من الكندي إلى زرياب.. كيف ساهم العرب والمسلمون في تطوُّر الموسيقى عبر الزمن؟

مُسند للأنباء - هاف بوست   [ السبت, 10 يونيو, 2017 10:40:00 مساءً ]

ساهم العرب في تطوير جوانب عدة في الحضارة الإنسانية، إذ ظهرت بصمتهم واضحة من خلال الكثير من الإنجازات في الطب والفلك والعلوم والفيزياء والهندسة وغيرها.
 
إلا أن إسهاماتهم لم تقتصر على الجانب العلمي، بل امتدت إلى الرسم والعمارة والغناء والموسيقى، فازدهر الفن في أوج الحضارة الإسلامية إبان الخلافة الأموية فالعباسية ثم في الأندلس.
 
هذا التقرير يستعرض مراحل تطور الموسيقى العربية وآلاتها وأشهر من كان لهم الفضل عليها حتى نالت الشهرة التي تستحق في كل العالم، والتي تأصرت بها حضارات أخرى أهما الإسبانية بحكم تواجد العرب فيها.
 
بداية العرب مع الموسيقى
 
كانت الموسيقى في الشعر الجاهلي لا تتعدى عملية الترنّم في الشعر، أما الآلات الموسيقية فلم يكن لها أثرها البارز في تاريخ الموسيقى العربية في العصر الجاهلي، إذ كان العرب في ذلك الزمان يؤثرون سماع الغناء الصوتي بدلاً من العزف الآلي ليتسنى لهم تذوق معاني الشعر.
 
واقتصرت مهمة الآلة الموسيقية على مرافقة الغناء الصوتي والتمهيد له.
 
في المخيمات البدوية، أكدت الموسيقى كل حدث في حياة الإنسان، وكانت تزين التجمعات الاجتماعية الخاصة بهم، كما استخدمت لتحريض المحاربين، وشجعت المسافر الصحراوي، واستخدمت في وعظ الحجاج عند الحجر الأسود للكعبة في مكة المكرمة.
 
في أسواق العرب، ولا سيما السوق في بلدة عكاظ غرب الجزيرة العربية، نظمت مسابقات الشعر والعروض الموسيقية بشكل دوري، وجذبت أكثر الشعراء الموسيقيين تميزاً. هؤلاء كانت موسيقاهم أكثر تطوراً من تلك التي تمارس في المخيمات البدوية.
 
في بداية ظهور الإسلام لم تكن الموسيقى والغناء منتشرة بشكل واضح، واقتصرت على أغاني الحرب وأغاني المناسبات الخاصة مثل الزفاف خصوصاً عند أهل المدينة حيث كان يستخدم الدف.
 
ومع اتساع حركة الفتوحات الإسلامية، زاد تواصل العرب مع الثقافات الأخرى في سوريا والعراق ومصر وبلاد فارس، وهو ما أثر بشكل عميق على المجتمع العربي.
 
تعلم العرب العزف على الآلات الموسيقية والعزف على العود خصوصاً من الفرس والروم، واستطاعوا أن يطوروه بما يتناسب مع أذواقهم وأوزان أشعارهم.
 
تكون وتبلور هذا الفن في مدة لا تزيد عن 40 عاماً من القرن الأول الهجري، ولما انتقلت ألحان العصر الأموي إلى العصر العباسي تم جمعها في كتب ومدونات. ويعود الفضل في ذلك إلى ريادة إسحق الموصلي الذي وصفه أبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني، بأنه إمام أهل صناعة الموسيقى جميعاً ورئيسهم ومعلمهم وهو الذي صحح أجناس الغناء وطرائقه.
 
وكان الموصلي يرى أن من حق صناعته عليه أن يحفظ أصولها التي وضعها رواد الغناء والموسيقى في العصر الأموي بالرواية الأمينة المتقنة.
 
وبفضل الموصلي اتسعت وتأصلت عملية تدوين الغناء، ويرجع إليه كتابة أول نوتة موسيقية عربية، وقال عنه الخليفة المأمون إن الموصلي أكثر ديناً وعلماً وعفافاً ومروءة من بعض كبار القضاة والعلماء، وقيل إنه لولا شهرته في الغناء لصار من القضاة في عصره لشدة تمسكه بالعدل، وكان يدخل مجلس الخلافة مع الفقهاء قبل أن يدخله مع المغنين والملحنين.
 
 
الأندلس.. العصر الذهبي
https://www.youtube.com/watch?v=9DTcjm-oZDY
اشتهر في الأندلس الملحن والمغني زرياب، خلال الثلث الأول من القرن الثالث الهجري، وهو الذي هاجر من بغداد إلى المغرب ثم الأندلس.
 
تتلمذ زرياب على يد إسحق الموصلي الذي قدمه للخليفة هارون الرشيد، ويرجع إلى زرياب تطوير العود بإضافة وترين رفيعي الصوت من الحرير وثالث من أمعاء شبل أسد غليظ الصوت. ومن الثابت أن أول من أدخل تحسيناً على العود الفارسي كان الملحن العربي زلزل، أشهر ضارب عود في بغداد في ذلك الوقت.
 
نضجت مواهب زرياب في قرطبة عندما اتصل بملوك الأندلس الذين غنى لهم روائع ألحان مطربي مكة والمدينة وبغداد، وكان زرياب أعظم فناني الأندلس لكنه لم يكن وحده فقد هاجر إلى الأندلس مع عدد غير قليل من مطربي بغداد وملحنيها. في ذلك العصر بدأ الغناء العربي يزدهر وتغنى المغنون بأعذب أشعار الشعراء العرب وعلى رأسهم عمر بن أبي ربيعة.
 
وكان ابن سريح أشهر من غنى في ذلك العصر، فقد بدأ في مكة بالنياحة وأخذ أصول الغناء المتقن من ابن مسجح والعمال الفرس والروم وتعلم منهم العزف على العود ونقل نغماته إلى عروض الشعر العربي، كما أنه أول من ابتكر مقامات الغناء العربي، فكان فناً متكاملاً استكمله إسحق الموصلي وزرياب ونقله عنهما الترك والديلم والعجم والخرز وغيرهم.
 
أهم إسهامات العرب
ربما لا يعرف فنانو ومغنو القرن الـ 21 أن الكثير من حرفتهم هذه تعود إلى إسهامات المسلمين خصوصاً في القرن التاسع.
 
يعتبر الكندي أول من دون الموسيقى بالأحرف الأبجدية، ويشهد على ذلك السلم الموسيقي الذي دونه في مخطوطته الموسيقية، وذلك نسبة لأوتار العود. 
 
وكذلك وجدت مخطوطة للكندي سجل فيها لحن مدون يضعه كتمرين ودرس أول للتلميذ الذي يتعلم الضرب على العود. هذا اللحن يعتبر أقدم وثيقة موسيقية للحن مدوّن ليس عند العرب فقط بل في تاريخ العود.
 
هذا الاختراع هو ما جعل باحثين يقولون إن الجداول الموسيقية الحديثة مستمدة من الأبجدية العربية.
 
أسس زرياب أول معهد للموسيقى في العالم في مدينة قرطبة، حيث اختار تلاميذه الموهوبين ولقنهم الغناء بطرق فنية، تختلف كل فئة منهم عن غيرها تبعاً لاختلاف طبيعة أصوات أفرادها.
 
زرياب هو أول من وضع قواعد لتعليم الغناء للمبتدئين وأهمها أن يتعلم المبتدئ ميزان الشعر ويقرأ الأشعار على نقر الدف ليتعلم الميزان الغنائي، ويعطى اللحن للمبتدئ ساذجاً خالياً من كل زخرفة. 
 
وقد أدخل زرياب على فن الغناء والموسيقى في الأندلس تحسينات كثيرة، أهمها أنه جعل أوتار العود خمسة مع العلم أنها كانت أربعة أوتار، وأدخل على الموسيقى مقامات كثيرة لم تكن معروفة قبله، وافتتح الغناء بالنشيد قبل البدء بالنقر.
 
محمد وأحمد (أبو جعفر) والحسن بن محمد بن موسى بن شاكر، هم رياضيون وفلكيون ومشتغلون بالميكانيكا، من خراسان، عاشوا في القرن التاسع الميلادي. اخترع هؤلاء الإخوة أول آلة موسيقية ميكانيكية معروفة، وهي آلة تعمل بالطاقة المائية وتُشغل أسطوانات قابلة للتبديل تلقائياً. 
 
هذه الأسطوانة ذات الدبابيس على سطحها ظلّت الجهاز الأساسي لإنتاج وإعادة إنتاج الموسيقى ميكانيكياً حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
 
اخترع بنو موسى أيضاً مشغل ناي يبدو أنه كان أول آلة قابلة للبرمجة. صوت الناي كان يصدر من خلال البخار الساخن ويمكن للمستخدم ضبط الجهاز على أنماط مختلفة للحصول على أصوات مختلفة منه.
يذكر أنه من بين العديد من الأدوات التي وصلت إلى أوروبا عبر الشرق الأوسط، كان العود والرهاب، والأخير هو سلف آلة الكمان.
 
تأثير المسلمين على موسيقى أوروبا
 
يمكن الكشف عن تأثير المسلمين على الانتعاش الموسيقي لأوروبا في وقت مبكر من فترة الإمبراطورية الكارولنجية، مصطلح يستخدم أحياناً للإشارة إلى إمبراطورية الفرنجة تحت حكم سلالة الكارولينجيين الذين يمكن اعتبارهم مؤسسي فرنسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة. عندما تستخدم، عبارة الإمبراطورية الكارولينجية فهي تشدد على تتويج البابا ليو الثالث شارلمان بوصفه إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة عام 768.
 
شارلمان حاول محاكاة ومنافسة بغداد وقرطبة. كما دعا العلماء من الخارج إلى بلاطه وقام بإنشاء المدارس. عملية التطوير هذه تمت أساساً من قبل 3 علماء مؤثرين؛ ثيودولفوس، وكلوديوس، وأغوباردوس، وجميعهم كانوا على اتصال مع علوم المسلمين وذلك لأنهم كانوا من القوط، فولدوا أو تعلموا في إسبانيا أو جنوب فرنسا.
 
وبالإضافة إلى صداقته مع الخليفة العباسي، هارون الرشيد، قضى شارلمان 7 سنوات في إسبانيا خلال دولة الأندلس. وفقاً لبعض المصادر، وسع شارلمان في القرن التاسع إلى حد ما، استخدام الموسيقى الكنسية من خلال إدخال بعض الآلات الموسيقية العربية الإسلامية، التي جاءت من إسبانيا أو صقلية.
 
ويلاحظ أن الآلات التي صورت في الكنيسة الإنجيلية في سانت ميدارد في القرن الثامن وغيرها في القرنين التاسع والعاشر، كانت جميعها أجهزة شرقية مستمدة من الحضارة المصرية أو الآسيوية القديمة ونشرت في أوروبا أساساً من خلال المسلمين.
 
وبحلول القرن الـ 11، كان تدفق المعرفة الإسلامية، بما في ذلك الموسيقى، قد وصل إلى أوجه. تم نقل الموسيقى من خلال ثلاث طرق رئيسية.
 
إسبانيا وجنوب فرنسا
 
أدى التواصل الاجتماعي والاقتصادي بين المسيحيين والمسلمين الإسبان وبين المسلمين والمسيحيين الأوروبيين الآخرين إلى نشر المعرفة الإسلامية والفن في جميع أنحاء أوروبا.
 
تأثير الموسيقى الإسلامية في الموسيقى الإسبانية والبرتغالية الفولكلورية حالياً هو واضح تماماً ولا يحتاج إلى أي دليل.
 
هناك قدر كبير من الأدبيات حول هذه المسألة تؤكد الاختراق العميق الذي شكلته الحياة الثقافية والفنية لهاتين المنطقتين تحت الحكم الإسلامي الذي دام 800 سنة.
 
ولعل أول مثال على هذا التأثير موجود في مجموعة كانتيغاس دي سانتا ماريا. تألفت هذه المجموعة في عام 1252 بناء على أوامر ألفونسو إكس إل سابيو، ملك قشتالة وليون، وتتكون المجموعة من 415 أغنية دينية. هذه الأغاني هي أول الأعمال الأدبية المعروفة، والمحفوظة مع تدوين الموسيقى الأصلي، في اللغة الجاليكية.
 
وقد خلصت الدراسات التفصيلية عن هيكلها وشكلها إلى أنها كانت مصدر إلهام مباشر من الموسيقى العربية، حيث كان 335 منها عبارة عن قصائد زجل.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات

شارك بكتابة تعليقك *