من الجبل للعرش.. دليلك المختصر لمعرفة رحلة الحوثيين في اليمن

رحلة الحوثيين في اليمن
مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ الثلاثاء, 05 ديسمبر, 2017 09:08:00 مساءً ]

في الفيديو الذي يوثق لحظات ما بعد مقتله، والذي تداوله رواد شبكات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، وفيما ينقل المقاتلون الحوثيون جثمان الرئيس اليمني الأسبق «علي عبد الله صالح» إلى ظهر شاحنة ستقله إلى  حيث يقرر قاتلوه، في هذا المقطع القصير تلتقط الآذان بوضوح صوت أحدهم وهو ينطق باسم «سيدي حسين»، تتعالى الأصوات بحمد الله وتكبيره، قبل أن يعلو صوت أحدهم هاتفًا بالشعار الذي تعود الحوثيون على ترديده عند كل نصر أو هزيمة :«الموت لإسرائيل». 
 
«سيدي حسين» يطلق شرارة البداية.. ويغادر
 
في محافظة صعدة شمالي اليمن، حيث النفوذ الآفل للأئمة الزيدية، وحيث لم تصل يد للدولة بالخدمات عمدًا أو عجزًا، سطع نجم «حسين بدر الدين الحوثي»، كان الرجل عالم دينٍ زيدي المذهب، وهو مذهب يوصف بالسنّي المتشيع أو الشيعي المتسنن، نظرًا لاعتباره أقرب مذاهب الشيعة إلى خط «أهل السنة والجماعة»، ويُشاع عن الحوثي قربه من الإيرانيين، إذ سافر لتلقي العلم الشرعي في مدينة قم الإيرانية.
 
 
علا مجد الحوثي خطيبًا مفوهًا يتحدث عن المظلوميات المحلية، ويدافع عن قضايا «الأمة»، وبرلمانيًا عن حزب الحق بين عامي 1993 و1997، ومع انطلاق ماراثون «الحرب على الإرهاب» بعد أحداث سبتمبر (أيلول) 2001، اتخذ الرجل موقفًا مناوئًا أثار خشية علي عبد الله صالح على سلطته من ذلك «الزعيم» الجديد الذي تتعاظم جماعته – «الشباب المؤمن» التي تسمّت لاحقًا باسم «أنصار الله» – يومًا بعد الآخر.
 
بين عامي 2004 و2009 خاض الحوثيون ست حروب ضد علي عبد الله صالح، لا تكاد تنتهي جولة منها حتى تبدأ أُخرى، بدأت الحرب الأولى في  منتصف يونيو (حزيران) عام 2004، حينما تحدثت مصادر حكومية عن مقتل جنود على يد أنصار الحوثي لتنطلق بعدها عملية عسكرية واسعة تستهدف حسين بدر الدين فوجئت القوات خلالها بمقاومة صلبة لم تكن في الحسبان، وتستمر المواجهات حتى العاشر من سبتمبر (أيلول) حين تمكنت القوات اليمنية من الوصول إلى الحوثي وقتله، قبل أن ترفض تسليم جثته إلى ذويه.
 
وخلال العام 2005، اندلعت جولتان من القتال بين الطرفين، تحت ظل بدر الدين الحوثي – والد حسين – وفي ظل صعود نجم الأخوين عبد الملك ويحيى الحوثي، قبل أن تنشب جولة رابعة من القتال في فبراير (شباط) 2007، لم تنتهِ إلا بفعل دخول الوساطة القطرية التي دخلت على خط الأزمة، لتتوّج بتوقيع اتفاق الدوحة في فبراير (شباط) 2008، برعاية الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثان.
 
لم تصمد الوساطة القطرية طويلًا، إذ استؤنفَ القتال للمرة الخامسة بعد شهر واحد فقط، وسط اتهامات متبادلة بين الطرفين بالمسؤولية عن خرق الاتفاق، قبل أن يعلن علي عبد الله صالح عن وقف إطلاق النار من جانب واحد في خطوة تعددت تفسيراتها، إذ اعتبر البعض أن السبب يعود إلى خشيته من تفاقم النزاع، ورأى آخرون أنها جاءت استجابة  لضغوط دولية وحقوقية جراء تفاقم الوضع الإنساني في جبهات القتال.
 
في عام 2009، اندلعت الحرب مرة أخرى بعد اتهام السلطة للحوثيين باختطاف أجانب، الأمر الذي نفته الجماعة، وشهدت تلك الحرب متغيرات جديدة، إذ ظهر بأس الحوثيين وسطوتهم، عبر سيطرتهم على مساحات شاسعة من صعدة، وقطع طرق إمداد الجيش، كما شهدت دخول السعودية طرفًا في الحرب إلى جانب صالح، حين اجتازت قوات الحوثيين الحدود بين البلدين.
 
وظهر في تلك الجولة الأخيرة كيف كان صالح يستغل قضية الحوثيين لتصفية حساباتٍ سياسية داخلية ليست ذات علاقة بالحرب، إذ كشفت وثائق سربها موقع «ويكيليكس» أن قوات صالح قدمت معلومات مضللة إلى الطيران السعودي، إذ طلب منهم قصف إحداثيات مقر اللواء علي محسن الأحمر، قائد المنطقة الشمالية العسكرية، وهو الخصم السياسي لصالح وقتها، إذ أبلغ ضباط صالح السعوديين بأن ذلك المقر كان قاعدة للمتمردين، بُغية قصفه، وهو ما لم يتم بسبب شك السعوديين أن هناك خطأً ما.
 
الحوثيون يتنكّرون لجميل «ثورة الشباب»
 
شكّلت «ثورة الشباب» اليمنية التي اندلعت في فبراير (شباط) 2011 فرصة ذهبية للحوثيين للخروج من زاوية «الاغتراب السياسي» التي حشرهم فيها نظام صالح على مدى سنوات طوال، إذ سارعت الجماعة إلى تأييد مطالب المتظاهرين، ودفعت بأنصارها للتظاهر في الساحات والميادين جنبًا إلى جنب مع غيرهم، كما كانت صعدة «معقل الجماعة» تعج بالاحتجاجات المطالبة برحيل العدو اللدود صالح عن سدة الحكم، وهو ما تحقق في نهاية المطاف عبر المبادرة الخليجية التي شكلت إطارًا انتقاليًا للسلطة في البلاد، مع رحيل صالح عن الرئاسة مقابل منحه حصانة من المساءلة.
 
كما استغل الحوثيون تلك الأحداث لإحكام سيطرتهم على صعدة، وعزل محافظها، ولم تخل تلك التظاهرات من مناوشات بين الحوثيين وبين أنصار التجمع الوطني للإصلاح – إخوان اليمن – فيما يؤشر على خلافات ستتطور إلى حد القتال والانقلاب، كما سنسرد لاحقًا.
 
فتحت السلطة الوليدة  في اليمن صفحة أخرى أكثر بياضًا مع الحوثيين، وفي يونيو (حزيران) 2013، أفرج أخيرًا عن رُفات حسين بدر الدين الحوثي، حيث أقيمت له جنازة مهيبة في صعدة، وارتفعت في شوارع العاصمة اليمنية لافتات كبيرة الحجم تحمل صور حسين الحوثي، مع عبارة «الشهيد القائد السيد حسين الحوثي»، فيما اعتبره البعض بداية لولوج الجماعة إلى ميدان السياسة الرحب والتخلي عن لغة السلاح.
 
ثبت خطأ ذلك «التمني» لاحقًا، ففي الوقت الذي اجتمعت فيه الأحزاب السياسية وقوى المجتمع في اليمن في «مؤتمر الحوار الوطني» والذي شهد إقرارًا بالحقوق الدينية والسياسية للحوثيين ولأهالي صعدة كما لغيرهم، في تلك الأثناء، كانت قوات الحوثيين تخوض معارك ضارية ضد «آل الأحمر» والقوات الحكومية وحزب التجمع اليمني للإصلاح – محسوب على الإخوان – في محافظة عمران، قبل أن تتمكن من كسر شوكتها ممهدة بذلك طريقها إلى العاصمة صنعاء.
 
ضمان الحرية المذهبية والفكرية وممارسة الشعائر وتحريم فرضها أو منعها بالقوة من أي جهة كانت، وأن تكون الدولة وأجهزتها محايدة، ولا تقوم بتبني أو تقديم دعم مادي أو معنوي أو تسهيلات لأي مذهب أو فكر وبما يضمنه الدستور وينظمه القانون. *أحد بنود وثيقة مؤتمر الحوار الوطني في اليمن، فيما يخص قضية صعدة والحوثيين.
تسارعت الأحداث تباعًا وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة عصفت بالبلاد وشكلت تحديًا حقيقيًا لشعبية الرئيس «عبد ربه منصور هادي» وحكومته، تقدم الحوثيون نحو العاصمة حيث أعلنوا الاعتصام حتى إقالة الحكومة، قبل أن يشرعوا في حصار ومهاجمة الوزارات ومراكز الحكم، في ظل تخاذل الكثير من الألوية المسلحة التابعة للحكومة – والموالية للرئيس السابق – عن المقاومة، وأجبرت الحكومة على الاستقالة.
 
عاش اليمن أسابيع لا يصحو فيها إلا على أنباء التمدد الحوثي إلى محافظة تلو محافظة، حتى حاصروا الرئيس هادي في قصر الرئاسة، قبل أن يتمكن الأخير من الفرار إلى السعودية. شن الحوثيون حملات ضارية على رموز حزب الإصلاح، طالت الأنفس والأموال والمؤسسات، رغم التقارب السابق بين الجماعتين في مواجهة العدو المشترك «صالح»، ورغم المحاولات الدؤوبة لنزع فتيل الصراع بين الطرفين، والتي آلت إلى الفشل في نهاية المطاف.
 
الأفاعي ملّت من الراقصين على رؤوسها 
 
في سياق الإجابة على السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يُمكن لجماعة لا يتجاوز عددهم الآلاف، كانوا قبل سنوات قلة مشردين في بقاع الأرض، غرباء على السياسة، أن يصيروا بين يوم وليلة المتحكم الفعلي في مقاليد اليمن، ويصمدوا لسنوات في وجه «عاصفة حزم» سعودية دون أدنى بادرة للتراخي أو الاستسلام، في سبيل الإجابة على سؤال كهذا لا نجد أمامنا أكثر من التفسير القديم قدم الحروب ذاتها: الخيانة.
 
أبرز تلك الخيانات كانت في معركة صنعاء، ومن رأس المؤسسة العسكرية ذاتها، إذ زار وزير الدفاع كتائب عسكرية طالبًا منها عدم مقاومة الحوثيين بذريعة وجود لجنة للوساطة، كما تحدثت مصادر أمنية عن اجتماع قيادات عسكرية وأمنية في سفارة دولة عربية، وفي فندق مجاور للسفارة الإيرانية للتنسيق لسقوط صنعاء بيد الحوثيين، والأدهى من ذلك أن مقر الفرقة الأولى مدرع – قلب الدفاع الصلب ضد الحوثيين – لم يكن من جهة المهاجمين الحوثيين فقط، بل تم رصده كذلك من مقرات تابعة لوزارة الدفاع ومن الحرس الجمهوري الذي يدين ضباطه بالولاء لنجل الرئيس السابق «أحمد علي عبد الله صالح».
 
شيئًا فشيئًا خرج المستور إلى العلن، ولم يعد بالحوثيين أو صالح رغبة في إخفاء التحالف. الأعداء القدامى يتحالفون في وجه العدو المشترك الجديد، عبد ربه منصور هادي وسلطته المدعومة من حزب الإصلاح، الحوثي يتقدم إلى الواجهة، فيما صالح يشد أزره بشبكة ولاءاته التي بناها داخل القوات النظامية عبر ثلاثة عقود، لا سيما الحرس الجمهوري الذي صار أقرب إلى إرث خاص لصالح وعائلته.
 
لكن ذلك التحالف كان يحمل بذور فنائه منذ اليوم الأول، ليس فقط لأن تاريخ العداء بين الطرفين يلقي بظلاله على الحاضر، بل لأن «المركب لا تتحمل رئيسين معًا وإلا فستغرق» كما يقول المثل الشهير، لم يكن أي من الرجلين (الحوثي وصالح) مستعدًا للتخلي عن أحلام السيطرة، مضى الحوثيون يفككون شبكات الولاء داخل مؤسسات الدولة التي سيطروا عليها، ويزرعون رجالهم في كل المفاصل الهامة في البلاد، وكان ذلك على حساب نفوذ صالح وحزبه بطبيعة الحال، أما صالح فلم تكن تكف الأنباء التي تتحدث عن لقاءات أو اتصالات سرية معه أو مع ابنه المقيم في الإمارات بهدف جره بعيدًا عن تحالف الضرورة.
 
ويبدو أن صالح بدأ يدرك كونه خيارًا نموذجيًا للقوى التي وصفها في غير مرة بقوى العدوان – السعودية والإمارات – فلا هو إسلامي إخواني فيثير في قلوب حكام الرياض وأبوظبي ريبة ما، ولا هو محسوب على الإيرانيين بشكل لا يُمكن الفكاك منه، صار الإعلان عن نهاية هذا التحالف مسألة وقت يعرفه الجميع ويترقبون نتائجه، بل شهدت صنعاء قبل شهور ما يشبه «بروفة» لهذا الانفصال، إذ شهدت تصعيدًا لفظيًا وتهديدات واشتباكات محدودة قبل أن يتم تهدئة الأمور سريعًا، ومؤقتًا.
 
ويبدو أن صالح قد ملّ انتظار اللحظة المناسبة التي لا يتأكد مجيئها، أو أن هناك من أغراه بقطف الثمار اليوم قبل غدًا، فأعلن في مطلع ديسمبر (تشرين الأول) الجاري فك ارتباطه بالحوثيين، وفيما كان رجاله يفتحون على الحوثيين نيران مدافعهم للسيطرة على صنعاء، أطلق هو نيران كلماته عليهم، وكال لهم الاتهام تلو الاتهام، مطالبًا دول التحالف العربي بوقف الحرب ومتعهدًا بفتح صفحة جديدة مع جوار اليمن.
 
لكن الأقدار لم تُمهل الرجل كثيرًا ليختبر مفعول كلماته، إذ يبدو أن الحوثيين كانوا قد ملوا من «صداع» التحالف معه، فقرروا طي صفحته إلى غير رجعة، فقتلوه على طريقة القذافي، لم تتبين حيثيات الاغتيال وسياقاته حتى لحظة كتابة هذه السطور، لكن المقاطع المصورة المنتشرة لفيديو الاغتيال، ومصادرة الجثة، لا تترك الباب مفتوحًا أمام كثير من الاحتمالات، كان بإمكان الحوثيين اعتقال صالح، لكنهم آثروا قتله، تمامًا كما آثر هو قتل حسين الحوثي من قبل ومنع جثته عن ذويه.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات