تعرف على نماذج ملهمة لمشروعات عربية ناجحة

مُسند للأنباء - ميدان   [ الإثنين, 04 ديسمبر, 2017 06:41:00 مساءً ]

 
في عالم ريادة الأعمال وتأسيس الشركات الناشئة الأمـر بكـل تفاصيله أشبه بعملية الولادة. عمليـة الولادة التي ينتج عنها طفل سليم تقوم على ثلاثة محاور لا غير: أم سليمة الجسد، عمليـة توليد يُجـريها طبيب ماهر، مستشفى مزوّدة بأجهزة لحمايـة الطفل الوليد ورعايته في أيامه الأولى حتى تستقر حالته ويمكنه الخروج إلى الحيـاة الطبيعية.
 
بالمقارنة، عمليـة ولادة مشـروع ريادي ناجح تستلزم أن تكـون "الأم" ذاتها التي تحمل المولود سليمة الجسد، وهي الفكـرة. وتستلزم وجود عملية توليد صحيحة للفكـرة وتحويلها إلى واقع بواسطة رائد أعمال على قدر من المهارة والمثابرة. وتستلزم -وربما هذا المعيـار الأهم- مستشفى مزوّدة بأجهزة لحماية الطفل في أيامه الأولى، وهي البيئات الحاضنة لريادة الأعمال التي من المفتـرض أن تتوافر في كل دولة، والتي تحدد بقاء هذه المشـروعات على قيد الحيـاة، أو هلاكها بنقص الأوكسجين أو وهن المولود وعدم تحمّله لتحديات الحياة القاسية.
 
في كل نظـرة فاحصة تُلقيها على خريطة ريادة الأعمال في أي منطقة من العالم ركّـز على المحاور الثلاثة، الأفكـار الريادية السليمة التي تقدم قيمة للسوق، ومستوى مهارة ومثابرة روّاد الأعمال في توليدها، وكفاءة بيئات الأعمال الحاضنـة لهذه المشـروعات بكل الطرق والوسائل. حينئذ، أنت لديك نظـرة بانورامية كافية جدا للحكم على حالة ريادة الأعمال في منطقة ما، والمقارنة بينها وبين مناطق أخرى.
 
في هذا التقـرير نسلّط الضوء على هذه المحـاور الثـلاثة في مناطق متفرّقة من عالم ريادة الأعمال العربي. قوة الأفكـار وقدرتها على تقديم إضافة إلى السوق، مهـارة الريادي ومدى خبرته في استيلاد هذه الأفكـار وتحويلها إلى بذرة مشـروع ناشئ، وبيئـات ريادة الأعمال التي تلتقط المولود وتقدم له الحضـانة الكـافية لكي يمرّ من مراحل البداية الصعبة والقدرة على التصدي لتحديات السوق.
 
كاريدج.. كيف تحوّل الكابوس إلى فرصة؟
 
"يومها سألته عن السيارات والسائقين الذىن سيتولّون توصيل الطلبات، فأجابني -وأنا أذكـر الجملة تماما-: إنه كابوس لوجستيات (It's a logistic nightmare). وقتئذ لاحظت أن هناك فرصة ممتازة من الممكن أن أستغلها في هذه الناحية، سأقوم بتوفيـر نفس الخدمة وأزيد فوقها اللوجستيات التي تدعمها" - عبد الله المطوّع
 
بعد عودته من رحلته الدراسية في أميركا حاملا معه شهادة في الهندسة إلى موطنه الكويت، كان الشاب عبد الله المطوّع يحمل أيضا رغبة في بدء مشروع ريادي خاص بعيـدا عن المسار الوظيفي الذي يضطـر فيه أن يعمـل من أجل الآخرين. في البداية كانت الفكـرة الريادية تأسيس لمطعم مميز في الكويت، وكان من ضمـن الأمور التأسيسية للمطعم هو التواصل مع شركات التوصيل (الديلفري) التي سوف تتكفل بتوصيل طلبـات المطعم الجديد إلى العمـلاء.
 
لاحظ رائد الأعمال الكويتي وجود مشكلة كبيرة في آليات توصيل الطلبات في الكويت بسبب الازدحام المروري الكبير الذي تشهده البلاد، حتى إن شركات التوصيل أعلنت أنها توفر السيارات ولكنها لا توفر لوجستيات حفظ الطعام. كانت هذه "المشكلة" هي الثغـرة التي وجدها مناسبة لبدء مشـروع ريادي مميز، حيث يستهدف هذا المشروع توفير مركبات توصيـل الطلبات بسرعة وكفاءة، ومزوّدة أيضا بلوجستيات حفظ الطعـام إلى جانب خدمة عملاء نشيطة.
 
 
في (مايو/أيار) من عام 2016 أطلق عبد الله المطوّع برفقة ثلاثة شركاء آخرين تطبيـق "كاريدج" (Carriage) بتمويل تأسيسي بقيمة مليون و300 ألف دولار أميـركي. عمـل التطبيق كحلقة وصل بين طالبي الطعام من ناحية، والمطاعم التي لا توفر خدمة توصيل الطلبات الخارجية من ناحية أخرى. يوفـر التطبيق عددا كبيرا من المطـاعم المشتـركة في هذه الخدمة، ويتيح للمستخدم تتبع سير طلبــه حتى استلامه.
 
في البداية بدأ التطبيق بقائمة تضم 35 مطعما و45 سائقا، ليرتفع عدد المطاعم المشتركة فيه فقط بعد مرور 9 أشهر من إطلاق التطبيق إلى 200 مطعم و500 سائق، ولتغطي الخدمة جميع المناطق في دولة الكويت. وبعد عام واحد من إطلاق الشركة استطاعت "كاريدج" تحقيق نجاح نسبته 200% على الاستثمـار التأسيسي، وتكوين فريق عمل مكوّن من 80 موظفا في مجالات مختلفة تعمل جميعها في إنجاح توصيل الطلبات في معدلات زمنية قياسية بأعلى كفاءة ممكنة.
 
في بدايات عام 2017 استطـاعت "كاريدج" أن تؤسس لأولى خطواتها في التوسع الإقليمي حيث انطلقت في كل من البحـرين وقطر، وتستهدف حاليا إجراء خطط توسّعية لتشمل بقية دول الخليج، فضـلا عن جذب المزيد من المطاعم المشتركة في التطبيق وزيادة أعداد مستخدمي التطبيـق في الدول الثـلاثة، وأيضا مضاعفة عدد السائقين وتحسين الخدمات. (1)
 
طماطم.. الألعاب بلغة الضـاد

 
"التردد هو العدو الأول للإنسان عموما، ولرائد الأعمال خصوصا. إذا كان لديك الهدف والطموح والفكـرة فلا يمكنك أن تنتظر إلى الأبد، لأن هناك من هو أكثر شجاعة منك سيأخذ الفكـرة وسوف ينفّذها" - حسام حمو، مؤسس شركة طمـاطم
 
 
بعد تخرجه من كلية علوم الحاسب الآلي في عام 2005 التحق حسام حمو بوظيفة في شركة ناشئة صغيـرة ساعدته للغاية على فهم منهجيات عمل الشركات الناشئة الصغيرة، وكيفية بناء دورة المشروع المتكامل. لاحقا، بدأ حسام شركته الأولى باسم "ويزارد برودكشنز" (Wizard Productions) التي كانت متخصصة في صناعة الألعاب للمتصفحات، لكن الإخفاق كان في انتظـاره  -على الرغم من تحمسه للفكـرة-، فاضطر إلى إغلاقها في عام 2012. لكن فكـرة الألعاب نفسها لم يصرفها عن عقله، خصوصا مع تزايد الاعتماد على الهواتف الذكية في تلك الفتـرة.
 
في عام 2013، وبعد عام واحد من إغلاق شركته الأولى، أطلق الشاب الأردني شركة "طمـاطم" كمشروع ريادي يستهدف نشر الألعاب العربية على متاجر الهواتف الذكية. لم يكن الطريق ممهدا، حيث رفض العديد من المستثمرين تمويل مشروعه، حتى استطـاع الحصـول على التمويل من برنامج تسريع الأعمال "Startups 500" بوادي السيليكون بقيمة 450 ألف دولار. في نفس هذا العام أطلقت "طمـاطم" لعبتها العربية الأولى باسم "ستار كويز" (Star Quiz)، وحازت على أكثر من 650 ألف عملية تحميل خلال شهـر واحد، ما جعلها ضربة بداية موفّقة للغاية للشركة الناشئة.
 
بقدوم عام 2014 استطـاعت الشركة أن تحجز لنفسها مكانا كشركة عربية ناشئة مميزة في تصميم وتطوير ألعاب الفيديو على الهواتف الذكية، نجحت على إثرها في الحصـول على جائزة "أفضـل لعبة في العام" (Best Game Of The Year) لعام 2014 من شركة أبل، وهو الذي أهّلها للحصـول على حصة تمويلية جديدة بقيمة 400 ألف دولار من مجموعة مستثمرين حول العالم ما بين عام 2014-2015.
 
  
في عام 2016، ومع استمرار نمو الألعاب التي تقدمها الشركة، حصلت على تمويل جديد بقيمة 700 ألف دولار. وخلال النصف الأول من عام 2017 استطـاعت الشركة أن تحقق عدد عمليات تحميل تجاوز أربعين مليونا، وبدأت خطـة توسّع إقليمية حيث تأسس فرع جديد لها في القـاهرة ووصل إجمالي عدد موظفيها إلى 26 موظفا. وتسعى الشركة خلال هذا العام لاقتناص جولة تمويلية جديدة بقيمة تتراوح ما بين مليون ومليوني دولار.
 
الشركة تسعى من خلال التعاون مع عدد كبير من المطورين حول العالم في استقطـاب الراغبين في مجال تطوير الألعاب الرقمية العربية وبناء شراكات لتسويق ألعابهم في هذا السوق الضخم الذي وصل عدد مستخدمي الهواتف الذكية فيه إلى أكثر من 100 مليون مستخدم، وهو رقم ضخم كان السبب الأساسي لدخول حسام حمو في هذا المجال لتأسيس شركته في تصميم وإنتاج الألعاب للهواتف باللغة العربية.
 
رحـلات.. من الممكن النجاح في سوق عالي التنافسيـة
 
صحيح أن سوق خدمات البحث والحجز لتذاكر الطيران والإقامة في الفنادق أصبح مؤخرا من أكثر الأسواق العالمية والإقليمية ازدحاما وصراعا، ويضم عددا كبيرا من الشركات الكبيرة والناشئة التي تُقاتل لانتزاع قطعة أكبر من هذه الكعكة، خصوصا في منطقة الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تُعدّ من أكثر مناطق العالم جذبا للزائرين، سواء كوافدين أو سيّـاح أو عمّال. لكن هذا الازدحام يخلق فرصة للمنافسة، والمنافسة أول طريق الإبداع.
 
رائد الأعمال الكويتي بدر البدر تخرّج في جامعة ميتشغان الأميـركية في عام 2005، عمل عدة سنوات في مجال التحرير المالي والتجارة الإلكترونية، ثم تقدّم للماجستير في جامعة ييل الأميـركية لدراسة علوم الإدارة. قفزت الفكـرة إلى رأسه عندما لاحظ ارتباك والده في تحديد مواعيد الرحلات الجوية بغرض الذهاب إلى دبي، الأمر الذي جعله يتساءل لماذا لا يُطلق شـركة جديدة توفّـر حلولا متكاملة لإجراءات السفر وحجز الطيران والفنـادق توفر على العميـل الكثير من الوقت في التفكير والمفاضلة بين الرحلات.
 
في عام 2013 انطلقت شركة "رحـلات" كمنصة إلكترونية وتطبيق متخصص في حجز تذاكر الطيران والفنادق بواسطة بدر البدر وأفراد من عائلته برفقـة شريكه بدر الرودهان، وكانت الشركة تستهدف توفير حلول متكاملة في البحث والحجز لتذاكر الطيران والسياحة عبر لغـات مختلفة، وبتوفير طرق دفع آمنة وسهلة.
 
منذ بدء تأسيسها استطاعت "رحلات" -على الرغم من المنافسة الشرسة في هذا المجال، إلى جانب الصعوبات الفنية والتقنية التي يفرضها هذا النوع من المنصات الإلكترونية- استطـاعت الشركة أن تنافس الشركات الكبيرة من خلال التعاقد مع عدد كبير من شركات الطيران، وتوفير فريق عمل مدرّب بالكامل يعمل في مكتبها بالهند لإدارة العمليـات وخدمة العمـلاء، فضـلا عن تعيين فريق من التقنيين والمبرمجين لضمان تحديث المنصة بشكل مستمر، ليصـل إجمالي فريق العمل في الشركة إلى 100 موظف تقريبا.
 
بعد عام واحد من الافتتاح استطـاعت "رحلات" في عام 2014 إطلاق حملة توسع خارج الكويت، حيث أسّست مجموعة من المكاتب في مصر والسعـودية والإمارات إلى جانب مكتبها في الهند. وبقدوم عام 2016 كان عدد زوّار المنصـة قد تجاوز ثمـانية ملايين زائر، ليرتفع هذا العدد في عام 2017 إلى مليون ونصف مليون زائر شهريا للمنصة، وهو ما جعل "رحلات" تعتبر واحدة من أسرع منصات حجوزات السفر نموا في الشرق الأوسط.
 
الشركة تعتبر "رحلة" متكاملة في استغلال الفكـرة، واستهداف التنفيـذ المميز لها بتوفير أفضل فرق العمل، مرورا بالنجاح القائم على دعم مالي كبير شخصي وعائلي، وليس انتهاء بخطط التوسع السريعة المتزامنة مع تحديثات لها نفس السرعة في توفير وسائل دفع آمنة ووسائل تقنية حديثة وخدمة عمـلاء مدرّبة.
 
كيوبيك.. احتضـان الفكـرة وتحويلها إلى واقع
 
مع الثورة العالمية في ريادة الأعمال، وتحوّل المشروعات الناشئة الصغيـرة إلى شركات عملاقة تعتبر هي المحرك الأساسي للاقتصاديات العالمية حاليا، بدأت دولة قطـر في تسليط الاهتمام على دعم حركة ريادة الأعمال في عدة محاور أبرزها تأسيس "كيـوبيك"، وهي حاضنة شاملة لقطاع ريادة الأعمال في قطـر بإمكـانيات كبـرى وبأحلام واسعة تستهدف تحويل الأفكـار الريادية إلى شركات واعدة.
 
تأسست حاضنة "كيوبيك" في (مارس/آذار) من عام 2014 بواسطة تعاون مشترك بين بنك قطر للتنمية ودار الإنمـاء الاجتماعي، وتقدم مجموعة من برامج التمويل الذكيـة لعدد كبير من المشروعات الريادية يقدمها المواطنون أو المقيمون -بوجود شريك قطـري- تبدأ من 100 ألف ريال قطري كتمويل تأسيسي، وتصل إلى 300 ألف ريال قطـري لدعم رأس مال الشركات الناشئة. وتشمل مدة الاحتضـان في "كيـوبيك" عامين اثنين، يخرج بعدها المشروع الريادي إلى بيئة الأعمال الواسعـة.
 
الحاضـنة لا تقدم فقط التمويل للشركات الناشئة، وإنما توفر أيضا تدريبات تأهيلية متقدمة لأصحاب الأفكار الريادية تمكّنهم من بدء مشـروعاتهم الخاصة وإدارتها بشكل كامل خلال 10 أسابيع فقط، من خلال تدريبات وورش عمل متخصصة على أيدي خبراء محترفين. بمعنى آخر الحاضنـة تقدم الدعم المادي والاستشـاري والتمويلي والتدريبي، وأيضا ترفع عبء المخاطر التي قد يتعرض لها رائد الأعمال، بحيث لو تعرض المشروع للفشـل فإنه يظل فشلا ضمن بيئة آمنة لا يتحمّل هو خسـائرها، وبالتالي يكون هناك فرصة أخرى للنهوض بفكـرة جديدة ومشروع جديد يُكتب له النجاح لاحقا.
 
الحاضنة تفتح أبوابها لروّاد الأعمال عبر منصتها الإلكترونية، حيث تقوم بتلقي طلبـاتهم ودراستها، يعقب ذلك إجراء مقابلة شخصية مع لجنة متخصصة لمناقشة الأفكار مع رائد الأعمال المتقدم، إذا حصل المشروع على المواقفة واعتماد اللجنة يوقّع رائد الأعمال على اتفاقية الاحتضان ويبدأ في الانخراط في برامج الحاضنة التمويلية والتأهيلية.
 
كما تساعد "كيوبيك" أيضا عبر برنامج "الضمين" في تسهيـل الحصول على قروض من بنك قطر للتنمية قد تصل قيمتها إلى أربعة ملايين ريال قطري لتمويل ودعم المشروعات الريادية المميزة، وهي كلها أدوات ساعدت في نجـاح احتضـان 61 شركة ريادية في مجالات مختلفة خلال عامين فقط. المجالات تشمل التطبيقات الهاتفية والمواقع الإلكترونية والمطاعم وخدمات التوصيل والأزياء والعطور وغيرها من المشروعات الناشئة.
 
حتى الآن استطاعت "كيوبيك" تأسيس واحتضان مشروعات بقيمة مليوني ريال قطري، عادت بعوائد قيمتها 5.6 مليون ريال قطري. وتستهدف الحاضنـة تخريج 150 شركة قطـرية جديدة خلال السنوات الثلاثة المقبلة، فضلا عن إحيـاء مشروعات ريادية قطـرية تصل قيمتها السوقية إلى 100 مليون ريال قطري. (4)
 
 
 
أم وطبيب ومشفى هي كل ما تحتاجه عملية الولادة الناجحة، سواء كانت هذه الولادة بمعناها الحقيقي الذي يسري على الجميع، أو بمعنـاها الرمزي الذي يسري على عالم ريادة الأعمال. إذا توافرت هذه العناصر الثلاثة كُتِبت الحيـاة للمولود بأقل قدر من المعـاناة، وإذا غاب أحد هذه العنـاصر فإمـا ولادة متعسّـرة وإما طفل مريض، أو على الأقل في حالة خطـرة، أو ربما -وهذا هو الاحتمال الأسوأ- تتحوّل الولادة إلى إجهاض.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات