أروقة الجمال والغموض.. جولة في «قصر الحمراء» أبرز معالم المسلمين في غرناطة

مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ الأحد, 23 يوليو, 2017 05:50:00 مساءً ]

به المرمر المجلوُّ قد شفّ نورُه/ فيجلو من الظلماء ما كان داجيًا/إذا ما أضاءت بالشعاعِ تخالها/على عظم الأجرام منها لآليا/فلم ندر روضَا منه أنعمَ نضرةً/وأعطر أرجاءَ  وأحلى مجانيا. *من الأشعار التي تزين جدران قصر الحمراء 
في أعلى مدينة غرناطة على جبال «سييرا نيفادا» التي تغطيها الثلوج البيضاء يقع قصر الحمراء؛ أجمل القصور التي بناها المسلمون وحفظها العالم الغربي عبر العصور، والذي كان آخر قصرٍ تسلِّمهُ الحضارة الإسلامية للحضارة الأوروبية قبل خروجها من «الأندلس».
 
الحكاية..
 
بدأ بناء القصر عام 1238م في عهد بني نصر وعبر السنوات والقرون تابع ملوك غرناطة بناء القصر، أضافوا القصور والباحات الجميلة – التي بُني بعضها خصيصًا لإبهار السفراءا لمسيحيين وإثارة انطباع قوي لديهم – ووسّعوا الحصون، ليظهر القصر بهذا الشكل وكأنه مدينة مصغّرة، وعبر العصور أيضًا تتّبَّع المؤرخون والكتّاب وعلماء الآثار أسرار هذا القصر الذي حامت حوله الأساطير، ويبدو أن الحمراء الذي أدرجته اليونسكو ضمن مواقع التراث العالمي عام 1984، لا يزال لديه الكثير من الأسرار  ليفصح عنها.
 
استغرق بناء القصر 150 عامًا، وهو ما جعل أروقته تحمل طوابع معمارية مختلفة، وبُنى على بُعد أربعة أميال فقط من نهر دارو ليُمكن توريد المياه إلى النوافير المتلألئة والحمامات الرخامية والمساحات المائية التي تشق طريقها في جنبات القصر فتوفر نظام ري عبقري متكامل لسكّانه.
 
حين استولى المسيحيون على غرناطة عام 1492م ظلَّ قصر الحمراء حاضرة ثقافية ومقرًا للحكم، لكن بمرور السنوات أُهمل القصر وانتقل مركز الحكام بعيدًا عنه لقرون، قبل أن يُعيد الكاتب الأمريكي« واشنطن إيرفينج» الذي زار غرناطة، لفت الأنظار إلى روعته من خلال كتابه «حكايات الحمراء»، وينبّه الحكومة الإسبانية إلى الاهتمام به وإعادة ترميمه ليكون وجهة سياحية، مزج الكتاب بين وصف القصر ورواية الأساطير التي نُسجت حول أروقته، فخرج في شكل جذَّاب للقارئ،  وأعاد للقصر مكانته؛ ليصبح وجهة كل زائري غرناطة.
 
ولم يكن «إيرفينج» مع ذلك أول من جذبته أسرار قصر الحمراء؛ فقد كشف عن جمال القصر قبله أيضًا المهندس المعماري الإيرلندي جيمس كافانغ مورفي الذي زار غرناطة عام 1788 وجذبته العمارة الإسلامية، فكتب عنها كتابه الآثار العربية في إسبانيا ونُشر في عام 1816 بعد وفاة مؤلفه، وتناول 100 نقش من أروع نقوش القصر، في وقت كان فيه القصر طي النسيان.
 
«ديوان الشعر» الذي  تحمله نقوش الجدران
 
منصبي تاج وبابي مفرقُ 
يحسد المغرب فيّ المشرقُ
* من الأشعار التي تزين جدران قصر الحمراء 
 
أسوار الحمراء أحد أسرار جمالها في نقوش الخط العربي التي تزينها، والتي شغل تفسيرها الباحثون، يمكن للزائر أن يميّز بينها بسهولة «لا غالب إلا الله» الجملة التي تُنسب إلى زاوي بن زيري مؤسس السلالة النصريّة، وتحمل جدران وأسقف ونوافير القصر وأعمدته 10 آلاف نقش من الآيات القرآنية وقصائد شعراء بلاط القصر وأشهرهم ابن الخطيب وابن زمرك وكلمات السياسيين من حُجَّاب الملك ووزرائه، وقصص المعارك ووصف للقصر وبهائه، وكان يمكن لزائر القصر أن يقرأ النقوش بخط النسخ والخط الكوفي وخطوط أخرى تميزها لمسة هندسية أضافها الحرفيون الغرناطيون.
 
 قبل عام تقريبًا قام فريق من المدرسة العربية للدراسات بإنجاز عمل ضخم؛ إذ قاموا بجمع نقوش القصر في الأماكن المختلفة، في ثمانية كتب مصحوبة بأقراص مدمجة تشرح أماكن النقوش وتفسيرًا لمحتوياتها، وترجمتها إلى الإسبانية والإنجليزية، تطلّب العمل إلمامًا باللغة العربية وخطوطها وهو أمرٌ يصعب على القارئ الحالي؛ إذ تزدان النقوش بالزخارف والزهور والأشكال الهندسية، وقد علّق الفريق على كثرة النقوش بأن أحد أهدافها كان تعزيز الهوية، كما أراد كل حاكم أن يترك بصمته على جدران القصر.
 
الجانب المتواضع من قصر الحمراء
 
أمّا أحدث ما اكتشفه الباحثون في القصر فيوجد على منحدر قصر الحمراء حيث تمتد النباتات والأعشاب حتى نهر دارو؛  كهفٌ لا يكاد يظهر  بين النباتات يقود إلى رواق تحت الأرض يصل حتى القصر،  عبر  200 درجة سلم تصل إلى قبو ريفي.
 

وهو كهف مغلق لا يدخله الجمهور وينشغل المؤرخون بفكّ غموضه وتخيّل قصص من خرجوا من خلاله عبر القرون ربما هربًا من وشاية، أو من نوايا خبيثة للمحيطين به، أو ربما ليعيش قصة حب شبيهة خارج أسوار القصر، وهو  ليس الطريق الوحيد الذي يصل الخارج بداخل القصر من أسفله، وحول هذه الطرق نشرت صحيفة «الباييس» الإسبانية جولتها مع خيسوس بيرموندث مسؤول حماية الآثار الذي ألقى الضوء على «الجانب المتواضع من قصر الحمراء» كما يحبُّ تسميته؛ إذ لا يتمتع هذا الجانب بأيِّ لمحة جمال كما في أنحاء القصر التي نعرفها، فقد استُخدم  في أغراض مختلفة، كان منها تخزين الحبوب، وسكنة الأسرى في انتظار عمليات التبادل.
 
حتى الآن تم اكتشاف 21 قبوًا في قصر الحمراء، أحدهم تم اكتشافه بسبب سوء رعاية البستاني الذي تسبب في إغراق بضعة أقدام بطريق الخطأ أثناء عمله، ولم يكن بها منفذ للضوء، سوى فتحة واحدة فقط أعلى القبو يستحيل الوصول إليها، كانت تستخدم للاتصال بالخارج.
 
وتطلق هذه الاكتشافات العنان للمؤرخين ليتصوروا كيف كان الحال بينما كان أحد السلاطين يستقبل في قصره الفخم السفراء وكبار الزوار، ففي الدور السفلي قاعة أخرى ليست في جمال الأولى أقام فيها الحراس. وفي أسفل طابق الوزراء الذي كانت الستائر تنقي الضوء المتسلل إلى بلاطه اللامع، كانت هناك قاعة ليس فيها سوى فتحة في الجدار يبدو منها بالكاد الليل من النهار، تبادل فيها الحراس جولاتهم بين قاعات القصر والقاعات أسفلها، والمداخل والمخارج، جعلت من هذا الأثر حصنًا منيعًا.
 
كان من المخطط أن يجري ترميم السلم الذي يصل إلى حي البيازين لكي يُفتح للجمهور، لكن لا يبدو أنّ فتح أنفاق الحمراء ممكنًا؛ ليس فقط بسبب حالتها متدهورة، إذ يقول بيرموندث مسؤول حماية الآثار هناك: إنّ التجول في دهاليز القصر السفلية التي تفتقر لروعة تصاميم قصوره وباحاته المفتوحة حاليًا قد لا تثير الاهتمام، فضلًا عن أنها غير آمنة، وهي فقط تؤرخ لجذور الجمال الذي يبدو في أعلى القصر وترسم صورة يحاول الباحثون في مجالات مختلفة استكمالها للحياة فيه.
 
قصر الحمراء.. الأسطورة والواقع
 
ويبدو أن هناك جانبًا آخر أكثر إثارة لهذه السراديب والأقبية والممرات الموجودة في جوف أرض مدينة غرناطة، إذ يعتقد البعض  أنها تخفي كثيرًا من الكنوز، يُغطي 16 كيلومتر من غرناطة أنفاق وممرات لم يُعرف عنها شيء حتى وقت قريب، ولم تُذكر سوى في الأساطير وحكايات الناس. تذكر إحدى الحكايات أن وراء التل الذي يحمل قصر الحمراء منجم من الذهب، وقد تابع الباحثون هذه القصة ليكتشفوا وجود 120 هكتار من منجم ذهب على التل بالفعل كان يتم استغلالها منذ عصر الرومان.
 
كان هناك أربعة ممرات تحت قصر الحمراء أحدها كان مخصصًا ليهرب منها الخليفة في حال الحصار، وكان إطباق المسيحيين على غرناطة عبر العقود قد أجبر حكامها على اللجوء لإنشاء الأنفاق التي خُصصت لمهاجمة العدو وللهروب إذا استدعى الأمر.
 
في منازل كثير من الناس في غرناطة الآن وفي حي البيازين خاصة – الذي يُطل عليه القصر – بابٌ سريّ لنفق ينقلك إلى عصرٍ آخر؛ إذ يصل إلى قصر الحمراء، بعضها يُعتقد أن سجناء القصر هربوا من خلاله، وبعضها الآخر يصل إلى أماكن أخرى، كما تحكي صاحبة أحد المنازل هناك أنَّ بابًا في منزلها يُفضي إلى سلّم حين تهبط من خلاله تصل – فيما يشبه السحر – إلى حمام عربي يعود للقرن الحادي عشر.
 
ما يُشاع في غرناطة – وله ما يبرره – أن المسلمين أخفوا كنوزهم تحت الأرض قبل أن يدخلها المسيحيون عام 1492م، ولا تزال أكبر الأساطير حول المكان الذي أخفى فيه أبو عبد الله الصغير ملك غرناطة الأخير ثروته.
 
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات