«جيوبوليتيكال فيوتشرز»: الصراع في اليمن.. حتمية الجغرافيا وامتدادات التاريخ

مُسند للأنباء - الخليج الجديد   [ الجمعة, 05 يناير, 2018 04:23:00 مساءً ]

لقد كانت اليمن دائما مختلفة عن بقية دول شبه الجزيرة العربية. حتى أن الإغريق القدماء كانوا ينظرون إليها نظرة خاصة، في الإشارة إليها بأرض «الخصوبة العربية»، بسبب هطول الأمطار والأرض الخصبة هناك، التي توفر الاستقرار لسكانها.
 
ولكن البلد نادرا ما كانت محظوظة أو سعيدة لفترة طويلة. وتقع اليمن على تقاطع طرق التجارة الرئيسية، وكانت مطمعا للقوى البعيدة التي تسعى للوصول إلى الجزيرة العربية. بل كانت الجائزة التي طالما سعت دول شبه الجزيرة وحاولت - وكافحت دائما - للسيطرة عليها. وهي بلد متنوع، يزيد قليلا عن 200 ألف ميل مربع في المساحة، وتضم سهولا خصبة، وجبالا طويلة تصل إلى 12 ألف قدم (3700 متر)، وتتمتع بتضاريس صحراوية. وليس سكانها أقل تنوعا، حيث يسكنها موالين لعشرات الانتماءات القبلية والدينية. ومن هنا، يؤدي هذا التنوع - في كثير من الأحيان - إلى التقلب، بحيث لا يمكن لمجموعة واحدة السيطرة على البلاد لفترة طويلة.
 
ومع ذلك، فهي بلد يغفل الكثيرون عنه، وعادة ما يأتي في مرحلة لاحقة بين مكائد الجهات الفاعلة الأكثر قوة. وحتى مع اندلاع حرب أهلية داخل حدودها، فإن اليمن لا تزال تبتعد عن العناوين الرئيسية من وقت لآخر. وفي البداية، عندما خرج مواطني اليمن ضد الرئيس «علي عبد الله صالح» بالتوازي مع ثورات الربيع العربي، أثار ذلك الحرب الأهلية الحالية. وقد حصلت على بعض الانتباه حين أسقط التحالف - الذي تقوده السعودية - قنبلة على موكب زفاف هناك. وتتحول الأنظار إليها حين يطلق المتمردون الحوثيون صاروخا على سفينة عابرة أو باتجاه السعودية. وكانت اليمن هدف أول عملية لإدارة «ترامب» لمكافحة الإرهاب، والتي أسفرت عن مقتل 6 نساء و10 أطفال على الأقل.
 
وكان عدم الاستقرار - إن لم يكن إراقة الدماء - دائما جزءا لا يتجزأ من تاريخ اليمن منذ آلاف السنين. وفي هذا التحليل، سوف ندرس الجغرافيا التي تقسم هذا البلد، والتحولات المضطربة في السلطة التي شهدتها على مر القرون، وجذور الحرب الأهلية التي لا تزال مستمرة حتى اليوم.
 
الأرض
 
تقع اليمن في الطرف الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية. وإلى الغرب منها، يضيق البحر الأحمر عند مضيق باب المندب، حيث يلتقي القرن الأفريقي تقريبا مع الجزيرة العربية. ومن خلال المضيق نصل إلى خليج عدن، ثم بحر العرب، ومن ثم المحيط الهندي في نهاية المطاف. والكثير من شرق اليمن – المتاخم لسلطنة عمان - قليل السكان. ويحد الشمال - وخاصة شمال الشرق - الصحراء والمملكة العربية السعودية.
 
وتمتد اليمن إلى منطقة الحجاز، التي تمتد على طول المنطقة الساحلية الغربية للبحر الأحمر في السعودية الحديثة. وقد تمكنت القوى الإسلامية المختلفة - التي تمارس نفوذا على الساحل الغربي للجزيرة العربية - من ممارسة السلطة على اليمن أيضا، ولكن تأثيرها هناك كان ضعيفا دائما. وكانت فائدة اليمن ثانوية بالنسبة للسيطرة على الحجاز. (الخريطة: جغرافيا اليمن)
 
وتمتد جبال الحجاز على البحر الأحمر من السعودية عبر اليمن، ولكن هناك سهول ضيقة، خاصة على طول السواحل الغربية والجنوبية لليمن. وفي اليمن، تنقسم السلسلة الجبلية إلى المرتفعات الغربية والوسطى. وتتمتع المرتفعات الغربية بخصوبة نسبية، وتحصل على أمطار أكثر من المرتفعات الوسطى. وتتخلل العديد من الوديان المرتفعات.
 
وبسبب جبالها والمناطق الشاسعة من الصحراء، يصعب الوصول إلى اليمن عن طريق البر. ويمكن الوصول إليها بسهولة عن طريق البحر، ولكن بالنسبة لمعظم تاريخ اليمن، نادرا ما غامر أولئك الذين أبحروا إلى البلاد بعد ميناء عدن.
 
ولكن هذا لا يعني أن الاراضي هناك غير مأهولة بالسكان. وابتداء من القرن الثاني عشر قبل الميلاد، صعدت عدة ممالك وسقطت في أرض اليمن الحديث. وازدهرت أيضا الأديان وكانت اليهودية هي الدين الأول، ثم المسيحية، وأخيرا الإسلام. وجاءت نقطة تحول المنطقة في عام 628 م، عندما تحول حاكم اليمن - الذي كان جزءا من الإمبراطورية الساسانية الفارسية - إلى الإسلام، مما مهد الطريق لأسلمة البلاد. (الخريطة: التوزيع السكاني في اليمن)
 
العصر الإسلامي
 
كان الإسلام قوة موحدة لليمن، ولكنه أيضا لم يتمكن من التغلب على انقسامات البلاد. وقد سعت النخبة الحاكمة الفارسية - التي تحولت إلى الإسلام خلال حياة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) - إلى مساعدة خلفائه على الحفاظ على سيطرتهم على مختلف القبائل اليمنية. وخلال فترة الخلافة الراشدة (61-632)، حاولوا إنشاء نظام للسلطات المحلية، الأولويات الداخلية للخلافة حالت دون السيطرة على البلاد بأكملها.
 
وفي الوقت الذي حكم فيه الأمويون (661-749) وأسسوا أول خلافة وراثية، فقدت شبه الجزيرة العربية أهميتها الجيوسياسية. وطوال فترة حكمهم، كان مقر الأمويين في بلاد الشام، في شرق البحر الأبيض المتوسط، وكان تركيزهم على التوسع نحو شمال أفريقيا وآسيا الوسطى. وقد تُركت اليمن - إلى حد كبير - لأنظمتها الخاصة. وعندما هزم العباسيون الأمويين بالقرب من منتصف القرن الثامن، بدأت الفصائل اليمنية المحلية تؤكد سلطتها.
 
وبحلول نهاية القرن التاسع، كان العالم الإسلامي الذي يهيمن عليه السنة في تراجع. وكانت السلالات المحلية تتحدى العباسيين بشكل متزايد. وكان اليمن نموذجا مصغرا لهذه الظاهرة. وكان يجري - في هذا الوقت - رسم خطوط الصدع الموجودة اليوم، خاصة في شكل الانقسام الطائفي الجيوسياسي بين السنة والشيعة.
 
وأسس «محمد بن زياد» - الذي عينه العباسيون حاكما لليمن عام 817، الدولة الزيادية، التي حكمت أجزاء كبيرة من اليمن على مدى قرنين من الزمان. لكن كان على الزياديين أن يتعاملوا مع المنافسين في المرتفعات حول صعدة، حيث اكتسب الإسماعيليون - والأهم من ذلك - الزيديون الذين يتبعون الإسلام الشيعي أرضا. وحقق الزيديون نجاحا خاصا في إقامة نظام دائم. وعلى الصعيد الإقليمي، كانت القاعدة السنية تواجه تحديا متزايدا بسبب صعود الإسماعيليين في شكل الخلافة الفاطمية، التي اتخذت من القاهرة مقرا لها (909-1171م). (الخريطة: طوائف الشيعة)
 
ونتيجة لذلك، مع تراجع الزياديين، صعد عدد من السلالات المتنافسة (النجاهد، والصليحيين والزرايد) حكموا أجزاء مختلفة من البلاد. واستمر ذلك نحو 150 عاما. ولم يسيطر السنة على اليمن من جديد إلا مع انتصار صلاح الدين (من أصل كردي) على الصليبيين وإقامتة الدولة الأيوبية. ولم تدم الدولة الأيوبية طويلا، ولكنها خلقت توازن قوى بين السنة في المرتفعات الساحلية والجنوبية والشيعة الزيديين في المرتفعات العليا.
 
واستمر الصراع السني-الزيدي على مدى القرون الثلاثة اللاحقة. واكتسب السنة أرضا تحت حكم الدولة الرسولية التركمانية، التي خلفت الأيوبيين وحكمت اليمن في الفترة من 1229 إلى 1454، وكانت أطول دولة مسلمة وأكثرها فعالية حكمت البلاد. وتمت استعادة الحكم المحلي لفترة وجيزة في عهد الطاهريين (1454-1517)، ولكن عهدهم لم يدم طويلا. وبالإضافة إلى محاربة الزيديين، كان عليهم التعامل مع الاستعمار الأوروبي، فقد أنشأ البرتغاليون وجودا بحريا في البحر الأحمر وخليج عدن. وقد جلب هذا التطور مرة أخرى ضغوطا من مصر، التي حكمتها دولة المماليك آنذاك، حيث استولت على مناطق في اليمن كان يحكمها الطاهريون عام 1517.
 
وكان المماليك - مثل الأيوبيين - ينظرون إلى اليمن كمحطة هامة على الطريق التجاري من مصر إلى الهند. وكانت سيطرة البرتغال على جزيرة سقطرى واعتداءاتها على ميناء عدن تهديدا للمماليك. وفي العام نفسه الذي قاموا فيه بإحكام السيطرة في اليمن، واجه المماليك هجوما عثمانيا من الشمال. فبعد أن توسع العثمانيون إلى أوروبا، وضعوا أعينهم على الشرق الأوسط. وبعد تولي أمر مصر، ورث العثمانيون المماليك. وقد مهد ذلك المرحلة الأولى من الحكم العثماني في اليمن، ابتداء من عام 1538، والذي دام قرنا.
 
لكن الزيديين أعادوا تجميع صفوفهم، مستفيدين من تفتت بلادهم واستخدموا ذلك ضد العثمانيين. وقد أجبروا الأتراك على الخروج عام 1635. وتحت قيادة القاسميين، أنشأ الزيديون دولتهم في صنعاء. لكن أراضيهم امتدت من عسير (وهي محافظة تقع على الحدود اليمنية في المملكة العربية السعودية حاليا) في الشمال إلى ميناء عدن في الجنوب وإلى ظفار (الآن في عمان) في الشرق. وظل هذا الوضع قائما حتى منتصف القرن التاسع عشر، عندما قام العثمانيون بالعودة. وبحلول ذلك الوقت، كان البريطانيون قد وسعوا نفوذهم في المنطقة. ولم يكن العثمانيون أقوياء كما كانوا. وكان حكمهم قصير الأجل.
 
الحاضر وما بعده
 
كانت الإمامة الزيدية، التي يعود تاريخها إلى أواخر الثمانينيات وعززت تحت حكم القاسمية، في وضع جيد للاستفادة من انهيار الإمبراطورية العثمانية وإقامة اليمن كدولة قومية. ومع ذلك، كانت المملكة العربية السعودية آخذة في الظهور كقوة على جناحها الشمالي. وفي الوقت نفسه، احتل البريطانيون اليمن، وكانت المقاومة السنية القديمة في المناطق الساحلية والمرتفعات الجنوبية عاملا مهما. وكانت النتيجة أن النظام الزيدي - المعروف آنذاك بمملكة اليمن - كان محدودا للغاية خلال حكمه، الذي استمر حتى عام 1962 فقط.
 
في غضون ذلك، انتشرت القومية العربية في صفوف الجيش اليمني الحديث، الذي سعى ضباطه إلى تشكيل الجمهورية في اليمن. وتحت قيادة «عبد الله الصلال»، أطاح الجيش بالعاهل الزيدي الأخير، وتم إنشاء الجمهورية العربية اليمنية. وأرسلت مصر قوات لدعم الجمهوريين، في حين دعمت السعودية الملكيين. (ومن السخرية أن السعوديين دعموا الشيعة، ولكن في ذلك الوقت، كان التهديد من القومية العربية التي تقودها مصر أكبر من التهديد الذي طرحه الزيديون). وفي عام 1967، سحبت مصر قواتها، وبحلول عام 1970، اعترفت السعودية بجمهورية شمال اليمن.
 
وفي الوقت نفسه، ظل جنوب البلاد - حول عدن - تحت السيطرة البريطانية، حتى بعد إنشاء اتحاد جنوب الجزيرة العربية عام 1963. ووعد البريطانيون باستقلال البلاد في 5 أعوام، ولكن الفصائل القومية شنت تمردا ضد لندن. وتفاوض البريطانيون في نهاية المطاف على تسليم السيطرة، وفي عام 1967، تشكلت جمهورية جنوب اليمن الشعبية، بقيادة جبهة التحرير الوطنية. وبعد وقت قصير، سيطر الماركسيون على جبهة التحرير الوطنية، وبعدها بعامين، نشأ نظام شيوعي متحالف مع الاتحاد السوفييتي.
 
وظلت شمال اليمن وجمهورية اليمن الجنوبية يتعايشان سلميا - إلى حد ما - حتى نهاية الحرب الباردة، عندما وقع البلدان - عام 1990 - على اتفاق لتقاسم السلطة وتوحيد البلاد. وفي عام 1994، كانت هناك حرب أهلية قصيرة عندما حاول الجنوب الانفصال، ولكن الشمال، بقيادة «علي عبد الله صالح» - قائد الجيش السابق وأمير الحرب القبلي الذي أصبح رئيسا لليمن الشمالي عام 1978 - بدعم من الميليشيات القبلية السلفية، هزم الانفصاليين.
 
وبعد الحرب، تم توحيد اليمن رسميا. وتم اعتماد الدستور الديمقراطي الذي يسمح بالأحزاب السياسية، ولكن بقيت الانقسامات. وبدأ النفوذ السعودي يغير التوازن الطائفي بين السنة والزيدية، والأهم من ذلك، أدى إلى تعزيز السلفية - فرع محافظ جدا من الإسلام السني - والجهادية. وقد أحرز تنظيم القاعدة تقدما عميقا في البلاد، وكانت عائلة مؤسسه «أسامة بن لادن» من اليمن.
 
أما «صالح» وقبيلته، التي كانت في الأصل زيدية وبالتالي شيعية، فإنها تحولت إلى الإسلام السني. وقد حصل السلفيون على نفوذهم في حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم - وهو حزب «صالح» - وكذلك في حزب المعارضة الرئيسي (الإخوان المسلمين). كما نمت السلفية في الجنوب الذي كان ماركسيا سابقا، حيث كان تنظيم القاعدة قائما. وتسبب رد فعل الولايات المتحدة على هجمات 11 سبتمبر/أيلول - وجهود السعودية نفسها من أجل مكافحة تمرد التنظيم داخليا من عام 2003 إلى عام 2005 - في تحفيز الحركة الجهادية، مما أضاف مزيدا من التعقيد إلى الانقسام التاريخي للبلاد. وحاولت السعودية - في إطار جهودها الرامية إلى السيطرة على جارتها الجنوبية - أن تلعب مع مختلف الفصائل القبلية اليمنية وغيرها من الفصائل وتأليبها على بعضها البعض، وهو ما عزز من الانقسامات.
 
وعارض الزيديون صعود السلفية. وفي عام 2004، سرعان ما أصبحت معارضتهم حركة تمرد تقودها عشيرة تعرف باسم الحوثيين، الذين ما زالوا يكافحون حتى اليوم. وحاولت حكومة «صالح» - وفشلت - في سحق الحوثيين. وفي عام 2007، تشكلت حركة انفصالية جنوبية جديدة.
 
وكان هذا هو السياق الذي وصل فيه الربيع العربي إلى اليمن عام 2011. وقد تم إجبار «صالح» - الذي أشرف على إنشاء اليمن الحديث - على الاستقالة ونقل السلطة إلى نائبه «عبد ربه منصور هادي»، كجزء من صفقة توسطت فيها السعودية في وقت لاحق من ذلك العام.
 
ومع انتقال «صالح» - وانقسام النظام إلى العديد من الفصائل - أصبحت الحركة الحوثية - التي تُدعى أنصار الله - وبدعم من إيران، أكبر قوة سياسية في اليمن. وأجرى الحوثيون صفقة سرية مع «صالح» للاستيلاء على السلطة في أوائل عام 2015، وسيطروا على معظم البلاد. وعلى مدى الأعوام الثلاثة الماضية، تحولت الحرب الأهلية اليمنية إلى نزاع بالوكالة بين حكومة «هادي» - المعترف بها دوليا والمدعومة من السعودية - والمعارضة المدعومة من إيران بقيادة الحوثيين. وفي وقت سابق من هذا الشهر، اتخذت الحرب منعطفا غير متوقع عندما اغتال الحوثيون «صالح»، الذي انشق إلى الجانب السعودي.
 
ولقد دمرت الحرب اليمن، ومن المرجح أن تكون الحرب هي الحالة الطبيعية للأمور في المستقبل المنظور. وستأتي التسوية في نهاية المطاف، ولكن طالما ظل اليمن مقسما، فإن التسوية ستكون مجرد وقت مستقطع في القتال.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات