أمريكا وأوروبا تدفعان للجزائر.. قصَّة ثلاثة قرون من سيادة البحر المتوسط

مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ الاربعاء, 28 يونيو, 2017 06:10:00 مساءً ]

لطالما كان البحر الأبيض المتوسط ميدان صراعٍ أزليٍّ بين مختلف القوى العالمية، ولطالما كان ميزان قوة الدول – المرتبطة به – وهيمنتها هو امتلاكها أساطيل قوية تجعلها صاحبة القول في هذا البحر، كامتلاك الأسطول الجزائري مثلًا في وقتٍ سابق.
 
قلق تل أبيب ومخاوفها المتنامية في السنوات الماضية من حجم زيادة قوة البحرية الجزائرية على حسب ما ذكرته الصحف الجزائرية، خصوصًا بعد حصول الجزائرعلى ترسانة صاروخية متطورة من روسيا بإمكانها تهديد السفن الإسرائيلية في المتوسط، في  حال نشوب أيّ صراع عربي – إسرائيلي بموجب  معاهدة الدفاع العربي المشترك، وهذا ما يجعل التجارة الإسرائيلية، والتي  يمر منها ما نسبته 60 % إلى 70 % منها عبر المتوسط، وهو ما يعادل 80 مليار دولار، في  خطر، والحنين الذي  تولَّد لدى الجزائريين إلى ماضيهم الأسطوري في  المتوسط، والذي صُوِّر في إنتاج فيلم عن أمير البحار رايس مراد حميدو، أعاد إلى أذهاننا صورة الأسطول البحري الجزائري – العثماني الذي  كان مسيطرًا على البحر المتوسط لمدة ناهزت الثلاثة قرون، دافعًا أعتى القوى العالمية  المتحكمة في  العالم اليوم إلى دفع الجزية؛ نظير سلامة ملاحة سفنها.
 
«ساسة بوست» يعيد تركيب الأحداث، ويشرح لك كيف نشأ أعظم أسطول بحري جزائري، وكيف صار البحر المتوسط – في وقتٍ سابق – محمية جزائرية،  وما هي اسباب انهيار هذا الأسطول، بعيدًا عن الروايات الاستعمارية.
 
الجزائر ولاية عثمانية
 
كانت فترة دولة العثمانيين «للخلافة الإسلامية» هي الأطول بين فترات الخلافة، إذ إنها امتدّت أربعة قرون، كما أنه في فترة الحكم تلك اتسعت حدود الدولة العثمانية بصورةٍ كبيرة، وأصبحت حدودها بعيدة جدًا إلى أن وصلت إلى الجزائر، وكانت الجزائر قبل عام 1500 مكونة من جزر متفرقة يحكمها الرعاة، وكانت عرضة للاعتداءات الأوروبية، وبعد نزوح العرب المسلمين من الأندلس، ظهر «الأخوان بربروسا» بعد أن استنجد أهل  الجزائر بهما؛ فطردوا المحتلّ الإسباني، واتخذوا من الجزائر قاعدة لهم؛ لصد الاعتداءات المحتملة، وبعد استشهاد عروج بربروسا عام 1518، تسلم أخوه خير الدين الحكم، وقام بالدخول تحت طاعة السلطان العثماني سليم الأول لمساعدته، وبذلك انضمت الجزائر إلى الحكم العثماني.
 
من هو خير الدين بربروسا
 
تعدّ شخصية خير الدين بربروسا شخصية أسطورية بكل المقاييس؛ فقد تحولت حياته إلى نوع من الأسطورة التي تتجاوز الواقع لتحلق في ما ينسجه الذهن من صور متناقضة من البطولة أو الإرهاب بلغة هذه الأيام، إنّه بمجرد ذكر اسم هذا البطل تمتزج الأسطورة الخارقة بالخيال الجامح بالحقائق التاريخية، فهو عند المسلمين محرِّر نَصَرَ المستضعفين في العديد من الدول، خاصة في سواحل شمال إفريقيا وجنوب أوروبا، وهو بالنسبة للأوروبيين قرصان مارد تكبَّدوا على يديه خسائر فادحة في الأرواح والثروات.
 
الأخوان بربروسا
 
ولد خير الدين بربروس  سنة 1470  في جزيرة لسبوس، واسمه الحقيقي خضر بن يعقوب، لقّبه السلطان سليم الأول بخير الدين باشا، وعُرف لدى الأوربيين ببارباروسا؛ أي: صاحب  اللحية الحمراء، ويعدّ أحد أكبر قادة الأساطيل العثمانية، تولَّى حكم الجزائر عام 1518، ثم عيّنه السلطان سليمان القانوني قائدًا عامًّا للبحرية العثمانية، توفي بإسطنبول عام 1546 بعد تاريخ مليء بالانتصارات في البحار.
 
