المرأة شاعرة في الأعمال التجريدية لليمني مظهر نزار

المرأة شاعرة في الأعمال التجريدية لليمني مظهر نزار
مُسند للأنباء - القدس العربي   [ الإثنين, 12 يونيو, 2017 12:38:00 صباحاً ]

تميَّز مظهر نزار (1958)، على مدى تجربته التشكيلية، بالاشتغال على ثنائية المرأة والتراث، وفق رؤية حداثية تنطلق من الواقع، وتستند إلى مخيلة شعرية يغوص بواسطتها في دواخل العالم الأنثوي، والتعبير من خلالها عن أحاسيسه الناتجة عن مشاهداته؛ فتأتي لوحاته لتوحي لا لتُعرّف عبر ما تتناوله من عالم جمالي لا حدود لتفصيلاته الغامضة، ومؤثراته ورموزه المنظومة بإيقاعية، كأنها قصيدة؛ وهي كذلك لكنها مكتوبة بأبجدية لونية يتفرد بها رؤيوياً وتقنياً.
وهي لوحة بقدر ما امتاز بها على مجايليه من فناني الصف الثاني في التشكيل اليمني، بتعبيريتها التجريدية وخصوصيتها التقنية؛ إلا أنها تمثل تحدياً لمهارته في تجديد اللوحة؛ وهو تحدٍ بقدر ما أثبت الفنان قدرته على استغلاله لتعزيز حضوره، يبقى الخوف منه قائماً، وهو خوف لا ينكره الفنان. 
 
نزار، وهو أحد أربعة فنانين يمنيين أسسوا أول جماعة تشكيلية يمنية (جماعة الفن المعاصر) عام 2001، يبقى في كل أعماله مُحافظاً على وحدة وانسجام واتزان التراكيب الشكلانية؛ مُجيداً ببراعة توظيف الرموز بأبعادها الجمالية، التي لا تحجب اللوحة أمام المشاهد؛ بل تحمل المتلقي إلى عالم لا محدود من الإيحاءات… حتى تجده لا يضع أسماء للوحاته، ليبقي للمشاهد حرية الاستمتاع بسينما اللوحة ومعاينتها وفق رؤيته، انطلاقا من أن الإحساس يختلف من شخص إلى آخر؛ وهنا يضع المشاهد شريكاً في اكتشاف اللوحة ونصها البصري. 
 
على اختلاف مراحلها وتنوع تقنياتها يلحظُ المتأملُ في خطوط وألوان أعمال مظهر نزار، تمازجاً بين ما يعيشه في محيطه اليمني، وما درسه وعاشه في الهند؛ وهو البلد الذي وُلد فيه وعاش حتى أكمل دراسته الفنية الأكاديمية عام 1986، ومن ثم عاد إلى بلاده، حيث أخذ يُمارس عمله الفني ويشارك في الأنشطة التشكيلية، فنظَّم عشرات المعارض الشخصية والجماعية داخل وخارج اليمن، ويبرز ضمن أهم فناني جيل ما بعد الرواد في المحترف التشكيلي اليمني. 
 
لعل أهم ما يميز لوحته (التجريدية) منذ بداية تجربته، هو تجردها لرسم المرأة، لدرجة أنه فشل في تقديم لوحة تخلو منها. وعلى الرغم من استفادته من معطيات التراث اليمني والهندي أيضاً في تقديم نساء لوحاته؛ إلا أن اشتغاله على التراث يتجاوز الاحتفاء الواقعي بالانتماء والهوية، إلى التعامل معه كمعطى حداثي في سياق تعبيره التجريدي عن الجمال، استناداً إلى نظرية الواقع من أجل الفن والفن من أجل الجمال والجمال من أجل الإنسان… ولهذا فإن الفكرة والصورة في لوحاته تبدو مختلفة عما هي عليه في الواقع والتراث؛ فالتراكيب الشكلانية تختلف وانسيابية الخطوط وحرارة الألوان وحركة العيون والأطراف بتفاصيل فلكلورية تمنح النصوص البصرية تنوعاً وآفاقاً جديدة، يُعيد معها المشاهد قراءة الواقع بعين جديدة؛ فالنقاب- مثلاً- الذي تكاد تظهر به معظم نساء لوحاته، لم يثر تساؤلاً أو استنكاراً أو فهماً، باعتباره موقفاً مؤيداً من الفنان؛ لأن الفنان تعامل معه وفق رؤية وشكل وتقنية منح النص البصري بُعداً جمالياً ورؤيوياً جديداً ومدهشاً أيضاً. 
 
في لوحته التجريدية قدم مظهر مستوى متقدماُ، خاصة في تعامله الذكي مع المكونات، واشتغاله على أشكال وملامح المرأة بمهارة عالية، خاصة تفاصيلها بما فيها الوجوه والأزياء، وغيرها من المكونات التي لا تقتصر على العالم الأنثوي بمعانيه الإنسانية، بل تشمل أجواء اللوحة الثقافية المستمدة من التاريخ، وتجعل منه جزءاً مهماً من النص البصري، المنظوم بتفصيلات ورموز ومفردات متناغمة، في إيقاع لوني تبدو معه اللوحة كمهرجان… فالفن لدى هذا الفنان هو ليس ما يشاهده وإنما ما يشعر به؛ وبالتالي يكون التشكيل ترجمة تكوينية ولونية لمشاعره، معتمداً في ذلك على التراث الذي يعيد صوغه في كل أعماله، وفق رؤية وضمن مشروع فني التزمه منذ مرحلة مبكرة.
 
إن التراث قد يكون أبرز المعطيات التي يعتمد عليها الفنان في ترجمة مشاعره، عبر فضاءات جمالية لا حدود لغموضها وتأثيرها. كما أن الفنان لابد أن يوظف كل معطيات تراثه وثقافته عبر أطياف شعورية تغوص في الداخل الإنساني، وتترجم رؤاه عبر إيحاءات يتحسسها المتلقي أثناء المشاهدة. الاشتغال برؤى وتقنيات حداثية على معطيات تراثية يبقى جزئية ضمن مشروع هذا الفنان، الذي مازال مستمراً في تطويره وتجديده بمثابرة تُدلل عليها لوحته المتجددة وغزارة إنتاجه، وتواصل معارضه الشخصية، التي تتجاوز الخمسة والعشرين معرضاً حقق فيها حضوراً محلياً وعالمياً.
 
 تعددت مراحل تجربته وتنوعت أعماله مفعمةً بالاختلاف وفرادة الاشتغال اللوني والموضوعي؛ فبعد تجربته المتميزة في الاشتغال على الواقعية معتمداً على الألوان المائية ومن ثم التجريدية؛ وبينهما محطات سريالية؛ جاءت أعماله التجريدية في السنوات الأخيرة أكثر تميزاً في تعبيريتها التجريدية، وأكثر إدهاشاً في اشتغالها على الجرافيك مع ألوان الأكيريلك؛ وهي أعمال تؤكد وصوله إلى مستوى من الحرفية المتميزة في استنطاق قدرات اللون وتوظيفه في الارتقاء بجمالية الرؤية والمشهد، ما يعكس مدى ما يبذله الفنان من جهد في التجريب، وصولاً إلى تقديم رؤيته على سطوح مدهشة البناء تنضح بالمعنى، مُحتفياً باللون بشاعرية تنبض معها اللوحة بالحياة، وفق رؤية خاصة أدخل فيها الكولاج واشتغل أكثر على الألوان، وأمعن في تطوير تراكيبه الشكلانية الخاصة، ما منح الأعمال طاقات جمالية تعبيرية وإيحائية عالية، فاضت معها السطوح والألوان بالأحاسيس، وانطلقَ، من خلالها، النص البصري إلى فضاءات أوسع، خاصة في اشتغاله على تقنية تقطيع اللون وتغطية السطح بمسحة لونية شفيفة. 
 
إن أهم ملامح لوحته التجريدية هو تجردها لرسم المرأة، لدرجة أنه فشل في تقديم لوحة تخلو منها، وفي هذا تنوعت تقنيات وأسلوبيات هذا الفنان في رسم المرأة التي يتعامل معها «كملكة في كل اللوحات»، لكنه أكد مراراً أنها ليست أكثر من مجرد لغة ولا تمت بصلة لعلاقته بالنساء بالواقع. في منجزه التجريدي الجديد، اشتغل مظهر كثيراً على اللونية وبزخرفية عالية، وهي زخرفية يعود فيها دائماً لتراث اليمن، مستحضراً بعض معالم تاريخه ليأخذ منها ما يخدم نصه البصري ورؤيته التعبيرية؛ ولهذا تجد فيها أشكالا تعود إلى مراحل قديمة من تاريخ مملكة سبأ… وعلى الرغم من ذلك لم تغادرها المرأة، بل تجاوزت سكونها وأصبحت، وفق الفنان، تتكلم معه في تعبير عن مدى استشعار الفنان للإحساس المتدفق من لوحته. 
 
المرأة لغة شعرية ترتقي بمحمولات لوحته إلى أن تفيض بقراءة جمالية عالية لرؤية الفنان تجاه الواقع والحياة من حوله؛ فهو يتحدث ويعبر من خلال المرأة التي ليست سوى مرتكز تعبيري لرؤية بصرية، يغوص من خلالها في أعماق إنسانيته ويستنطق ردود فعلها تجاه مجريات الحياة من حوله، بما فيها الحرب الدائرة في بلاده حالياً؛ فالمرأة كانت حاضرة ليقول من خلالها موقفه الرافض للحرب الداعي للسلام؛ كما أكدته أعماله في معرض جماعي عن الأمل والسلام في صنعاء مؤخراً. 
 
مرت تجربته مع اللوحة التجريدية بعدد من المراحل، بدأت برسم المرأة دون أن يروم رســـمها، وظل يرسمها في هيئة ملكة ليعرف ذلك من خلال زملائه، بل كان كلما أمســــك الفرشاة يجد نفسه يرسم امـــرأة، إلى أن حاول أن يرسم لوحة تجـــريدية بدون امرأة، ليفشل حيث كان يجدها تطلّ من خـــلال تلاقي أشكال اللوحة؛ فعاد إلى أسلوبه السابق لتبقى المرأة لغته التجريدية؛ وهي لغة برز من خلالها مدرسة وتجربة خاصة، حتى أنك تعرفه من خلالها بمجرد الوقوف أمامها في أي مكان دون الإمعان في التعرف على التوقيع؛ فله بصمته وألوانه وتكنيكه الخاص وجماليته الفريدة في البناء والتشكيل والتلوين ( تصويراً وتعبيراً).



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات