ميدل إيست آي: «مهدي عاكف».. «التسعيني» الذي يخشاه النظام المصري حيا وميتا

مهدي عاكف
مُسند للأنباء - الخليج الجديد   [ الإثنين, 25 سبتمبر, 2017 11:30:00 مساءً ]

يصادف هذا الشهر الذكرى الـ88 لاستشهاد «عمر المختار»، زعيم المقاومة الليبية للاحتلال الإيطالي في القرن الماضي. وأعدم المحتل الإيطالي «المختار» في 16 سبتمبر/أيلول عام 1931.
 
وتوقع الشاعر المشهور «أحمد شوقي» في رثائه للشهيد «المختار» أن استشهاده سيكون بمثابة دعوة أبدية لليبيين للمطالبة بحريتهم، وأن دمه سيكون عقبة في طريق المصالحة بين المحتل ومن وقع عليه الاحتلال.
 
وكان بمثابة الخوف من قوة الأفكار وتأثير المقاومة البشرية أنه عندما تم القبض على «المختار» أخيرا، وهو يبلغ من العمر 73 عاما، اختار الإيطاليون إجراء محاكمته سرا، ودفنه في قبر لا يحمل علامات، يحرسه الحرس الإيطالي.
 
وتخشى أنظمة الاضطهاد الأفكار، والرجال والنساء الذين يؤمنون بها، بغض النظر عن ضعفهم أو تقدمهم في العمر أو حتى ما إذا كانوا موتى أو أحياء.
 
الرجل الضعيف محاط بالأمن
وشهد هذا الشهر أيضا وفاة رجل آخر، هو «محمد مهدي عاكف». وكان نائبا سابقا في البرلمان المصري، والمرشد العام السابع لجماعة الإخوان المسلمين المصرية.
 
وفي ظل قيادته للجماعة عام 2004، أصدر الإخوان المسلمين أول برنامج إصلاح شامل حقا في مصر، وفي عام 2005، قاد الإخوان المسلمين إلى أكبر فوز انتخابي لها قبل ثورة عام 2011.
 
وفي عام 2009، حصل على المرتبة الـ12 بين الـ 500 مسلم الأكثر نفوذا في العالم الإسلامي، بحسب اختيار علماء مسلمين، في كتاب صدر عن المركز الإسلامي الملكي للدراسات الاستراتيجية.
 
وبعد الإطاحة بالرئيس «محمد مرسي» عام 2013، ألقي القبض عليه، وكان قد بلغ من العمر 85 عاما في سن الشيخوخة، وكان يحتجز، مثل العديد من السجناء السياسيين في مصر، البالغ عددهم 40 ألفا، في ظروف وحشية.
 
ووفقا لأسرته، فقد تم تشخيص إصابته بالسرطان العام الماضي، وعلى الرغم من تدهور صحته، فقد تم احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي تقريبا.
 
وكان «عاكف» قد تم الاحتفاء به على نطاق واسع بعد رفضه ترشحه لولاية ثانية كمرشد عام للإخوان، وتخلى عن المنصب عام 2010 بعد انتخاب «محمد بديع»، وظل واحدا من الشخصيات القيادية القليلة التي نالت إشادة كبيرة من قطاع عريض من الإسلاميين.
 
وقد أثار ظهوره المتكرر في المحكمة خلال الأعوام الـ 4 الماضية ذكريات صور «عمر المختار» في أسره، حيث الرجل العجوز الضعيف ذو الشعر الأبيض، ملفوف في بطانية بيضاء، محاطا بحراسة شديدة من رجال الأمن.
 
أسئلة مثيرة للقلق
ويبدو أن «عاكف» كان مصدر إرعاب للنظام القمعي في القاهرة تقريبا بقدر ما كان المحتل الإيطالي يخشى «المختار». وقد قاد النظام الحالي 4 أعوام من القمع الشديد الذي شمل عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، وآلاف المنفيين السياسيين، ونفذ على نطاق واسع عمليات القتل خارج نطاق القضاء ومارس التعذيب المنتظم والمنتشر في أماكن الاحتجاز والسجون.
 
وعلى الرغم من كل هذا القمع وشبه السيطرة على البلاد، رفضت السلطات السماح بتشييع الرجل الذي يبلغ من العمر 89 عاما، يوم الجمعة. ولم يسمح إلا للعائلة القريبة (الزوجة والأبناء) بحضور الدفن، وتم دفنه سريعا في غضون ساعات من وفاته.
 
وتثير محنة «عاكف» وموته العديد من الأسئلة المقلقة لكل من المصريين والغربيين. ما الذي أصبح عليه شعب مصر بعد 85 عاما من رثاء «شوقي» البليغ لـ«المختار»؟
 
وأين هو خطاب الحرية والاستقلال والمبادئ التي احتفى بها شعر «شوقي» مستعينا بذكرى «المختار» الملهمة؟
 
لقد كانت هناك دعوات خافتة من حين لآخر للعفو عن «عاكف»، لكن لا أكثر من ذلك. وعلى مدى الأعوام الأربعة من سجنه اللاإنساني، لم تصدر حكومة غربية واحدة بيانا يعارض سجنه أو يدعو إلى الإفراج عنه.
 
ورغم هذا الصمت، الذي هو حتى من خلال معيار العدالة المصري مثير للسخرية، تم تبرئته من جميع التهم في يناير/كانون الثاني عام 2016. ومع ذلك استمر احتجازه، لمدة 20 شهرا أخرى، حتى وفاته.
 
تكلفة الصمت
وبينما كان «عاكف» أقدم السجناء السياسيين في مصر، يعاني آخرون في ظروف مماثلة، سواء بسبب السن أو الصحة. ولا يمكن وصف اعتقالهم المستمر، مثلما تم التعامل مع «عاكف» في حياته وموته، إلا بأنه يعكس الخوف الذي يواجهه النظام المصري من الرجال والنساء أصحاب المبادئ.
 
ولا يزال القاضي «محمود الخضيري»، أحد الشخصيات البارزة في حركة القضاء المستقل، مسجونا على الرغم من حالته الصحية السيئة وسنه المتقدم.
 
لكن صمت المجتمع الدولي تجاه الانتهاكات المستمرة في مصر يتجاوز الحالات الظاهرة مثل «عاكف» و«الخضيري». وقد أصدرت هيومن رايتس ووتش مؤخرا تقريرا عن التعذيب الذي تمارسه السلطات المصرية، ووصفته بأنه ممنهج وربما يصل إلى حد الجرائم ضد الإنسانية. لكن لن يمر هذا الصمت من جانب المجتمع الدولي دون تكلفة.
 
ولا يتمتع الكثير بالبصيرة لإدراك أن تأييد أو تمويل النظام المصري يتطلب عداء الشعب الذي يعاني من وحشيته، أو أن القمع يوفر الجو المثالي للتطرف.
 
ويبدو أن الحكومات الديمقراطية الغربية قد عقدت العزم على أن الخطر من هذا المسار مقبول، وأن المكاسب، في المقابل، من الاستمرار في تبني الديكتاتورية أمر مرغوب فيه.
 
ويبدو أن ذلك مبني على افتراض أن النظام من غير المرجح أن يخسر في أي وقت قريب، وأنه حتى لو فعل ذلك، فإن أي شخص يحل محله سيبقى محتاجا إلى دعم «المجتمع الدولي»، بغض النظر عن هذا الصمت المفضوح. لكن هذا أبعد ما يكون عن الرهان الآمن.
 
الرهان الأفضل
إنه نظام يفضل اغتيال الشباب بدلا من تقديمهم إلى المحكمة. ويحتجز امرأة في الحبس الانفرادي للضغط على والدها الطاعن في السن، نظام يسيطر علنا ​​على السلطة القضائية، ويستخدمها لإصدار أحكام بالإعدام الجماعي دون النظر في الحالات الفردية، ويسعى إلى الحصول على الثناء بسبب إطلاق ناشطة واحدة لصالح «دونالد ترامب»، في الوقت الذي يستمر فيه، إلى أجل غير مسمى، في احتجاز عشرات الآلاف.
 
والآن، نرى أيضا أنه نظام يهتز رعبا من رجل يبلغ من العمر 89 عاما، ليس في حياته فحسب، بل حتى في جنازته. ويدل كل هذا على أنه نظام سيطرته على السلطة غير مستقرة، وأنه يخشى كل يوم أن يكون يومه الأخير. ومن الجيد لنا أن نحيط علما بذلك.
 
لقد غيرت أحداث الأعوام القليلة الماضية شعوب الشرق الأوسط. وفي مصر وليبيا وسوريا واليمن، لم تعد الأنماط القديمة قائمة. وإذا كان هناك وقت من الأوقات للمراهنة على الشعب وليس على المضطهدين، فإن هذا هو الوقت الأمثل.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات