دمت تكلم نفسك!

مُسند للأنباء - ميدان   [ الثلاثاء, 09 يناير, 2018 07:18:00 مساءً ]

مقدمة المترجمة
تتحدث مع نفسك كثيرا وتخجل إن سمعك أو رآك أحدهم؟ لا تقلق لست وحدك، تعرض كاتبة المقال الآتي دراسات حديثة في علم النفس تمنحك نظرة مختلفة لحديثك مع نفسك، بل وبعض التوجيهات لتخرج بأكبر استفادة من هذا السلوك، إستمع لصوت عقلك واقرأ المقال التالي.
 
نص المقال
ذات يوم في ربيع 2010 كان عالم النفس إيثان كروس يقود سيارته عندما كسر إشارة حمراء، وفورا هتف لنفسه قائلا "إيثان أيها الغبي!" وتعهد أن يقود بحذر في ما تبقى من الطريق، ثم لكونه عالم نفس توقف ليفكر في ما قاله. فهو لم يقل أنا غبي! بل أشار إلى نفسه باسمه "إيثان"، فما السبب؟
 
بعد بضعة أشهر، كان ليبرون جيمس، لاعب كرة السلة الشهير في مقابلة على شاشة التلفزيون يناقش قراره بمغادرة فريق كليفلاند كافالييرز إلى ميامي هيت. وكان بضعة مشجعين في كليفلاند يحرقون قميصه، إلا أن جيمس أوضح أن قراره كان منطقيا. وقال: "لم أرد أن أتخذ قرارا عاطفيا، وأردت أن أفعل ما هو أفضل لليبرون جيمس، وأن أفعل ما يجعل ليبرون جيمس سعيدا". شكك الكثيرون في سلامته العقلية وربما حكم كروس نفسه على هذه اللغة باعتبارها نرجسية المشاهير المعتادة، لولا أنه تذكر ذلك الموقف الذي يخصه.
 
بعد ذلك، سمع كروس ناشطة التعليم الباكستانية مالالا يوسفزاي، أصغر فائزة بجائزة نوبل،  تتحدث في برنامج "ذي ديلي شو"، وتحكي عن تعاملها مع طالبان، وتقول إنها كانت تفكر "إذا أتت طالبان ماذا ستفعلين يا مالالا؟"،  وأوضحت أنها قالت حينها: "سأرد على نفسي قائلة مالالا، فقط أمسكي بحذاء واضربيه". وقد حفز ذلك كروس على العمل، كان يعلم أن الناس يتحدثون بطبيعة الحال مع أنفسهم، لكنه لم يعرف ما إذا كانت الثرثرة تصل إلى حد كبير أو ما إذا كانت الكلمات التي استخدموها ذات أهمية. لذلك قرر أن يبحث في الأمر. وفي سلسلة من التجارب الرائدة، وجد كروس أن لطريقة خوض الناس حواراتهم الداخلية تأثير هائل على نجاحهم في الحياة. فإذا تحدثت إلى نفسك مستخدما الضمير "أنا"، من المحتمل أن يسوء أداؤك تحت الضغوط، أما إذا خاطبت نفسك باسمك فترتفع فرص تفوقك في أداء المهام فجأة.
 
 بجانب معالجته لمجموعة من البحوث التي قام بها الآخرون، أدخل كروس منظورا جديدا تماما على ما تم تجاهله أو التغافل عنه فترة طويلة في علم النفس، وذلك هو استخدام الحديث مع النفس لتعزيز الثقة، حيث يرتقي عمله بالحديث مع النفس إلى شيء أكثر أهمية بكثير، إنه أداة قوية للوعي. وعندما تستخدم هذه الأداة بطرق محددة جدا في أوقات محددة، تحرر الدماغ للأداء الأفضل على الإطلاق، وعن طريق تبديل الطريقة التي نخاطب بها ذاتنا -ضمير المتكلم أم المخاطب- فكأننا نضغط على زر في القشرة الدماغية، ومركز الفكر، وآخر في اللوزة الدماغية، ومركز الخوف، والانتقال أقرب أو أبعد من شعورنا بذاتنا وشدته العاطفية. يمكننا اكتساب المسافة النفسية من ضبط النفس، مما يسمح لنا بالتفكير بوضوح، وأن نؤدي بكفاءة، ويقلل مفتاح اللغة من اجترار الأفكار والشعور بالقلق والاكتئاب، بعد أن نكمل المهمة، كما أننا إذا تحررنا من الأفكار السلبية نكتسب منظورا جديدا للحياة، ونركز بعمق ونخطط للمستقبل.
 
يقول العلماء الذين يدرسون الصوت الداخلي إنه يأخذ شكله في مرحلة الطفولة المبكرة ويستمر مدى الحياة كرفيق للإنسان ومصدر إلهام خلاق له، وهو وثيق جدا وثابت جدا، وفقا لعالم النفس البريطاني تشارلز فيرنيهوغ، حتى أنه يمكن اعتباره فكرا في حد ذاته. ويوضح: "عندما سأل ثياتيتوس سقراط عن تعريف الفكر، قال سقراط: هو الحديث الذي تخوضه الروح مع نفسها".
 
وقد يساء استخدام هذا الكلام ليصبح مصدرا للاجترار الفكري المؤلم أو حتى مرض الذهان، إلا أنه يمكن أن يجعلنا مراقبين مستقلين لحياتنا. فالحديث الداخلي هو واحد من الأدوات المتاحة الأكثر فعالية، والأقل استخداما لضبط زمام النفس وتعزيز النجاح.
 
عندما كنا صغارا
يبدأ الحديث الذاتي مسموعا خلال سنوات الطفولة المبكرة. ويتحدث الأطفال مع أنفسهم بصوت عال كنوع من دليل التعليمات، وخريطة طريق ولدت ذاتيا سعيا للإتقان، يوجهك صوتك لبناء المنازل بالمكعبات، ونطق الكلمات والجمل في كتب التعليم.
 
وهذا هو ما بدا عندما تم تسجيل تمتمة صبي صغير يقوم بتوجيه نفسه لبناء شاحنة لعبة، "العجلات توضع هنا، العجلات توضع هنا. أوه علينا أن نبدأ من جديد، علينا إغلاقه، انظر، إنه يغلق، ها نحن نبدأ من جديد ". يقول فيرنيهو: "إن الحديث الذاتي في سن مبكر بصوت عال يغير المهمة المعنية كما يحول استخدام المفك مهمة التجميع إلى مهمة أسهل، كذلك وضع أفكارنا في كلمات يعطيها شكلا ملموسا، مما يجعلها أسهل للاستخدام".
 
 
 وليس الحديث الداخلي ميكانيكي فحسب، كما يقول" فيجوتسكي" فهو العمل الاجتماعي الأسمى، بل هو جمع وإعادة تفسير التعليمات التي التقطت من الكبار ذوي المعرفة، ودفعها مرة أخرى عبر كلمات الطفل. وكلما كانت المهمة أكثر صعوبة كان الحديث أكثر وضوحا، وكان ذلك أفضل لمساعدة الأطفال في السيطرة على أفعالهم وسلوكهم. إن التحدث مع النفس هو الوسيلة التي يتنقل بها الطفل مما يسميه فيجوتسكي باسم "منطقة التنمية القريبة" إلى مجال التحديات الأبعد من المتناول، والأكثر تعقيدا من قدرة الطفل على إتقانها وحده.  یقوم الأطفال ببناء شراکات تعلیمیة مع البالغین لاکتساب مھارات ومن ثم ينطلقون بمفردهم، ويتحدثون مع أنفسهم خلال المھمة بصوت عال. ومع الإتقان، يتم استيعاب الحديث الذاتي حتى يصبح في أغلبه صامتا، ويظل جزءا من الحوار المستمر مع النفس، إلا أنه يصبح أكثر حميمية وغير معلن.
 
أمضى جيل من علماء نفس الطفولة، بقيادة لورا بيرك في جامعة "جنوب إلينوي"، عقودا لتوثيق الفروق الدقيقة؛ وخلصوا إلى أنه في أفضل الظروف، يقوم المعلم الصبور أو مقدم الرعاية المتفهم بتعليم الأطفال اللغة المنطقية المفيدة خطوة بخطوة لإتقان أي مهمة. ويستخدم الأطفال بدورهم هذه اللغة في حديثهم الخاص لتعليم أنفسهم أشياء أخرى. قد يقول الطفل الذي تلقى توجيها جيدا لنفسه "يمكنك أن تفعلها، حاول مرة أخرى"، ليوجه نفسه عبر أكثر المشاكل تحديا، باستخدام عبارة منطقية تلو الأخرى.
 
وعلى النقيض من ذلك، يمكن للمعلم الغاضب كثير الانفعال ونافد الصبر أن يورث الأطفال نمطا دائما من الحديث الهدام مع أنفسهم. والأطفال الذين يتعرضون لمثل هؤلاء الموجهين يتعلمون لغة الإحباط، ويصبحون غير قادرين على التوجيه الذاتي، فيغضبون على أنفسهم في اللحظة التي يشعرون فيها بالارتباك. قد يقول طفل لنفسه "أيها الغبي إنك لا تُحسن فعل شيء" ويقذف كتابه بعيدا، بالإضافة إلى أنه سيفشل في أداء المهمة.
 
يعد الحديث الخاص في مرحلة الطفولة وقودا للخيال كذلك، كما وجدت بيرك. كأن يتطلب تظاهر الطفل بأن يكون "جيمس بوند" تعقيدات تنسيقية، مثل تجهيز "معدات التجسس"، والعثور على مخبأ في برشلونة (تحت الدرج)، وإحباط العدو على متن قاربه (حوض الاستحمام)، وتجهيز وثائق الهوية المزيفة لركوب الطائرة (سريره). وكل ذلك يعتمد على وظائف تنفيذية للدماغ؛ السيطرة على الاهتمام، وقمع الانفعالات لصالح الاستجابات المناسبة للموقف، وجمع الأنواع المختلفة من المعلومات في الذاكرة على المدى الطويل، وكذلك التخطيط والتنظيم والتفكير بمرونة، وهي المهارات ذاتها التي تكمن وراء النجاح الأكاديمي في وقت لاحق. وعبر حديثهم مع أنفسهم يرسم الأطفال شخصياتهم التي يتقمصونها، وكلما زاد حديث الأطفال مع أنفسهم أثناء لعبة التظاهر زادت احتمالية اتباعهم هذه الاستراتيجية عند سن البلوغ، وفقا لبيرك، وهو ما يعد مسرحا من الانتباه المركب والتنظيم طوال العمر.
 
تقول بيرك: "إن القول بأن الأطفال الذين يملكون أصدقاء خياليين هم أطفال مضطربون لهو بالتأكيد خرافة، فمن يفعل ذلك ينخرط في المزيد من الحديث مع النفس عندما يكبر وهذا يجعله أكثر سيطرة ذاتيا". إن لعبة التظاهر المرتبطة ارتباطا جوهريا بالحديث مع النفس، تمنح الأطفال مسافة نفسية عن حياتهم اليومية، وتوفر هذه المسافة المجال النفسي الذي يحتاجون إليه للسيطرة على انفعالاتهم الخاصة. إذا كان الحديث الذاتي هو أحد الإنجازات العظيمة للإنسانية، وهدية من أسلافنا والقائمين على رعايتنا، أولئك الذين أثارونا وقاموا بتهدئتنا بالكلمات، فهو بدوره واحد من الدوافع عميقة الجذور للتطور البشري.
 
  
الآن وقد كبرنا
 
إن أسس الحديث مع النفس التي يقدمها لنا القائمون على رعايتنا والتي تراكمت خلال سنوات من لعب التقمص، ترشد حديثنا مع أنفسنا عندما نكبر كذلك. وتمدد الكلمات المربوطة بدماغنا في السنوات المبكرة نفوذها خارج مراكز اللغة في قشرة التفكير إلى الدماغ المستقر في اللوزة الدماغية، حيث تأخذ الذكريات العاطفية شكلها وحيث يمكن للمخاوف أن تقيدنا بالمؤكد والمعروف. وعندما تصل كلمات الحديث مع النفس إلى اللوزة الدماغية، فإنها إما تملؤنا بالقلق أو تحررنا من قيودها، مما يسمح لنا بممارسة مستويات عالية من الانضباط الذاتي في جميع أنواع الظروف الصعبة (التنافس الرياضي أو الحديث علنا).
 
في دراسته الأولية عن الحديث مع النفس، التي أجريت في مختبر العاطفة والتحكم الذاتي في جامعة ميشيغان، وجد إيثان كروس أن استخدام المرء لاسمه يقلل من القلق الاجتماعي، والخوف من التقييم في سياق اجتماعي وهو سبب كره العديد من الناس للحديث أمام جمهور؛ فهو يلغي القلق الاجتماعي ليس قبل الحدث المسبب للقلق فحسب، بل وبعده كذلك عندما يميل الناس إلى مراجعة أدائهم والبحث عن نواقصهم، وهو ما يسميه العلماء بـ "معالجة ما بعد الحدث".
 
 طلب كروس من 89 رجلا وامرأة إلقاء كلمة عن سبب أهليتهم تماما لبلوغ وظيفة أحلامهم. وأعطي كل مشارك خمس دقائق للتحضير، وطلب من نصفهم استخدام الضمائر فقط لوصف أنفسهم، وطُلب من النصف الآخر استخدام أسمائهم. ولأولئك الذين كانوا في مجموعة استخدام الضمير ترسخ الشعور بالقلق واعتقدوا أن المهمة مستحيلة. وكان تعليقهم: "كيف يمكنني كتابة خطاب في خمس دقائق" أما من استخدموا أسماءهم شعروا بقلق أقل وأتموا المهمة وشعروا بثقة كبيرة. وكان التحفيز قولا مثل "يمكنك فعل ذلك يا إيثان" تحفيزا نموذجيا في الفترة التي تسبق الخطاب.
 
غير أن الاختبار الحقيقي كان ما جاء بعد ذلك، فأولئك الذين استخدموا أسماءهم قاموا بأداء أفضل على المسرح واختبروا اجترار أفكار أقل بعد ذلك؛ كما اختبروا اكتئابا أقل وشعروا بخجل أقل كذلك. في دراسات أخرى، وجد كروس أن استخدام الاسم يمكّن المشاركين من مواجهة التحديات، ولذا فإن ما يعتبره الآخرون تهديدا يعتبرونه هم تحديا. أما عند إلقاء الخطاب فقد شعر المتطوعون الذين يستخدمون ضمير "أنا" بعدم ملاءمتهم للمهمة.
 
يقول كروس "عند التعامل مع المشاعر القوية، يمكن لاتخاذ خطوة إلى الوراء والتحول لمراقب منفصل عن الحدث أن يساعد، فمن السهل جدا على الناس تقديم النصح لأصدقائهم، ولكن عندما يتعلق الأمر بأنفسهم، يواجهون مشكلة كبيرة، إلا أن من يستخدمون اسمهم يفصلون أنفسهم عن النفس ما يساعدهم على الأداء الأفضل".
 
هون على دماغك!

 
يخفف الحديث مع النفس العبء القائم على الدماغ وفقا لجيسون موسر، عالم الأعصاب وعلم النفس الإكلينيكي في جامعة ولاية ميشيغان، الذي قام بقياس النشاط الكهربائي في الدماغ أثناء انخراط المبحوثين في أنواع مختلفة من الحديث مع النفس.
 
عرض موسر على مجموعتين من النساء صورا فوتوغرافية لرجل ملثم يحمل سكينا ويضعه على عنق امرأة. وكانت إحدى المجموعتين عرضة للقلق المزمن، والأخرى كانت طبيعية نفسيا. ثم طلب من كل مجموعة أن تتحدث مع نفسها عن نتيجة إيجابية بينما يقيس النشاط الكهربائي في فصوص القشرة الأمامية وفي منطقة الجهاز الحوفي. ووجد أنه عندما تستخدم النساء بشكل طبيعي ضمير"أنا" في الحديث مع النفس، كان على المجموعة القلقة أن تجتهد أكثر من المجموعة الطبيعية في الحديث مع أنفسهم والاقتناع بوجهة نظر إيجابية، وحتى مع تحقيق ذلك فشلت النساء في تلك المجموعة في تهدئة أنفسهن. وظلت تساورهن مخاوف من أن المرأة التي تعرضت للهجوم قد ماتت.
 
 كلما اشتد عمل الفصوص الأمامية عندهن زاد القلق وأدخلتهن المهمة في حلقة مفرغة من اجترار الأفكار والقلق، وطلب من النساء أنفسهن تكرار ممارسة الحديث مع النفس، إلا أنه هذه المرة كان عليهن استخدام أسمائهن عمدا بدلا من الضمائر الشخصية. فنتج انخفاض كبير في مستويات القلق، والتقطت الأقطاب الكهربائية التحسن النفسي عن طريق توثيق انخفاض كبير في الطاقة المستهلكة من الفص الجبهي. بل إن الموجات العالية لنشاط اللوزة الدماغية هبطت كذلك وقل نشاطها بمقدار النصف تقريبا. وقل القلق لدى النساء العرضة للتوتر، كما اتضح في رسوم النشاط الدماغي لهن.
 
وتشير النتائج إلى أن النهج العلاجي للحد من القلق -العلاج بالتعرض- قد يكون كله خاطئا، حيث عادة ما يطلب معالجو علم النفس السلوكي والمعرفي من المرضى الدفع بعدم عقلانية مخاوفهم من خلال وضع أنفسهم في الوضع الذي يثير القلق واكتشاف أن لا شيء سيحدث. أتخاف من السير على جسر عال؟؟ سر على هذا الجسر مرارا وتكرارا حتى يختفي خوفك. يقول موسر: "غالبا ما لا يلتزم الناس بهذه العلاجات لأنها مؤلمة للغاية". ولذلك قد يكون هذا العذاب غير ضروري، وقد يحقق تغيير اللغة أكثر بكثير وأسرع بكثير من هذه العلاجات. إن تغيير الطريقة التي يتحدث بها الناس إلى أنفسهم -وهو تحول بسيط من الضمير الشخصي إلى الاسم- قد يوفر طريقة أدوم وأقل إيلاما للقضاء على القلق.
 
أتخافين من المصاعد الكهربائية؟ يمكنك قهر ذلك بقولك "حسنا، عزيزتي بام، عليكِ دخول على المصعد وضغط على رقم 6". تغيير كلمة واحدة يغير طريقة عمل الدماغ، ويفسر موسر قائلا: "كما هو الحال مع التبديل التلقائي الذي يشغل فيه الدماغ النفس ويغلقها، فإن ذلك مبرمج بداخلنا تبعا للتطور الذي بني فينا عبر تطور اللغة، ورغم أنها ليست الطريقة التي كنا نحاول فيها تهدئة أنفسنا في الماضي، تبين الدراسات أنه ليس من الضروري أن نعذب الدماغ بالتعرض الإجباري، فتغيير بسيط في اللغة يخلق المسافة الحقيقية المطلوبة".
 
الحكمة في أيّ سن
يؤكد كروس أن المسافة النفسية المكتسبة باستخدام اسم الشخص تمنح المرء الحكمة. يتعامل الناس بحكمة مع المشاكل الاجتماعية للآخرين أكثر مما يفعلونه مع مشاكلهم الخاصة، ويغير الحديث مع النفس بالاسم التركيز ويأخذه بعيدا عن النفس، ويسمح للناس بتجاوز النزعة المتمركزة الكامنة بداخلهم. ما يجعلهم أذكياء في التفكير لأنفسهم بقدر ذكائهم في التفكير نيابة عن الآخرين.
 
في سلسلة من الدراسات التي ذكرت مؤخرا في مجلة "سايكولوجيكال ساينس" طلب كروس من مشاركين طلاب النظر في كيفية تأثير ركود عام 2008 على مهمة البحث عن وظيفة من منظور شخصي (سواء كان ذلك يحدث لهم) أو من وجهة نظر بعيدة (يحدث لشخص آخر). كما طلب كروس منهم مناقشة المستقبل في حال خسر مرشحهم السياسي المفضل الانتخابات الرئاسية في تلك السنة. وفي كل تجربة، كان لأصحاب وجهة النظر الخارجية المزيد من التواضع الفكري وكانوا أكثر اتساقا مع التغيرات المستقبلية، وأكثر مرونة وانفتاحا على وجهات نظر متنوعة. كانوا بشكل عام أكثر قدرة على التفكير في الأمور بطريقة حكيمة معيارية.
 
يقول كروس: "سمح منظور المساحة النفسية للناس بتخطي وجهات نظرهم ذات الحكم الذاتي وأن ينظروا للصورة الكاملة، ونحن بحاجة إلى ما يشبه الآلية، أو الخدعة للخروج من رأسنا".  وخلال عملهما معا توصل موسر وكروس مؤخرا إلى أدلة من المسح الدماغي أن وضعية المساحة النفسية خلال الحديث مع النفس تزيد المرء حكمة. فقد وجهوا المتطوعين الطلاب إلى الحديث مع أنفسهم في حين رصدوا أدمغتهم باستخدام آلة الرنين المغناطيسي الوظيفي. ومن بين الأشخاص الذين تحدثوا إلى أنفسهم بضمير المخاطب، كانت عمليات مسح الدماغ تشبه تلك في حالة قيام الطلاب الآخرين بإعطاء النصائح للأصدقاء، ولم يحدث ذلك للمجموعة التي تستخدم الضمير "أنا".
 
تنطبق النتائج على مجموعة كاملة من العلاقات الاجتماعية، كما يزعم كروس، لأن الناس يفضلون التعامل مع مشكلات الآخرين بدلا من مشاكلهم الخاصة. ويعتقد أنه يمكن لإبعاد النفس أن يحقق الوضوح في التفكير في الصراعات الاجتماعية، سواء في مجال الأعمال التجارية أو الرومانسية.
 
التيار اللامحدود
 
نحمل جميعنا "مونولوجا" داخليا ونخوض في حديث مع أنفسنا، ونحافظ على تيار من الوعي والتعليق المستمر على أنفسنا وعلى العالم، وهو تيار يدوم مدى الحياة، وكثير منه صامت ومختزل. واتضح أنه مهم لمجموعة واسعة من العمليات العقلية. ولكن بقدر ما يمكنه تعزيز التنظيم الذاتي وإطلاق العنان للقدرة المعرفية، لا يخلو الحديث مع النفس من الجانب المظلم.
 
يشير فيرنيهوغ إلى أن بعض الخلل في استيعاب خطاب الطفل مع نفسه قد يكمن وراء الهلوسة السمعية لدى البالغين. كما يمكن للناس استخدام الإبعاد الذاتي في الحديث مع النفس لتفادي مشاعرهم، وفقا لكروس. غير أن المعلومات حول الحديث مع النفس ما تزال في بدايتها، وقد تكون هناك كلمات محددة يمكنها أخذنا أعلى وأسرع وأبعد من هذا. وتنتظر هذه الإمكانية الدراسة والبحث.
 
وفي الوقت الحالي، يشير الحديث مع النفس إلى جذور عميقة من اللغة وتأثيرها القوي على الأجزاء الأكثر بدائية من الدماغ، ووضعها مكابح لتلك المشاعر التي تقيد قدراتنا، ومن خلال تعليم الناس كيفية التحدث مع أنفسهم بشكل فعال، يقول كروس: "يمكننا الوصول إلى تلك الأعماق بتدخلات سهلة للغاية، وهو أمر كبير الأهمية".
 
كيف تتحدث مع نفسك عند مواجهة التحدي؟
إذا ما استخدمت اللغة الداخلية بشكل صحيح، يمكنها أن تركز التفكير، وتعزز التخطيط، وتمنع سمية الاجترار لاحقا.
 
"جنيفر (1)، مم تقلقين؟ ليس هذا هو أول موعد غرامي لك، وأنا أعلم أن هذا الرجل يعجبك، ولكن تمهلي (2)، وحافظي على هدوئك. وحتى لو لم يسر الأمر كما تمنيت فلن تكون نهاية العالم، أنت قادرة وذكية وجميلة (3). ابذلي جهدك ودعي الأمر يجري كما هو مقدر له يا جينفر".
 
1 - أبعدت جنيفر نفسها عن توتر الموعد الأول من خلال التعامل مع نفسها بالاسم، ورؤية نفسها كما لو كانت صديقتها. فالمسافة تمنح الحكمة والثقة والهدوء، وهو ما لن تصل إليه إن استخدمت أنا.
 
2- كما أنها تستخدم أنواع الاستراتيجيات التي يستخدمها الأطفال عند الانخراط في أنشطة مثل بناء بالمكعبات، وهي الآن توجه نفسها لأن تصبح هادئة.
 
3- تخفف جنيفر من خطورة الوضع مع بعض التأكيدات الذاتية، مما يتيح لها رؤية الموعد الغرامي في سياق كلي، لذا لن تنهار أو تحزن تماما على التجربة إذا لم تنجح.
 
الأفعال التأكيدية
 
لا شك أن التأكيد فعال، ولكن ليس كما تعتقد فليس التبديل من استخدام الضمائر إلى الأسماء هو الطريق الوحيد لتكوين وجهة نظر حكيمة. فهناك نوع من الحديث مع النفس كان ينظر إليه منذ فترة طويلة كما  لو كان سخيفا، وهو التأكيدات الذاتية، والتصريحات إيجابية (أنت رائعة، أنت جميلة)  ذلك الحديث الذي يبدو وكأنه عبارات عن الثقة بالنفس.
 
 
 
 إلا أن الباحثين قد وجدوا أنها تؤدي الغرض ذاته؛ تملك مثل هذه التأكيدات القدرة على نزع فتيل التهديدات ومنح منظور مختلف. ووجد عالما النفس كلايتون كريتشر وديفيد دانينغ من جامعة كاليفورنيا في بيركلي أن مثل هذه المعززات للأنا يمكن أن تقوض الانتقادات، وتوفر حماية من قسوة العالم. ويمكن أن تساعدنا على مواجهة التهديدات الخارجية والمثابرة في المفاوضات وفي الوظائف الصعبة وفي مواجهة المشاكل الصحية. وهي لا تعمل عبر إغرائنا بأن نشعر أننا رائعون، بل توسع من نظرتنا لأنفسنا، وتساعد على تخفيف الضربات السيئة، وتخفيف حدة الدفاعية، كما لو كانت موسعات معرفية.
 
 
 
ولتحديد ما تقوم به هذه التأكيدات، نظر الفريق من زاوية أخرى، إلى التهديدات التي قد تواجهها التأكيدات. وافترضوا أن التهديدات تعطينا رؤية ضيقة، وتحدد تركيزنا على وجه واحد من الذات بحيث نرى فقط النصف الفارغ من الكوب.
 
 
 
في إحدى الدراسات، صمم الباحثون اختبارا يفشل فيه الطلاب، وصدرت عن بعض منهم تأكيدات مثل "أشعر بالفخر" و "أنا أشعر الآن بالثقة". وبعدما فشل الجميع في الاختبار المزيف، أبلغ من لديهم هذه التأكيدات أن لديهم شعورا أفضل تجاه ذاتهم رغم أن التأكيدات لم يكن لها علاقة بذكائهم. وقال الفريق "إن التأكيدات الذاتية توسع المنظور، وتعزز الذات من خلال التراجع عن منظور مقيد خلاف ذلك تحت التهديد".
 
 
 
ومنح الفريق في دراسة أخرى الطلاب اختبار شخصية زائفة، ثم سلموا 36 كلمة لتقييمهم، 24 منها كانت سلبية وكان لأولئك الممنوحين تأكيدات إيجابية قدرة على قضاء وقت أطول في تجاهل الآراء السلبية، وعلامة على كونهم أقل دفاعية، ووضع أولئك الذين لم يمنحوا تأكيدات قبل الاختبار نتائج الشخصية جانبا بسرعة، ولم يرغبوا في النظر إليها.
 
 
 
تعد التأكيدات الإيجابية أجهزة ضبط فعالة جدا وتساعدنا على تجنب الرؤية الضيقة التي تشجعها التهديدات، وبدعم من تأكيد أو اثنين، يمكننا أن نتجاوز التهديد بسهولة ونرى أنفسنا بوجه أكمل.
 
=============================================
 
 
 
المقال مترجم عن: (سيكولوجي توداي)
 
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات