«جيوبوليتيكال فيوتشرز»: لماذا تفشل العقوبات في تغيير سياسات الدول؟

لماذا تفشل العقوبات في تغيير سياسات الدول؟
مُسند للأنباء - الخليج الجديد   [ الثلاثاء, 08 أغسطس, 2017 11:05:00 مساءً ]

يعرف «ألبرت أينشتاين» الجنون على أنه فعل الشيء نفسه مرارا وتكرارا وتوقع نتيجة مختلفة. وفي يناير/كانون الثاني 2002، أعلن الرئيس الأمريكي «جورج بوش» أن العراق وإيران وكوريا الشمالية تشكل محور الشر. ومع إقرار مشروع قانون لفرض عقوبات موسعة على روسيا وإيران وكوريا الشمالية، وضعت الولايات المتحدة محور العقوبات محل محور الشر، والفرق الوحيد هو أن روسيا قد حلت محل العراق في قائمة الخطاة. ولكن إذا كانت واشنطن تتوقع أن ترى نتائج مختلفة هذه المرة، فسوف تعلم قريبا مدى سوء تقدير هذا التوقع.
 
وافق مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون العقوبات يوم 25 يوليو/تموز بغالبية ساحقة . وبسبب الأغلبية القوية التي مر بها فإنه من غير المرجح أن يستخدم الرئيس «دونالد ترامب» الفيتو ضد مشروع القانون.
 
وكانت البلدان الثلاثة التي استهدفها التشريع موضوعا للعقوبات من قبل. وقد ناقش الكثيرون ما إذا كانت هذه الأداة وسيلة فعالة للتأثير على إجراءات بلد ما. بحثت دراسة تم تحديثها في عام 2009 ونشرها معهد بيترسون للاقتصاد الدولي 174 دراسة حالة، وخلصت إلى أن العقوبات كانت ناجحة جزئيا في 34 في المئة. ووفقا للدراسة، فإن معدل النجاح تباين على أساس الهدف. وإذا كان الهدف متواضعا ومحددا، مثل إطلاق سراح سجين سياسي، فقد بلغت نسبة النجاح 50 في المئة، ولكن إذا كان الهدف هو تغيير النظام أو إصلاحات هامة في السياسة، فإن نسبة النجاح كانت 30 في المئة فقط.
 
وخلاصة القول إن العقوبات هي وسيلة غير فعالة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية في ثلثي الحالات، وفقا لهذه الدراسة. ويمكن أن تكون أداة قوية، إلى جانب تدابير أخرى، لتشجيع بلد ما على وقف إجراء معين، ولكن العقوبات من تلقاء نفسها يمكن أن تحقق القليل وربما تؤدي في الواقع إلى وضع أسوأ.
 
العقوبات لن تغير الواقع
ومن هذا المنطلق، ينبغي تقييم الآثار الجيوسياسية لمشروع قانون العقوبات. ومن بين الدول الثلاث المدرجة في مشروع القانون، جذبت روسيا أكبر قدر من الاهتمام بسبب السحابة الروسية التي ألقت بظلالها على إدارة «ترامب» منذ توليه منصبه. ولكن مشروع القانون كان مصمما في الأصل لفرض عقوبات جديدة على إيران، كما أضيفت كوريا الشمالية لاحقا. ويمكن القول إن هذه البلدان الثلاثة تمثل أهم التحديات الجيوسياسية للولايات المتحدة اليوم. كما أنها تمثل قضايا مستعصية على أن الولايات المتحدة لا تملك الإرادة حاليا القدرة على تغييرها بأي طريقة مجدية، والعقوبات لن تغير هذا الواقع.
 
بالنظر إلى كوريا الشمالية، تأمل الولايات المتحدة في أن تقنع الشراكة مع الصين بتوسيع العقوبات الدولية ضد كوريا الشمالية، التي تعرضت بالفعل للعقوبات منذ عقود، لوقف سعيها للحصول على أسلحة نووية. فالعقوبات القائمة غير فعالة، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن النظام على استعداد لتحمل بعض الانزعاج لضمان بقائه، والتخلي عن برنامجه للأسلحة يمكن أن يعرض ذلك للخطر. الصين، في الوقت نفسه، إما غير راغبة أو غير قادرة على إزاحة «كيم يونغ أون». وفي النصف الأول من هذا العام، زادت صادراتها إلى بيونغ يانغ بنسبة 20 في المئة على أساس سنوي، وذلك وفقا لتقرير صادر عن الرابطة الكورية للتجارة الدولية في 26 يوليو / تموز.
 
كما ذكرت الحكومة الصينية نفسها زيادة الصادرات إلى كوريا الشمالية في الربعين الأول والثاني من عام 2017. واتهم «ترامب» الصين على تويتر في الشهر الماضي بعدم الوفاء بتعهداتها بالعقوبات ضد كوريا الشمالية.
 
وقد بدأت الولايات المتحدة تحصل على انطباع بأن بكين ليست على استعداد لتطبيق ضغوط مالية على بيونغ يانغ، ويقول البعض أن الخطوة التالية يجب أن تكون فرض عقوبات على الصين. بيد أن العقوبات لن تجبر الصين على معالجة المشكلة بالطريقة التي تريدها الولايات المتحدة. والسر الصغير هو أن مظهرر الصين كمفاوض كبير مع بيونغ يانغ يفوق بكثير سلطتها الفعلية.
 
القول أسهل من الفعل
ثم هناك روسيا، التي أصبحت شيئا من هاجس وسائل الإعلام الأمريكية. وكـ«جورج دبليو بوش» و«باراك أوباما» من قبله، جاء «ترامب» إلى المكتب البيضاوي على أمل بناء علاقة أفضل مع روسيا، وربما كان «ترامب» يعتقد أن علاقة شخصية إيجابية مع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» ستكون كافية لإنجاز ما لم يتمكن أسلافه من تحقيقه. لكن المجاملات لا تغير حقيقة أن أوكرانيا حيوية للأمن القومي الروسي، وأن الولايات المتحدة -حتى في ظل «ترامب»- لم تظهر أي علامات على التراجع على قضية أوكرانيا. في الواقع، اجتمع «ترامب» مع رئيس أوكرانيا وأعلن دعمه لأوكرانيا عدة مرات، كما تنظر الإدارة في تزويد كييف بأسلحة دفاعية.
 
إن مشروع قانون العقوبات لن يقنع روسيا بأنها يمكن أن تتخلى عن كييف إلى الغرب وسوف تضطر روسيا للانتقام بطريقة أو بأخرى. وفي ضوء هذا التصعيد المحتمل، قد نحتاج إلى إعادة النظر في توقعاتنا لعام 2017، التي رأت أوكرانيا على أنها صراع مجمد.
 
وهذا لا يعني أن العقوبات غير فعالة أو أنها لا تملك أي أثرجيوسياسي، بل يوجد لها أثر وسنقوم بنشر المزيد عن تأثيرها في المدى القريب. ولكن بالاعتماد على العقوبات التي كان لها تأثير هامشي فقط في الماضي، تصر الولايات المتحدة على أمور غير مجدية. وسيكون لذلك تداعيات، ولكن المشاكل الكامنة وراءها، مثل استمرار كوريا الشمالية في السعي للحصول على الأسلحة النووية، وسعي إيران للهيمنة الإقليمية، وضرورة حفاظ روسيا على أوكرانيا سوف تستمر بعد هذه العقوبات.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات