بعضها تتعرض للنهب والإهمال وبعضها آيلة للسقوط والانتهاء والاندثار

بعد 54 من الثورة.. ما بقي من بريطانيا في عدن (استطلاع ميداني)

مدينة عدن
مُسند للأنباء - عمار زعبل- خاص   [ السبت, 14 أكتوبر, 2017 10:19:00 مساءً ]

عشرات الكتب لا تكفيك, وقد لا تجدها وأنت تحاول البحث عمّا تبقى من الرابع عشر من أكتوبر في مدينة الكفاح عدن, تقودك قدماك إلى المكتبة الوطنية, ذاكرة اليمن, بل الجزيرة العربية ولن نبالغ إن قلنا ذاكرة الامبراطورية, التي لا تغيب عنها الشمس, تصاب بالصدمة حين تجد المكتبة مغلقة, ويحدثك مطلعون بأنها تعرضت للنهب والمصادرة من قبل البعض, أعمال الترميم أو الطلاء بالألوان لن تعيد الذاكرة, أو تفرمتها, فصعب هي الفرمتة لتاريخ يتجاوز المائتي عام كما يقول محفوظ جوهر, الطالب في قسم الإعلام, ومرافق الرحلة التي لم يكتب لها النجاح في أروقة المكتبة الوطنية, وكتب لها حظ كبير في زيارة أماكن ومباني آيلة للسقوط والانتهاء والاندثار إن لم يتم تدارك الأمر, فالآثار الدالة على الاستعمار, في طريقها للزوال, وكأن هناك من يريد ذلك, ومن يريد القضاء على ذاكرة شعب, وجعل حدث بارز ومنعطف لتحولات كبيرة في حياة اليمنيين كالرابع عشر من أكتوبر, أو الثلاثين من نوفمبر عيد الجلاء, حدثاً عابراً, لا يوبه له.
 
رحيل آخر زرادشتي
 
كثيرة هي الأماكن التي تصور لك 139 عاماً هو عمر انجلترا في جنوب اليمن, وخصوصاً في عدن, المدينة التي كانت لها ميزة خاصة لدى الاستعمار, وشركة الهند الشرقية, التي عملت بريطانيا على أن تكون موطناً متجانساً إذ جلبت وسهلت توافد الكثيرين ومن كل الأعراق والديانات, يحدثني مهند أحد شباب سوق (البز) في مدينة كريتر أن المدينة شاهدت مغادرة آخر زرادشتي كان يملك أقدم صيدلية, تركها وغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية, يقول غادرها ومحله التاريخي شاهد عليه وعلى محبته لعدن, التي ولد فيها بعد أن قدم إليها أبوه, وفتح أول صيدلية في مدينة عدن.
 
ظل محتفظاً بكل شيء, في ركنه الأبيض يقصده الجميع لصرف الأدوية, يقول جيرانه إن نوشير تانجري وهذا اسمه كانت تربطهم به علاقة جميلة سيظلوا يحتفلون بها, كما يحتفلون اليوم بذكرى أكتوبر, التي عاصرها بعضهم, وما زالت تحمل لديهم ذكرى طيبة, على الرغم من الفترات المتعاقبة التي عملت على كساد تجارتهم, وسعى البعض إلى تغيير أصنافها, أما عن تانجري فقد قرر أخيراً المغادرة, رغم حبه لعدن, وقد عمل على تسفير أولاده من قبل للدراسة والان العمل, ثم أدركهم في أواخر العام 2014م.
 
تعدد ثقافات 
يتحدث معمرون بأن عدن وخاصة كريتر جمعت كل الثقافات والأعراق, تعاملوا بحب لم يفرقهم شيء, فقد كان هنا إلى جانب المسلمين هندوس ومسيحيون وغيرهم, ما زالت ثقافتهم واضحة عند من احتك بهم, وهنا تكمن مدنية عدن التي تتجسد فيها قيم المواطنة والتعايش, لا كما يريد لها البعض بأن تكون لطرف معين ويتم نفي المختلفين معه, بل والقضاء عليهم, وهو ما لا يمكن أن تقبله عدن, وعند سؤالنا لهم عن أهمية الاحتفاء بالأعياد الوطنية, فقالوا إنهم عايشوا تلك الأحداث وقد صنعوها مع غيرهم الذي وحدهم الهدف, وقد كانت الثورة في عدن من قبل 14 أكتوبر 1963م, فهناك إرهاصات ومطالبات واحتكاكات كانت قبل هذا اليوم, كانت عدن تعيش حكماً ذاتياً وقد وصلت إليه بعد نضالات وتضحيات كبيرة قدمها شباب عدن, هذه التضحيات لا بد أن تذكر, وتوثق التوثيق الحقيقي لها الان.

 
ما تبقى من الامبراطورية
عن هذه الجزئية يتفق الكثير من أبناء عدن بأن ما تبقى من بريطانيا هي عدد من المباني, التي يمكن وصفها بالتاريخية, فهي تؤرخ لفترة مهمة توثق تاريخ ثورة, صحيح أن هذه المباني هي دليل على التسامح لكنها أيضاً تعطي صورة عن تفكير المستعمر الذي أراد الاحتفاظ بعدن يمكننا تعداد عددٌ من هذه المباني التي تدل على أن بريطانيا كانت هنا ومنها المعبد الكبير The Great Synagogue وأكبرهم كان Magen Avraham أي نجمة أفراهام, ومعروف أيضا (he Great Synagogue) أي المعبد الكبير, والذي تم بناءه على موقع سابق لمعبد يهودي يعود تأريخه للعام 1856م, وكان يعتبر واحداً من أروع المعابد في العالم, ويسع لألف شخص, وكان معظم الرجال يصلون يوميا ولكن يوم السبت يحضر الجميع إلى المعبد حيث أنه كان يعتبر نقطة التجمع المحورية للمجتمع اليهودي, ومعبد النار (برج الصمت) في كريتر, وهو كان محلاً لعبادة الطائفة الفارسية الزرادستشية التي تعود أصولها إلى إيران, ومعبد شري تيريشميرجي الهندوسي وتم بناء هذا المعبد في العام 1862م, ويقع في شارع حسن علي في كريتر, كما يوجد أكثر من 10 معابد في عدن أكثرها في كريتر والبقية في مديريات أخرى منها معبد شري رام جي  Shree Ramji Temple تم بناء هذا المعبد في العام 1875م, وكان موقعه بجانب كلية أكاديمية البوليس في التواهي, ومعبد هانومان Hanoman Temple شُيد هذا المعبد في العام 1882م, وكان موقعه في الشيخ عثمان.
 
الحاجة للتوثيق
سامر العزيبي الباحث في التاريخ الحديث, يقول هو بالطبع ما حدث فبعد الاستقلال تم فقط توثيق ودراسة جزء بسيط لما حصل, وتم الدفع إلى ذلك سياسياً من الأطراف التي حكمت الجنوب حينها, فبعض الباحثين يؤصل اليوم بأن راجح لبوزة استشهد قبل يوم الرابع عشر من أكتوبر, وأن هناك مناطق كثيرة وفصائل متعددة صنعت الأحداث, وأوصلت الثورة إلى جلاء الاستعمار وخروج آخر جندي من العاصمة عدن فحسب العزيبي بأن هذه الأماكن تعرضت للإهمال كما تعرضت أحداث الثورة التي تم تجزئتها والتلاعب بها, فهناك حملة جائرة على هذه الأماكن التاريخية التي تنهب دون أي تدخل لإيقاف هذه الممارسات, فبعضها صارت أطلالاً وخراباً نتيجة أفعال وممارسات خاطئة, خصوصاً منذ اجتياح الحوثيين لعدن, في العام 2015م.
 
الإهمال سيد الموقف
ومن المباني التي تعرضت للإهمال مبنى المجلس التشريعي لعدن ويعد واحداً من أهم معالم المدينة, يقول سامر العزيبي بأنه في الأصل كان كنيسة بنيت عام 1871 وهي كنيسة «القديسة ماريا» ثم تحولت الكنيسة إلى مقر للمجلس التشريعي الأول من نوعه في الجزيرة العربية, والذي كان في العام 1947م, وكان المجلس يتكون من ثمانية أعضاء يمثلون طوائف عدن، وكانت كل طائفة تنتخب ممثلها، وكان في أول تشكيل له يتكون من: المستر تايلر، والخان بهادر محمد عبد القادر مكاوي، والخان بهادر محمد سالم علي، والسيد عبده غانم ، والمستر دانشا خورجي، والشيخ محمد عبد الله المحامي، وجودا مناحيم يهودا والمستر كارتن. وظل المجلس يمارس مهامه حتى عام 1966، عندما قام بإحراقه اليمنيون في انتفاضة شعبية ضد البريطانيين، ورغم انه أعيد ترميم المبنى، فهذا المبنى يعاني الكثير من الإهمال كما هو حال غيره, فلابد من اهتمام نوعي لمثل هذه الأماكن لأنها بحق ذاكرة عدن الحقيقية.

 
كانت عفوية
ويقول العزيبي نحن بحاجة إلى الكتابة العلمية الأمينة عن كل الثورات, وبحاجة إلى الاهتمام بالتاريخ المادي لهذه الحقبة من الزمن, فثورة أكتوبر لم تفرق بين أحد ففي البدايات كانت عفوية, حتى تم دعمها وتنظيمها, وهو الدعم والتنظيم, الذي تم في تعز, المدينة المجاورة, بعد أن وصل إليها جمال عبدالناصر وقال كلمته المشهورة (على بريطانيا أن تحمل عصاها وترحل) كناية عن دخول النضال فترة جديدة هي فترة التصادم, وأن كل جندي بريطاني سيتعرض لأي شكل من أشكال العمل الفدائي, كما أن هناك مجموعات شبابية ناضلت من أحياء عدن المختلفة, بعضهم كانوا يعملون كجنود في جيش عدن الشعبي الذي تدعمه بريطانيا نفسها, لكنهم يعلمون بأن الاستعمار لا بد أن يخرج من أرضهم, فعلينا إنصاف المرأة أيضاً التي ناضلت والأدباء والشعراء والصحفيين والمثقفين, ممن كان لهم دور كبير في هذه الثورة, التي تعد حدثاً بارزاً لا يمكن تناسيه, أو محاولة محوه من تاريخ اليمن المعاصر.
 
هكذا كانت
ويواصل العزيبي حديثه بأن بداية الأربعينيات من القرن العشرين اكتسبت مقاومة المستعمر طابعاً عضوياً غير منظم, إذ لم تتبلور في الساحة حتى ذلك الوقت التنظيمات والقوى السياسية والحركات المنظمة التي كان يمكنها قيادة حركة الجماهير إلى مواقع العمل المنظم والتخطيط الدقيق, وفي الفترة من منتصف الأربعينات شهدت البلاد نوعاً ظاهراً من تزايد الوعي الوطني، وظهرت بعض المنابر التنظيمية في شكل نوادٍ وجمعيات ضمت في عضويتها عناصر وطنية مهمومة بالتغيير والاستقلال، وشهدت تلك الفترة تصاعداً في أعمال الحركة الوطنية ضد الاستعمار بدأت تتخذ لها قواعد فكرية وحماساً روحياً خاصاً تشبع بأفكار القومية العربية التي برزت في ذلك الوقت كتيار واضح بعد انتصار ثورة 1952م في مصر بقيادة جمال عبدالناصر، وكان آخرون من المثقفين اليمنيين قد تعرفوا بشكل كبير على الأفكار الليبرالية والاشتراكية في وقت كان العالم يشهد تعاظماً لحركات التحرر من الاستعمار القديم في افريقيا وآسيا على وجه الخصوص.
 
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات