الأعراس اليمنية متكدّرة لكنها أكبر من مخاوف الحرب

الاحتفالات لم تتوقف حتى أثناء القصف... والبعض استعاض عن القاعات والبيوت بالخيم
مُسند للأنباء - القدس العربي   [ الاربعاء, 14 يونيو, 2017 02:22:00 صباحاً ]

على الرغم مما فرضته الحرب من معاناة كبيرة على اليمنيين إلا أن أصوات وأضواء خصوصية أعراسهم التقليدية لم تخفت، وإن تراجعت بعض مظاهرها، وعلاها تكدّرٍ جراء ما يعيشه هذا البلد الفقير من حربٍ دخلت عامها الثالث وتسببت له بمزيدٍ من الفقر والمرض والتشظي وكثير من الموت.
 
رفيق سلّام، المتزوج حديثاً في صنعاء، لم تمنع ظروف الحرب عائلته محدودة الدخل من إقامة العُرس، وإن ضيّقت عليهم دائرة البهجة… يقول:» إمكاناتنا بسيطة؛ وعلى الرغم من ذلك كان العُرس جميلاً، وكان أجمل بما لم اتوقعه، وهو تفاعل الناس، الذي، ربما، يتجاوز ما كان عليه تفاعلهم مع الأعراس قبل الحرب».
 
ربما يعود تزايد التفاعل الاجتماعي في اليمن مع الأعراس خلال الحرب، إلى كون الناس، في هذا البلد الذي صار ممتلئا بالفاقة، باتوا يجدون في الأعراس مُتنفساً لالتقاط أنفاسهم واستعادة توازنهم نسبياً مع الحياة التي فقدت لديهم كثيراً من مظاهرها ومعانيها جراء الألم الذي تقتض به حيواتهم اليومية مع غياب بصيص أمل بانفراج قريب، لذلك ربما يجدون في الأعراس مناسبة للتُخفف من غُصص هذا الواقع «اللزج»! 
 
للعُرس في اليمن تقاليد وطقوس مرتبطة بوعي اجتماعي وثقافي متوارث يتكرس في خصوصية تتميز بها كل منطقة عن بقية مناطق البلد.
 
في صنعاء، التي يسكنها ملايين اليمنيين من مختلف المحافظات، تشهد أحياء هذه المدينة، التي تكاد تختزل البلد، أعراساً متنوعة التقاليد يومياً، فكل يُقيم عُرسه وفق تقاليد منطقته؛ وإن كان المشترك أصبح كبيراً بين كل أعراسهم وفقاً لمقتضيات الحياة المشتركة للناس مع الاختلاف الذي يكاد ينحصر – نسبياُ – في زي العريس والأهازيج والرقصات بالإضافة إلى مظاهر بعض المراسم، والأخيرة تختلف وفقاً للحالة الاقتصادية.
 
على الرغم من المعاناة الناجمة عن الحرب، والتي بات تأثيرها واضحاً في مستويات وأنماط حياة الكثير في اليمن؛ إلا أن الناس لم يتخلوا عن طقوسهم المتوارثة وبخاصة فّي إحياء مناسباتهم (أفراح وأتراح) على ما في بعض هذه التقاليد من سلبيات. ووفقاً لمحمد أحسن المطري، وهو يملك قاعة إحياء مناسبات في شارع القاهرة في صنعاء، فإن الإنسان يعيش (بهرجة العُرس) مرة واحدة في حياته، على حد تعبيره، مضيفاً: «ولهذا ربما يصرّ الناس على إحياء العُرس بأي امكانات ومهما كانت الظروف حتى لو كانت الدنيا حربا». ويشير إلى أن حجوزات الأعراس في القاعة تراجعت كثيراً جراء الحرب إلا أن أصوات الأعراس ما زالت مسموعة لدرجة الاستغراب من هذا الضجيج وكل هذه الأعراس على الرغم من معاناة الناس. وعوضاً عن استئجار القاعات التجارية لإحياء يوم العُرس، يوضح المطري، أن كثيرا من العائلات صارت تستعيض عن استئجار القاعة بنصب خيام أمام منازلهم لكلفتها المنخفضة بالنسبة لعُرس العريس، أما عُرس العروس فتلجأ عائلتها غالباً للقاعة التجارية والبعض يلجأ لإقامته في المنازل الكبيرة.
 
بعد أن أجّل زفافه أكثر من سنة على أمل أن تنتهي الحرب لم يجد فيصل بُداً من إقامة العُرس، موضحاً أن المعاناة الاقتصادية للحرب قد فرضت تأجيلاً للعُرس غير مرة، كما فرضت ضغطاً وتقشفاً في النفقات؛ وعلى الرغم من الإمكانات الشحيحة؛ إلا أنها لم تؤد إلى أن يكون عرساً ساكتاً (يقصد عُرس لا يسمعه الناس)؛ فمثلاً – يوضح فيصل – لقد فرضت الحرب ظروفاً قاسية لدرجة أننا اُضطررنا لبيع قطعة أرض من أجل العُرس، وعلى الرغم من ذلك اعتمدتُ على قاعة جمعية تعاونية لعدم قدرتي على دفع تكاليف استئجار قاعة تجارية أو نصب خيمة، كما أقمتُ وليمة صغيرة، ونظمنا معظم تقاليد العُرس في منزلنا ومنزل جارنا خلال يومين قبل يوم الزفاف، أما يوم الزفاف فكان في قاعة الجمعية من بعد الظهر حتى المساء، حيث أحيا العُرس مغن ومُنشد مع فرقة شعبية؛ فكان عُرساً لن أنساه لسببين: لأنه عُرسي ولأنه كان في زمن حرب. 
 
وعلى الرغم من محاولات كثير من عائلات العريس والعروس التقشف في النفقات بسبب عوز الحرب؛ إلا أن تقاليد وأصوات الأعراس لم تختف في معظمها، حيث لا يتنازل عنها الناس بمن فيهم من تشهد منطقتهم قصفا جوياً متزامناً مع العُرس… يقول أحدهم ممن تزوج خلال الحرب: لا يمكن لأي عريس أن يشعر أنه عريس من دون أن يشهد طقوس غُسل العريس وأن يرتدي زي العُرس التقليدي وأن يشهد احتفاء الأقارب والأصدقاء به. يضيف: لا يمكن أن أشعر أنني عريس من دون كل تلك الأصوات وذلك الحضور وتلك الأغاني المصحوبة بالرقص الشعبي وانتهاءً بتقاليد الزفة (الزفاف)، وقبل كل ذلك، أجواء استقبال المهنئين والتقاط صور مع الضيوف في جلسة المقيل، والذين يحتشدون ويشاركون أغاني المغني وأناشيد المُنشد المُخصصة للعُرس بما فيها الأغنية التي يُذكر فيها اسم العريس، كما لا أنسى منظر تزاحم أصدقائي على الرقص طوال أيام العُرس. يستدرك: عشتُ تلك الفرحة التي كدرتها الحرب بالتأكيد، لكن من الضروري أن نعيشها؛ لأن العُرس يبقى أكبر من خوف الحرب، كما أن الحرب ستتوقف مهما طالت لكن لن يتكرر العُرس.
 
يتمتع العُرس في اليمن بخصوصية عن البلدان العربية؛ كما تختلف تقاليده من منطقة إلى أخرى داخل البلد. يوضح الباحث في التراث الشعبي يحيى جحاف: «ثمة صفات عامة تشترك فيها تقاليد الأعراس في هذا البلد وخاصة، على صعيد تقاليد الخُطبة وإقامة العُرس في يومين بشكل أساسي للعريس (يوم الحنّة ويوم الزفاف) وأكثر منها للعروس التي قد يمتد عُرسها إلى ما بعد زفافها، منوهاً باهتمام العُرس اليمني بمراسم احتفائية مرتبطة بموروث تقليدي. العُرس في اليمن مازال عُرسان؛ عُرس للعريس وآخر للعروس، ولكل واحد تقاليده؛ فللعريس زي تقليدي ما زال حاضراً، فيما غاب الزي التقليدي للعروس ونساء العُرس اللواتي صرن أكثر احتفاء بالأزياء الحديثة، مع الاختلاف بين المناطق حسب موروث كل منطقة. والأجمل هو أن ضيوف العريس يحرصون على ارتداء الأزياء التقليدية ويشاركون في أجواء الاحتفال التقليدية من خلال الرقص الشعبي؛ فيكون منظر العريس وضيوفه تقليدياً وجميلاً. 
 
وأشار إلى تميز العُرس في اليمن بأهازيج وأغان ورقصات تقليدية خاصة بالعُرس، وهناك منها ما هو خاص بالعريس وما هو خاص بالعروس؛ وهي أهازيج وأغانٍ ورقصات تقليدية مثلها مثل الزي تختلف من منطقة إلى أخرى، وإن طرأ عليها بعض التغيير والتطوير، منوهاً بتقاليد ولائم ومقيل العُرس وما كان يسوده قديماً من تضامن اجتماعي اختفى كثير من مضامينه. يقول جحاف : العُرس في اليمن، مثل غيره من البلدان العربية، ما زال مرتبطاً بتقاليد متوارثة بعضها تغير وبعضها اختفى وبعضها طرأ عليه جديد بفعل متغيرات الحياة وتأثير الثقافات الوافدة عبر الهجرات أو قنوات التلفزة وغيرها، إلا أن العُرس، في هذا البلد، ما زال معناه مرتبطا بقيمة اجتماعية وثقافية لها مساحتها في الوعي العام؛ لدرجة قد لا تغيب هذه التقاليد، كثيراً، حتى في أعراس اليمنيين في مناطق اغترابهم.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات

شارك بكتابة تعليقك *