كانت الحملات الإسبانية على السواحل  الجزائرية تشكل خطرًا على الجزائر، وهو الأمر الذي عمل خير الدين بربروس بعد تسلّمه الحكم خلفًا لأخيه عروج على إيقافها، فرأى أن الأسطول البحري هو الحلّ لردع تلك التهديدات، أبرق ببرقية عاجلة إلى السلطان العثماني مفادها المبايعة وطلب الدعم، وافقت السلطنة وأرسلت 2000 بحّارٍ بسلاحهم لخير الدين.
 
في المقابل صنع بربروس 4 سفن كانت  الانطلاقة؛ ليشكِّل بعدها  اسطولًا كبيرًا بسط سيطرته على غرب المتوسط لفترة دامت ثلاثة قرون. وبعدها تم تطوير الأسطول وتزويده بمدافع كبيرة. في عام 1618 هاجمت البحريتان البريطانية والهولندية الجزائر العاصمة بوحشية، لكنهما هزمتا، ودُمر نصف أسطولهما، وقد كانت هناك عدّة معارك بحرية بين الجزائر وإسبانيا طوال القرنين 17 و18.
 
سيطرة الأسطول الجزائري على البحر الأبيض المتوسط
 
كان للخروقات والتعديات الإسبانية على السواحل  الجزائرية، ومحاولة إعادة احتلالها دور كبير في سيطرة الأسطول الجزائري على البحر المتوسط، إذ إن الأسطول الحديث الذي أسسه خير الدين بربروس جعل من حماية الجزائر هدفًا أسمى له؛ ما جعله يحبط جميع الهجمات التي  شنّها الأسطول الإسباني على السواحل  الجزائرية، وفي الكثير من المرات كان يحطم عدة سفن ويأسر مئات البحارة، ولعلّ أبرز حدث جعل من  البحرية الجزائرية قوة رهيبة في المتوسط هي كبح الهجمة البريطانية الهولندية على العاصمة الجزائر سنة 1816، حيث دمّر نصف الأسطول  الغازي، هذه السيطرة تجسدت في فرض نظام ملاحة جديد عبر المتوسط.
 
«الجهاد البحري» الجزائري يفرض «الإتاوات» على السفن الأوروبية
 
يصرّ المؤرخون الأوروبيون على اعتبار البحارة المسلمين – الذين حاربوا لوقف الهجمات الصليبية على بلادهم، أمثال الأخوان بربروسا و«مراد رايس» – قراصنة مع أن هؤلاء كانوا مثلًا أعلى في البطولة الوطنيّة، فقد جسد الأخوان بربروسا ومراد رايس في نظر الجزائريين روح المواجهة والاستبسال في المعارك التي خاضوها دفاعًا عن الإسلام في شمال إفريقيا، واستطاعوا جمع سائر مسلمي هذه البلاد لمواجهة أعداء الإسلام، والواقع أنّ البحرية الجزائرية استندت  إلى مبدأ «الجهاد الإسلامي» في محاربة أعدائهم، سواء على الأرض أو في البحر. لذلك فإن ما قام به رجال البحر الجزائريون ضد سفن إسبانيا والبرتغال وفرسان القديس يوحنا كان وفقًا للمصطلحات الجارية في هذا الزمن «جهادًا بحريًا إسلاميًا» جاءت بدايته ردًّا على اعتداءات على المسلمين في إسبانيا وفي شواطئ بلاد المغرب، يضاف إلى ذلك أنه من المعروف أن «القرصنة» لم تكن مقتصرة على مسلمي شمال إفريقيا، ولكنها كانت سلاحًا استخدمه المسلمون وغير المسلمين، فقد استخدمه الإنجليز ضد سفن خصومهم الإسبان، وباركته الحكومة الإنجليزية، كما شهره البرتغاليون ضد السفن الإسلامية بعد موقعة ديو البحرية.
 
الرايس حميدو أمير البحار
 
محمد بن علي الملقب بحميدو، ولد في حي القصبة العريق عام 1770م من عائلة جزائرية، قدّر عدد البحارة في عهده بأكثر من 130 ألف بحار، أشهر  السفن الحربية الجزائرية وقتها  كانت «رعب  البحار» و«مفتاح الجهاد» و«المحروسة»، كما تمكّن الأسطول الجزائري من الوصول بعملياته إلى أسكتلندا والمحيط الأطلسي، حيث  قتل الرايس حميدو عام 1815 في معركة مع البحرية البرتغالية والأمريكية.
 
كان صعود الرايس حميدو وتسوده للأسطول والبحرية الجزائرية يتوافق مع القيام بالثورة الفرنسية ومجيء نابليون بونابارت للحكم في  فرنسا، استغل حميدو فرصة الفوضى التي أعقبت الثورة الفرنسية وأوروبا على العموم بتقوية الأسطول، إذ استطاع الاستيلاء على واحدة من أكبر  سفن الأسطول  البرتغالي وهي السفينة «البورتقيزية» المزودة بـ44 مدفعًا وأسر بحارتها الـ300، إضافة إلى اغتنامه السفينة الأمريكية «أمريكانا»، هذه القوة التي  فرضها حميدو جعلت أمريكا تعلن الحداد ثلاثة أيام على وفاته.
 
أمريكا تدفع الجزية للجزائر لحماية سفنها
 
في عهد قيادة رايس حميدو للبحرية الجزائرية فرضت الجزائر ضريبة على الولايات المتحدة، فبعد أن نالت أمريكا استقلالها عن بريطانيا، وكانت الجزائر أوّل بلد  يعترف باستقلالها، بدأت السفن الأمريكية ترفع أعلامها لأوّل مرة اعتبارًا من سنة 1783، وأخذت تجوب البحر الأبيض المتوسط، وقد تعرّض البحارة الجزائريون لسفن الولايات المتحدة، واستولوا في يوليو (تموز) 1785 على إحدى عشرة سفينة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية وساقوها إلى السواحل الجزائرية، ولحداثة استقلال الولايات المتحدة وعدم توفرها على قوة بحرية رادعة، كانت عاجزة عن استرداد سفنها بالقوة العسكرية، فقد اضطرت إلى الصلح وتوقيع معاهدة مع الجزائر في 5 سبتمبر (أيلول) 1795، تدفع بموجبها واشنطن مبلغ 62 ألف دولار ذهبًا للجزائر لقاء حرية المرور والحماية لسفنها في البحر المتوسط. وتضمنت هذه المعاهدة 22 مادة مكتوبة باللغة التركية.
 
الحرب الجزائرية – الأمريكية: بداية نهاية الأسطورة الجزائرية
 
عندما جاء الرئيس جيفرسون إلى الحكم رفض دفع الجزية المقررة، وردت البحرية الجزائرية بالاستيلاء على السفن الأمريكية العابرة للبحر المتوسط، على إثر ذلك أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية قطعة بحرية إلى المتوسط؛ لأجل الانتقام للهجمات التي تعرضت لها سفنها عام 1812، وكانت هذه القطعة بقيادة كومودور دوكاتور، وكان من المهام المكلف بها هذا القائد إجبار الجزائريين على تقديم اعتذار للولايات المتحدة واسترجاع الأسرى الأمريكيين، وإنهاء دفع الجزية المفروضة على السفن الأمريكية في المتوسط، والسماح لها بحقوق الزيارة.
 
وأرسل الرئيس الأمريكي بعض سفنه للقضاء على الرايس الكبير، ونشبت معركة كبيرة بينهما؛ انتهت بانتصار الأسطول الأمريكي، وجرت المفاوضات لعقد المعاهدة في 30 يونيو 1815 بناءً على الشروط التي وضعتها الولايات المتحدة، من أهمها عدم دفع الأمريكيين جزية سنوية للجزائر. وفي 22 ديسمبر (كانون الأول) 1816 صادقت الجزائر على عدم دفع الأمريكيين أية جزية للجزائر اعتبارًا من ذلك التاريخ، وعدم إعادة السفينتين الجزائريتين.
 
اتحاد الأعداء جميعًا
 
كانت الدول الأوروبية تدفع ضرائب  للجزائر لحماية سفنها العابرة للمتوسط ، وأورد المؤرخ الفرنسي ليون فالبير قائمة بالمبالغ التي كانت تدفعها دول أوروبا إلى الجزائر لحماية سفنها في البحر المتوسط على النحو التالي:
– مملكة الصقليتين: تدفع مبلغ 44 ألف بياستير سنويًّا منها 24 ألفًا نقدًا والباقي في شكل بضائع.
– مملكة توسكانيا الإيطالية: تدفع 23 ألف باستير كلما جددت قنصلها بالجزائر.
– مملكة سردينيا الإيطالية: تدفع مبلغًا كبيرًا من المال كلما جددت قنصلها بالجزائر.
– البرتغال: تدفع مبلغ 44 ألف بياستير سنويًّا.
– إسبانيا: تدفع مبالغ مالية كلما جددت قنصلها.
– النمسا: تدفع هدايا دورية مباشرة وعن طريق الدولة العثمانية.
– إنجلترا: تدفع 600 جنيه إسترليني كلما جددت قنصلها.
– هولندا: تدفع 600 جنيه إسترليني.
– أمريكا : تدفع 600 جنيه إسترليني، ثم ارتفعت إلى 62 ألف دولار.
– مملكتا هانوفر وبريم الألمانيتان: تدفعان مبالغ مالية كبيرة كلما جددت قنصلها.
– السويد والدانمارك: تدفعان مبالغ مالية كبيرة سنوية في شكل مواد حربية قيمتها 400 باستير.
 
معركة نافارين ونهاية أسطورة الأسطول الجزائري
 
وقعت معركة نافارين في 20 أكتوبر(تشرين الأول) 1827، وكانت من أعنف المعارك البحرية بين الأساطيل العثمانية والجزائرية والمصرية وبين الأساطيل البريطانية والفرنسية والروسية من جهةٍ أخرى. وقعت في خليج نافارين جنوب غرب اليونان، انهزم العثمانيون فيها هزيمة كبيرة، وقد كانت بداية الانهيار البحري للإمبراطورية العثمانية، وسقوط الجزائر عام 1830 تحت الاستعمار الفرنسي، ونقطة فاصلة نحو استقلال اليونان من الحكم العثماني.
 
اقرأ أيضًا: هل صدقت أن الجزائر قد استُعمرت بسبب ضربة مروحة؟
 
الخوف من التوسع العثماني في أوروبا الشرقية، ورغبة التملك والتسلط التي كانت عند قياصرة روسيا نيقولا الأول وألكسندر الثاني، والخطر الذي كان يمثله الأسطول العثماني/ الجزائري/ المصري ببسطه السيطرة على المتوسط، كان أحد أهم الأسباب التي عجّلت بمعركة نافارين. إلاّ أنّ اتفاقية لندن الموقعة في 6 يوليو(تموز) 1827، والتي بموجبها  صار كل من فرنسا، بريطانيا العظمى وروسيا ضامني الحكم الذاتي لليونان في إطار الخلافة العثمانية، كان السبب المباشر في اندلاع المعركة.
 
تدفعان للجزائر
 

دخلت الجيوش الأوربية المتحالفة إلى مرفأ نافارين دون أن ترفع أعلام الحرب؛ لذا فقد كان دخولها دخول خديعة، وقامت هذه الأساطيل بمباغتة الأسطول العثماني المصري الجزائري المشترك، وأطلقت عليه النيران فهزمته هزيمة نكراء، وأغرقت السفن، وهي مفاجأة لم يكن يتوقعها أحد، وكانت الضربة الكبيرة في  هذه المعركة قد تلقَّاها الأسطول الجزائري الذي وجَّهت غالبية قطعه الحربية لمساندة الأسطول العثماني  والمصري ضد القوى البريطانية الفرنسية والروسية، حيث كان الأسطول الجزائري بمثابة رأس الحربة في المعرك، لذلك كانت كلّ الهجمات ترتكز عليه؛ ما نتج عنه  فقد معظم قطعه، وتحطيمه تحطيما كليّا، وترتَّب على ذلك ضعف عسكري جزائري في البحر المتوسط.
 
وتُعَدُّ معركة نافارين واحدة من المعارك البحرية التي غَيَّرت مجرى التاريخ، وغَيَّرت خريطة السيطرة على المتوسط ، وأسفرت عن صعود قوى جديدة وانهيار أخرى عريقة، وكانت خلاصتها هو الانهزام الذي وقع لأكبر الأساطيل البحرية، وهو تحطُّم الأسطول العثماني والجزائري، وأصبحت بمثابته البحرية الجزائرية  في موضع الضعف والانهزام، بعد أن كانت في موقع القوة والنصر، واستقبلت الشعوب الأوربية هذه الحادثة بمظاهر الفرح والسرور، وهو ما شجَّع شارل العاشر ملك فرنسا على فرض حصار بحري؛ انتهى باحتلال الجزائر في 1830م؛ أي بعد ثلاث سنوات من معركة نافارين.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات