"عناكب موسكو التقنية".. هل تلاعبت روسيا بالانتخابات الأميركية؟

بوتن وترامب
مُسند للأنباء - ميدان   [ الأحد, 03 ديسمبر, 2017 06:32:00 مساءً ]

 
لم يعد خفيًّا على أحد الدور الذي تلعبه روسيا على مستوى العالم بعدما فرضت نفسها كقوّة سياسية قادرة على كبح جماح الولايات المتحدة الأميركية التي لطالما فرضت نفسها كقطب أوحد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وبالحديث عن روسيا والولايات المتحدة الأميركية فإن الانتخابات في بلاد العم سام كانت خير مثال على قوّة الدب الروسي الذي ساهمت تحرّكاته في قلب النتيجة لصالح ترمب، الأمر الذي سلّطت الضوء عليه وسائل الإعلام بعد انتهاء الانتخابات قبل أن يخرج المسؤولون عن مواقع التواصل الاجتماعية لتأكيد هذا الأمر بأنفسهم.
 
روسيا وعناكب غوغل
أدركت دول الاتحاد السوفييتي أن الريادة على مستوى العالم لن تكون بقوّة السلاح فقط، فهناك مجالات أُخرى تلقى رواجا كل فترة يجب الخوض بها للتفوّق على أميركا. وفي خمسينيات القرن الماضي كان الفضاء هو الشغل الشاغل للعالم، ليوجّه الاتحاد تركيزه بالكامل نحو هذا المجال، الأمر الذي سمح له بالتفوّق على أميركا في إرسال المركبات وروّاد الفضاء، وهو  ما سبّب بعض الإحراج للأميركيين.
 
ومع مرور الوقت تبدلّت تلك الصيحات، وأصبحت الشبكة العنكبوتية هي السلاح الأخطر الذي يُمكن اللجوء إليه للقضاء على شعوب وأُمم دون إطلاق رصاصة واحدة، وهو السلاح الذي فضّلته روسيا التي بدأت جهودها على الشبكة منذ 2015 تقريبا حسبما أكّد القائمون على الشبكات الاجتماعية، شبكات الإعلان، بالإضافة إلى مُحرّك بحث غوغل بطبيعة الحال(1).
 
بعد صدور الكثير من التقارير حول وجود تدخّل روسي في الانتخابات الأميركية، وجدت تلك المنصّات التقنية نفسها أمام مسؤولية عامّة تقتضي عليها البحث في السجّلات والتحقيق في الإعلانات والروابط لمعرفة حجم تأثيرها على الرأي العام الأميركي. وفي جلسات أمام المحكمة أكّدت غوغل أنها عثرت على حسابين مُرتبطين بوكالة أبحاث الإنترنت الروسية قاما بصرف ما يصل إلى 4700 دولار أميركي لنشر إعلانات على مُحرّك البحث. لكن وبحسب السجّلات فإن تلك الإعلانات لم تستهدف فئة مُعيّنة دونا عن أُخرى، حيث لم تجد الشركة أدلّة تُشير إلى هذا الأمر.
 
أما يوتيوب، المنصّة التي تمنع بالأساس المحتوى الذي يدعو إلى الكراهية أو يُحرّض ضد فئة أو جماعة، فلم تسلم من تلك الهجمات أيضا، فالتحقيقات كشفت عن وجود 18 قناة قامت بنشر محتوى باللغة الإنكليزية ذي طابع سياسي، واجتماعي في بعض الأحيان كنشر مقاطع فيديو تتعلّق بالسياحة. وبالمُجمل فإن 1108 فيديو رُفع إلى المنصّة بمدّة تساوي 43 ساعة تقريبا، وتلك مقاطع شاهدها أكثر من 309 آلاف شخص في أميركا منذ (يونيو/حزيران) 2015 حتى (نوفمبر/تشرين الثاني) 2016.
 
وأشارت الشركة إلى أن مُعدّل المُشاهدات لم يتجاوز 5000 في 3٪ من تلك المقاطع التي لم تكن أيضا موجّهة ضد الأميركيين بشكل علني، بل كانت موجودة على المنصّة فقط دون تحديد الفئة. عموما، وفي خدمات غوغل، تم استهداف مُحرّك البحث، والإعلانات في بريد "جي ميل" (Gmail) بشكل رئيس إلى جانب تلك الموجودة في يوتيوب، صحيح أنها أرقام بسيطة نوعا ما، لكنها تُظهر أمرا مهما جدا، وهو الشروع في تلك الهجمات منذ فترة طويلة بعد تخطيط واستهداف جاء على مهل.
 
إنستغرام
إذا لم تكن أرقام غوغل وخدماتها المُختلفة مُقنعة فإن أرقام فيسبوك تثبت بأكثر من دليل تورّط جهات روسيّة، أيا كان داعمها، في هجمات بدأت منذ فترة طويلة هدفها التأثير على الرأي العام الأميركي وإثارة الخلافات بين أفراد المُجتمع عبر استغلال بعض النعرات وتكبيرها كذلك. ومثلما تقدّمت غوغل للمحكمة، جلس المسؤولون القانونيون في فيسبوك على نفس المقعد وبدأوا بتقديم الأدلّة الواحد تلو الآخر لتبرئة الذمّة أمام الرأي العام.
 
المُحلّلون لم ينتظروا أبدا أرقام فيسبوك الرسمية، بل قاموا، ومنذ خروج تأكيدات حول الدور الروسي في الانتخابات الروسية، بأبحاثهم باستخدام الطرق التقليدية وأدوات تحليل أداء المشاركات على الشبكات الاجتماعية التي تعتمد عليها فيسبوك في بعض الأحيان كذلك. بحسب أحد الباحثين في جماعة كولومبيا(2) فإن تأثير المشاركات المُستهدفة في إنستغرام لها تأثير مُماثل لذلك الموجود في فيسبوك، الأمر الذي يعني وجود منصّات أُخرى غير فيسبوك وجدت الوكالة الروسية ضالتها فيها.
 
محتوى المشاركات على إنستغرام جاء متنوّعا، فالصور كانت تهدف بشكل أساسي إلى إثارة الفتن بين الجماعات العرقية والدينية من خلال استخدام صور فيها رموز وكتابات تحثّ على هذا الأمر. كما استُخدمت وسوم لتسهيل الوصول إلى تلك المشاركات، بحيث يتم الاعتماد على إعادة المشاركات عوضا عن الدفع لظهورها، وبهذا الشكل يبدو كل شيء طبيعيا. وبحسب أرقام فيسبوك الرسمية فإن ما يصل إلى ثلاثة آلاف مُشاركة مدفوعة نُشرت في إنستغرام شوهدت من قبل 11.4 مليون مُستخدم تقريبا. لكنّ الباحثين في جامعة كولومبيا أكّدوا أن تلك الأرقام لا تعكس الحقيقة، فبعد دراسة 200 مشاركة فقط تبيّن وصول عدد التفاعلات معها إلى أكثر من 2.5 مليون ما بين إعجاب وإعادة نشر وتعليق، الأمر الذي يعني أن 3000 مشاركة ستحصد دون أدنى شك أرقام أكبر، خصوصا بالنظر إلى أسماء الحسابات التي استخدمت الدين، أو لون البشرة، أو الجنس، للترويج لمحتواها ولإثبات أنها من أنصار قضيّة ما.
 
المُفارقة كانت أن المشاركات استمرّت في الظهور حتى بعد انتهاء الانتخابات، وذلك بسبب إعادة النشر، وهذا يُثبت أنها لمست قضايا يُفكّر المُجتمع الأميركي فيها. أما الفترة التي سبقت الانتخابات فتأثير المشاركات فيها على مُستخدمي إنستغرام بحسب الأرقام الرسمية لم يتجاوز 4 ملايين مُشاهدة. لكن، ومن جديد، كان للباحثين رأي آخر بعد تحليل الحسابات منذ بداية (يناير/كانون الثاني) 2016 حتى (سبتمبر/أيلول) 2016، فالأرقام أكّدت أن المشاركات حصدت 600 ألف تفاعل خلال تلك الفترة من 28 حسابا فقط، في وقت عُثر فيه على 170 حسابا قام بالترويج لمثل هذا المحتوى.
 
البلاء الأكبر.. فيسبوك
كانت شبكة فيسبوك الفتيل الذي أشعل كل شيء بعدما رُصدت مشاركات، وإعلانات، وحسابات أُنشئت خصّيصا لهذا الغرض، غرض تضليل الرأي العام وإمالة الكفّة نحو مرشّح دون الآخر. في بادئ الأمر كان النشاط يقتصر على نشر تصريحات أو أخبار كاذبة على لسان أحد المُرشّحين، لكن نتائج وأرقام فيسبوك أثبتت أن الأمر أخطر من ذلك، وأن تلك الحملات ظهرت على الأقل لأكثر من 50٪ من الشعب الأميركي، وهنا الحديث فقط عن المحتوى والحسابات التي عُثر عليها، وبكل تأكيد للحكاية تتمّة(4).
 
في (مايو/أيار) 2016 تمكّنت حسابات وهمية على فيسبوك من التأثير على الرأي العام الأميركي في مدينة هيوستن تحديدا، بعدما نظّم أحد الحسابات وقفة احتجاجية على تقبّل المُسلمين في ولاية "تكساس" وعلى منحهم الكثير من الحرّيات، حيث نزل ما يصل إلى 100 شخص على الأقل استجابة لدعوة بدأت على فيسبوك عبر حساب تملكه وكالة أبحاث الإنترنت الروسية(5). وفي ذات الوقت نظّم حساب آخر تابع لنفس الجهة وبنفس الأسلوب وقفة احتجاجية في مكان آخر لدعم المُسلمين وتقبّلهم في المُجتمع الأميركي، وهذا أعطى صورة واضحة للوكالة حول ذكاء الأسلوب، ونجاح التغلغل إلى داخل المُجتمع الأميركي عن بُعد ودون قيود.

 
"مارك زوكربيرغ"، والذي سبق له نفي استغلال شبكة فيسبوك لنشر الأخبار الكاذبة خلال فترة الانتخابات، أكّد في جلسة الاستماع العثور على أكثر من 470 صفحة في فيسبوك تعود إلى جهات روسية مُختلفة تم إنشاؤها في الفترة ما بين (يناير/كانون الثاني) 2015 و(أغسطس/آب) 2017، وتلك صفحات أرسلت ما يتجاوز حاجز الـ 800 ألف مُشاركة خلال تلك الفترة. وبحسب أرقام الشبكة فإن أكثر من 100 ألف دولار أميركي دُفعت للترويج للمشاركات على الشبكة الاجتماعية الأكبر على مستوى العالم، والتي تجاوز عدد مُستخدميها حاجز ملياري مُستخدم(6).
 
ولم تسلم تويتر هي الأُخرى من تلك الهجمات، فإلى جانب مُساهمة تغريدات الرئيس الأميركي "دونالد ترمب" في زيادة شعبية الشبكة، عُثر فيها على أكثر من 2750 حسابا وهميا يعود إلى جهات روسية، مع وجود أكثر من 36 ألف برمجية آلية "بوت" (Bot) قامت بنشر أكثر من 1.4 مليون تغريدة وهذا خلال فترة الانتخابات فقط(7). 
 
كُلّما انقضى وقت أكبر على انتهاء الانتخابات الأميركية اتّضحت تفاصيل جديدة وتدخّلات أعمق في الشأن الأميركي، وهذا ليس بالأمر الذي يعني الجميع بطبيعة الحال. لكن سهولة التأثير والتغلغل إلى عناصر وأطياف المُجتمع للتلاعب بالرأي العام وإثارة الفتن هو الأمر الذي يجب ألّا يمر مرور الكرام دون التأكد باستمرار من الجهات التي تقف خلف أي حملة تجري على الشبكات الاجتماعية، ولعل نظرية المؤامرة تطل برأسها من النافذة لتلقي التحية!



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات