البائس "أحمد".. أعلن الحرب على أمريكا ثم هَلكَ على قارعة الوادي (قصة إنسانية)

البؤساء يرحلون دون ضجيج
مُسند للأنباء - خاص   [ الجمعة, 23 يونيو, 2017 12:14:00 صباحاً ]

لا يزال في هذا العالم ما يثير..فثمة من يضيق بهم الوطن على رحابته. حين يلتحفون السماء ويفترشون الأرض التي تستغرب من فضاضة الإنسان على ظهرها. ينخرهم الجوع ويعصرهم المرض. ثم يرحلون بصمت عن هذا العالم.. 
 
 وغير بعيد من هؤلاء، ثمة من يتخمون في لهوٍ عابث، غير عابئين إن هلك مئات البائسين في الشعاب القَصِيَّة تحت وطأة وباء معدٍ تخلص منه العام قبل قرن من عمر الزمان.
 
في اليمن فقط، تجد أوضح تجليات ذلك التباين المسرف بين النموذجين سالفي الذكر، ولعل ذلك هو ما حرك وجدان الكاتب جازم  غانم سالم، وهو يزجي هذه القَصة وحياً على لسان "أحمد"، واحدٌ من بؤساء هذا الوطن، وأضرابه كثيرون.. نقبّوا في البلاد وما من محيص..! فشرع يقول:
 
بطاطا بطاطا ...واربع كدم واربع طماطيس بنأكلها ....
هل تعرفون من بالصورة !؟؟
بالتأكيد لا احد منكم يعرف من أنا ؟
بإستثناء القليل من أبناء منطقتي وسحول بني ناجي !؟
لكن بالتأكيد أن صورتي قد لفتت إنتباهكم جميعا رغم مشاغل الحياة و معاناتكم في هذا البلد الموجوع ..
و ما أثق فيه هو إعادة تأملُكم في هذه الصورة مرة أخرى بعد قراءتكم لهذه السطور ..
حسنا أرجو أن تبقوا معي ولو قليلا لتعرفوا عني الكثير و لتقرأوا قصتي حتى النهاية ..
صحيح أنني لم أكون رقما عظيماً في حياتكم كما هو حال الكثيرون من أمثالي في هذا الكون !
لكنني لربما اكون رقما له وضعه وامتيازه عند من خلقني ..
حسناً , فلنبدأ : 
إسمي أحمد العنسي ..
من أبناء اللواء الاخضر _ بعدان _ عزلة ريمان _ قرية قماله
ابلغ من العمر بِضعاً و خمسين عاماً ..
كنت في السابق جنديا يخدم الوطن في معسكر الحمزة قبل قرابة الثلاثة عقود من الزمن , ثم أصبت بفزعة و أنا نائم في المعسكر من أحدهم أدخلتني في حالة نفسية معقدة وأنا في عز شبابي من ثمانينات القرن الماضي ..
و فيما ظل الجميع يتقاسمون تصنيف حالتي ما بين الجنون و ( الهبالة ) ..
لم أتزوج منذ ذلك الحين مطلقا نتيجة لوضعي النفسي ..
جميعهم تخلوا عني ..
والدي واخوتي جميعهم .., عدا أمي والتي عانت معي كثيرا وهي تحاول ان تخرجني من هذه الحالة التي أنا فيها ، ليصير بها الحال الى أن ترمي نفسها وتنتحر في إحدى آبار القرية كما سمعتهم يتحدثون حينها ..
كم بكيت لأجلها , اذ لم يكن من أحدٍ يهتم لأمري سواها ..
و من حينها و مرقدي الشعاب والجبال والوديان فيما لا لحاف لي من شئ سوى السماء ..
أجوب القرى والجبال والوديان والشعاب حاملاً ملابسي وقطعا من الحديد واغراض اخرى ، الكثير يستغرب ماالداعي لحملها معي !!
ولا طعام لي الا مما يجوده الخيرون من الناس ، بل أنني كنت إذا ما اوجعني الجوع أصرخ وأنا أمشي في الاسواق و بين منازل القرية مرددا عبارة ( بطاطا بطاطا .. واربع كدم واربع طماطيس بنأكلها ) ..، ليفاجئني بعضهم بما تجوده انفسهم من طعام ..
ولا أخفيكم بأن بي من الوداعة والطيبة ما لا تملكه قرى بأكملها ، ليس بشهادتي ولكن بشهادة الكثير من أهل القرية حتى اسألوهم اليوم لتتأكدوا من ذلك !!
و رغم ذلك كم كنت اتعرض للضرب المبرح والشماتة من بعض اهلي وأهل القرية لسبب لا اعرفه؟؟ ..
وما من سبيل لي للدفاع حينها غير أنني انتزع قلمي من جيب ثيابي المهترئة كسيف حميري أصيل صارخا فيهم ( اشخطه , اشخطه) لأتوعدهم لحظتها بإحضار طقم عسكر لضبطهم متوجها بعدها مشيا على الاقدام لمدينتي الخضراء إب والعودة للقرية فارغا دونما إحضار شئ !!
ربما كان ضربهم لي حينها ليروا مني ردة فعلي كي يضحكوا بعدها !!
يالقساوة قلوبهم ..
لأظل أنا في المساء بعدها أبكي لوحدي متألما من الآثار الناجمة من اعتدءآتهم ، لكنني وبعد انتهائي من بكائي أنتصب كالرمح في صدر الجبل مردداً : لن أسامحكم يا عملاء امريكا واسرائيل , لا أنا و لا حتى صدام حسين , لن نسامحكم..
أيضا مما لا تعرفوه عني أنني كنت أحب الرئيس الراحل صدام حسين كثيرا ، حتى لأنني كنت اردد ليلاً في تخوم الجبال قائلا : يا صدام سير سير واحنا بعدك بالمسير !؟
وكانت الاحجار والاشجار و الطيور الساهرة معي جميعها تردد ذات النداء بعدي !؟
نعم كنت وحدي اسمع ترديدها لهُتافاتي تلك دون الجميع !!
و آخ لو تعرفون كم بكيت عليه حين علمت بخبر استشهاده !؟
و من يومها اعلنت الحرب على امريكا واليهود و كنت اصرخ ليلا في شعاب الجبال متوعدا إياهم بسحقهم !
و كم كان البعض يتندرون ويضحكون حين أسمعهم اشعاراً في حبي لصدام حسين و بطولاته ..
وأكثر ما كان يسعدني هو تصفيق اولئك الاطفال الصغار لي بعد أن أكمل قراءة قصائدي ..
يومها كان يسخرون حين اقول لهم : ستصيبكم لعنة صدام حسين ايها الاعراب !؟
هههههه لكن اليوم أنا من يسخر منهم !
حقاً , كرهت امريكا ورئيسها بوش حتى لأنني كنت اقتطع ( البوش ) من كل سيجارة اشربها ! 
وكيف لي أن أضع بوش الذي أكرهه على فمي وهو قد قتل أعز الناس الى قلبي !!
كنت أشرب السجائر دون ( بوش ) , رغم أن ذلك يؤلم صدري , لكنني لست كبقية الرجال , أنا على مبدأي !!
.....
تدور الايام وأنا كما أنا أتوه وأجوب الشعاب والوديان والجبال حتى قبل أيام مضت ..
أيام رمضان التي احبها كثيراً لإحسان الناس لي أكثر من بقية الايام ..
تمتلئ معدتي بالطعام على غير بقية الايام ، بل بالفواكه ايضا والتي لا اجدها الا في هذا الشهر الكريم او ما ندر في بعض الشهور !
لكنني و منذ يومين لم أعد اشتهي شيئا أو آكل شيئاً ، هربت هناك الى الجبال والوديان بعيدا عن أعين الناس و ذلك بعد أن أصابني إسهال شديد و أصبحت اتقيأ بكثرة ..
أصابني الإنهاك و التعب و بالكاد كنت انزل للسائلة لأفرغ ذلك الجحيم من جوفي ..
لكنني اخر مرة لم استطع النهوض من تلك السائلة!؟
ظللت في مكاني ممددا ، والطيور من حولي ترقبني بحزن لما وصلت اليه ، فهي أكثر من تحبني لأنني لا أؤذيها كما يفعل البعض معي و أيضا لعشرتي الطويلة معها و لما اجود به من فتات بقايا الطعام عليها دائماً ..
نعم .., 
لا أدري ما الذي أصابني ، لعلها تلك الكوليرا اللعينة التي سمعت الناس يتحدثون عنها عند السوق ..
آخ لو تعلمون كم طال زمن ذلك النهار بعذاباتي و أنا مُمدد في السائلة كغصن شجرة يابس ألقته الرياح على سطح بحيرة هادئة !
لكنها اخيراً ها هي الشمس تغرب لتتركني الطيور ايضاً غاديةً نحو صغارها في أعشاشها ، لتتركني وحيداً لله والسماء التي لم أعد استطيع أن أحرف نظري إلى سواها ..
كم أنتِ رحيمة أيتها الطيور , و لكأنكِ تعلمين أنكِ لن ترددي بعدي أي من أشعاري التي أصدح بها كل مساء ..
وأظَنُ ذلك هو سر إنتحاباتكِ الليلة في حضرتي !؟؟
أنتي لستِ كاولئك البشر والذين لن يأبهوا أو يعلموا بحالي وذلك بعد أن تعالى في السماء صوت أذان المغرب ، جميعهم حول اطفالهم و اهلهم و موائدهم ، فيما أنا وحدي هنا أتعذب بذلك الشئ الغريب الذي ينهش أمعائي ..
آخ آخ لا أحد سينقذني مما أنا فيه ؟
ليتك كنت موجوداً بالقرب من هذا الوادي يا عمر ، لربما كنت تنقذني مما أنا فيه !؟
نعم , فقد سمعت شيخ المسجد ذات جمعة وهو يردد قولك : لو أن دابةً تعثّرت في العراق لخفت أن يسألني الله عنها: لِمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر؟
وهاأنذا أصارع الموت في اليمن و أنا بشر ولا وجود لك يا عمر !؟
اين أنت يا عمر ، كنت في زمانك تهتم لأمر بغلة ان تعثرت في العراق وها هو احمد العنسي صاحب القلب الطيب قد تعثر في سائلة سحول بني ناجي ، تعثر جائعا مريضا وحيداً ولا يستطيع حتى أن يُحرك شئ من جسده عدا جفونه ..
هل تسمع صوتي يا عمر !؟
أين أنت اليوم يا عمر !؟.
أليس في زماننا هذا عُمراً آخر مثلك !
يا للزمان الذي أتيت فيه يا أحمد العنسي أنت والكثيرون مثلك في هذا الوطن !
ليتك كنت في زمان عمر ..
يا إلهي , ما هذا , إنها حبات مطر تتساقط على جسدي , يا لحلاوة مذاقها وأنا أُصارع سكرات الموت !
كعادتي لا أخشاها هذه الأمطار و أهرب منها كالبقية بل أنها هي الشئ الوحيد الذي يحتاجه فمي الجاف منذ يومان , لكن ويا لسوء حظي لا استطيع النهوض والرقص بينها كعادتي ..
آخ يا أيها الوجع الذي تقطع أمعائي متى تبرح عني , ها هما جِفنا عيناي يوشِكا أن يُغلِقا الستار على الفصل الاخير من مسرحية أوجاعي وللأبد فيما أنت ترفض أن تُغادرني !
...
آخ آخ , اخيراً تركتني ..
اه الحمدلله , ذهبت الأوجاع عني ..
و هأنذا أفتح عيناي من جديد بمجرد أن سطع هذا النور القوي المتسلل من السماء خلال الامطار الى وجهي و جسدي ..
هو ليس برقاً , ما هو يا تُرى !؟
ما أروعه , نورٌ ساطع يُصاحبه المطر ..
لأول مرة أشعر بالسعادة وهذا النور يغشى جسدي و ينغمس فيه !
ما هذا الضوء الجميل في عتمة هذا الليل الموحش !
هي المرة الأولى التي أشعر بكثافة من النور تحملني !
من أنتم !؟
و إلى أين تأخذونني !!؟
( احمد ، يكفيك عذاباً يا أحمد ..
بنا معاً نحو هذا الافق الجميل نحو حياة اخرى و أسعد من هذه الحياة ..
يكفي أن يظل أمثالك هنا بعذاباتهم حتى هنا ..
بنا معاً يا أحمد ..
ستترُك هذا الجسد الموبوء بالاوجاع هنا على هذه المحطة القصيرة !! )
...
حقاً يا لتعاسة ما كنت فيه ..
ها أنذا أطير محلقاً في رحاب الله ..
ها أنذا أراني ممداً هناك في سائلة سحول بني ناجي ! وحيداً فيما بصري شاخصاً بعينان تلاحقاني ..
لن أودعكم بالطبع فبالقريب لنا لقاء و قضاء عادل ..
جميعكم من أحسن لي ومن أساء أيضاً ..
وليس من شئ أقوله اخيراً لكم سوى :
كم أنتم اليوم أشقياء..
كم أنتم اليوم أشقياء ..
 
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات