قطع العلاقات مع قطر نكسة جديدة للخليج في ذكرى "النكسة"

هذه الحرب المستعرة على قطر ما لبثت أن تهدأ منذ زيارة ترامب قبل نحو أسبوعين للمنطقة وتزعّمه "قمّة الرياض" التي رسمت معالم محور "الاعتدال" المطلوب بوضوح
مُسند للأنباء - نون بوست   [ الثلاثاء, 06 يونيو, 2017 03:10:00 صباحاً ]

في مشهد أقرب للسريالية، وفي الذكرى الـ50 لاحتلال 3 دول عربية وانتكاس الأمة العربية برمّتها على يد "إسرائيل"، أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين، وتبعهما دول وحكومات عربية فجر هذا اليوم، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وإغلاق جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية كافة منها وإليها، ومنع دخول أو عبور القطريين إلى بلادهم "لأسباب أمنية".
 
"اتخذت المملكة العربية السعودية قرارها الحاسم هذا نتيجة للانتهاكات الجسيمة التي تمارسها السلطات في الدوحة سرًا وعلنًا طوال السنوات الماضية، بهدف شق الصف الداخلي السعودي والتحريض للخروج على الدولة والمساس بسيادتها، واحتضان جماعات إرهابية وطائفية متعددة تستهدف ضرب الاستقرار في المنطقة ومنها جماعة (الإخوان المسلمين) و(داعش) و(القاعدة)". كان هذا ما نقلته وكالة الأنباء السعودية فجر اليوم عن مصدر مسؤول، مضيفة: "أن المملكة اتخذت القرار انطلاقا من ممارسة حقوقها السيادية التي كفلها القانون الدولي، وحماية لأمنها الوطني من مخاطر الإرهاب والتطرف".
 
المبررات ذاتها رددتها الإمارات والبحرين وتبعهما مصر وحكومة عبد ربه منصور هادي اليمنية، وحتى الحكومة الليبية المؤقتة، وزادت على ذلك الإمارات بمنع دخول القطريين إليها، وأمهلت المقيمين والزائرين القطريين 14 يوما لمغادرة البلاد لأسباب أمنية. حيث قالت وكالة أنباء الإمارات على حسابها بموقع تويتر: "الإمارات تقرر قطع العلاقات مع قطر بما فيها العلاقات الدبلوماسية، وإمهال البعثة الدبلوماسية القطرية 48 ساعة لمغادرة البلاد".
 
أعلنت قيادة التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن الاثنين إنهاء مشاركة قطر في هذا التحالف "بسبب ممارساتها التي تعزز الإرهاب"
 
كما أعلنت قيادة التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن الاثنين إنهاء مشاركة قطر في هذا التحالف "بسبب ممارساتها التي تعزز الإرهاب"، على حد تعبيرها. وقالت قيادة التحالف في بيان نشرته وكالة الانباء السعودية إنها "قررت إنهاء مشاركة دولة قطر في التحالف بسبب ممارساتها التي تعزز الإرهاب ودعمها تنظيماته في اليمن ومنها القاعدة وداعش وتعاملها مع المليشيات الانقلابية في اليمن".
 
نتائج زيارة ترامب للمنطقة
 
هذه الحرب المستعرة على قطر ما لبثت أن تهدأ منذ زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل نحو أسبوعين للمنطقة وتزعّمه "قمّة الرياض" التي رسمت معالم محور "الاعتدال" المطلوب بوضوح، حيث تم توسيم إيران وأذرعها بالإرهاب والعدو الأكبر، وتم مهاجمة حركة حماس ووصمها بالإرهاب، وكذلك مهاجمة بعض الدول (دون تسميتها) التي تدعم التنظيمات الإسلامية أو تحتويها، وهنا كان المقصود الأكبر من ذلك هو دولة قطر، نظرًا لفتحها المجال لحركة حماس بالعمل على أراضيها واحتضانها لمكتبها السياسي، وكذلك قيادات كثيرة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي التجأت لقطر بعد الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي على محمد مرسي في 2013، حيث اتخذت حينها دولة قطر موقفًا معارضًا لنهج دول الخليج التي أيدت هذا الانقلاب ودعّمته، وهو ما وسّع نطاق الأزمة بينها وبين محور الرياض – أبو ظبي.
 
اختراق وكالة الأنباء القطرية الأسبوع الماضي لا بد أن يكون له ارتدادات كثيرة، فهذا التصعيد الإعلامي غير المسبوق من قبل أبو ظبي والرياض لا بد أن يكون وراءه ما هو أكبر وأعظم
 
كثير من المحللين والمراقبين للشأن الخليجي أجمعوا على أن اختراق وكالة الأنباء القطرية الأسبوع الماضي لا بد أن يكون له ارتدادات كثيرة، فهذا التصعيد الإعلامي غير المسبوق من قبل أبو ظبي والرياض لا بد أن يكون وراءه ما هو أكبر وأعظم، والطريقة التي كان يتم مهاجمة دولة قطر فيها من خلال الطعن في حكومتها وأميرها ورمزيتها وانتمائها للخليج العربي ووصمها بالخيانة، كان من المتوقع أن يتبع ذلك ما هو أسوأ، ولكن ليس بهذه السرعة الجنونية التي تقودها حكومات الرياض وأبو ظبي.
 
ما يحدث الآن هو عبارة عن الموجة الثانية من الثورات المضادة للربيع العربي وحاضنته، لكن يبدو أنها هذه المرة موجة قوية عاتية، وعلى قطر أن تواجهها
 
وعليه، فإن ما يحدث الآن هو عبارة عن الموجة الثانية من الثورات المضادة للربيع العربي وحاضنته، لكن يبدو أنها هذه المرة موجة قوية عاتية، وعلى قطر أن تواجهها وحدها بكل السبل والخيارات المتاحة، فلقد بات من الواضع أن محور الرياض – أبو ظبي متمسّك بمواجهة قطر وحصارها وإضعافها، لإعادتها لبيت الطاعة الخليجي وفرض سياسات عليها لتسير مع هذا الركب دون أي مشاكل أو اعتراضات أو خلاف للموقف الخليجي العام الذي ترسمه الرياض.
 
ما الموقف الأمريكي مما يحصل؟
 
السفيرة الأميركية لدى قطر دانا سميث، سارعت صباح اليوم الإثنين نشر تغريدات نشرتها قبل عدة أشهر وأثنت من خلالها على التعاون مع قطر وعلى دورها في محاربة الإرهاب. وقالت السفيرة دانا شل سميث "يبدو أن هذا وقت جيد لإعادة نشر هذه التغريدة القديمة".
 
كما أعادت سميث نشر تغريدة ثانية في نفس الفترة الزمنية للسفارة الأميركية في قطر تعبّر فيها عن دعم أميركا لجهود الدوحة في مكافحة تمويل الإرهاب وتثمن دورها في التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
 
في هذه الأثناء، طالب وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، دول الخليج الست "بالحفاظ على وحدتها، وتسوية الخلافات التي نشأت بينها مؤخراً"، وأضاف تيلرسون، على هامش مؤتمر صحفي في أستراليا صباح اليوم أن "المطلوب الآن هو معالجة الخلافات القائمة بين دول الخليج، وحدتهما تهمنا، ومستعدون لأي دور في هذا الإطار".
 
وزاد وزير الخارجية الأمريكي بالقول: "يبدو أن التوترات التي بدأت بين دول الخليج قبل أيام قد تفاقمت، من الضروري الآن التحرك لإيجاد حل الخلافات".
 
في الوقت نفسه، نقلت (CNN) اليوم عن وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، قوله إن "الخلافات الخليجية لن يكون لها أية تداعيات على الإطلاق، لجهود محاربة داعش، أنا أدلي بهذا التصريح بناء على الالتزامات التي قدمتها كل دولة من تلك الدول في هذه الحرب".
 
معهد واشنطن للدراساتعلّق على الخلاف الخليجي القطري، وتناول في تقرير نشره أمس كيف تنظر واشنطن إليه، وما طريقة التعامل المتوقعة مع هذه الأزمة؟. حيث أورد المعهد في تقريره أن النهج الأخير للرياض وأبو ظبي تجاه الدوحة قد يخلق التصور بوجود تباين مع السياسة الأمريكية.
 
فقد أعرب كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية الجديدة عن تقديرهم للعلاقة الاستراتيجية مع قطر، بما في ذلك دعمها للتحالف المناهض لتنظيم الدولة، من خلال "مركز العمليات الجوية المشتركة" في "قاعدة العُديد".
 
المعهد أشار إلى أن لدى البعض في واشنطن مخاوف تعكس تلك التي تساور السعودية والإمارات. وما يبعث على القلق بشكل خاص في العاصمة الأمريكية، هو الدعم القطري السياسي وغيره من أشكال التأييد لمختلف قطاعات الإسلاميين السياسيين في جميع أنحاء المنطقة
 
ومن بين هؤلاء وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس الذي اجتمع مع الأمير تميم ووزير الدفاع القطري في الدوحة في نيسان/ أبريل، ووزير الخارجية ريكس تيلرسون، الذي اجتمع مع وزير خارجية قطر في واشنطن في أيار/ مايو الماضي. كما قال ترامب في مقابلة مع الأمير تميم خلال قمة الرياض: "إن علاقتنا جيدة للغاية".
 
ولكن المعهد أشار إلى أن لدى البعض في واشنطن مخاوف تعكس تلك التي تساور السعودية والإمارات. وما يبعث على القلق بشكل خاص في العاصمة الأمريكية، هو الدعم القطري السياسي وغيره من أشكال التأييد لمختلف قطاعات الإسلاميين السياسيين في جميع أنحاء المنطقة، وهو أمر تشاركه واشنطن مع الرياض وأبو ظبي.
 
وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس وأمير قطر في الدوحة قبل نحو شهرين
 
ونبّه المعهد إلى أهمية الدور القطري في المنطقة، فهي من خلال علاقتها مع الإسلام السياسي زاد تأثيرها الإقليمي، من خلال منحها نفوذا على جاراتها الأكبر حجما، وسمح لها بأن تلعب دورا بارزا في التوسط في النزاعات الدولية مع الجهات الفاعلة من جميع الفئات، وقد نجحت في ذلك بالفعل.
 
ضغوطات خليجية على ترامب لعداء قطر
 
المعهد كشف أيضًا أن واشنطن تعرضت إلى ضغوطات متزايدة من دول خليجية لتخفيض الوجود العسكري الأمريكي في قطر أو سحبه، وهو الذي عمل حتى الآن كحماية أمنية هامة للقطريين.   
 
وقالت معدة التقرير لوري بلوتكين تحت عنوان "ترامب، قطر، والرمال المتحركة في الخليج"، إن ميزان القوى بدأ يتغيّر بسرعة وبشكل كبير في منطقة الخليج، منذ انعقاد قمة الرياض في 20 و21 أيار/ مايو، الأمر الذي يخلق وقائع سياسية جديدة في المنطقة.
 
الخلاف المتزايد بين الرياض وأبو ظبي مع الدوحة حول تعليقات مثيرة للجدل للغاية نُسبت إلى الأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني كانت من بين أحد التطورات التدريجية بشأن المصالح الأمنية الأمريكية
 
وذهبت بلوتكين في تقريرها إلى أن مشاركة ترامب في قمة الرياض، فضلاً عن تصريحاته الرسمية، وضعت الإدارة الأمريكية الجديدة بشكل ثابت في المعسكر السعودي عندما يتعلق الأمر بالعديد من خطوط الصدع الإقليمية.
 
ورأى المعهد الأمريكي أن الخلاف المتزايد بين الرياض وأبو ظبي مع الدوحة حول تعليقات مثيرة للجدل للغاية نُسبت إلى الأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني كانت من بين أحد التطورات التدريجية بشأن المصالح الأمنية الأمريكية. ومع أن الدوحة أكدت أن التقارير المتعلقة بالتعليقات المزعومة كانت ملفقة فلا يزال التصدع يتسع على كلا الجانبين.
 
ماذا عن الموقف الروسي من الأزمة؟
 
الموقف الروسي لم يتأخر كثيرًا حول الأزمة القطرية الخليجية، فقد قال رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد للبرلمان الروسي، فيكتور أوزيروف اليوم، "إلى أنه لن تطرأ أي تغيرات في العلاقات بين روسيا وقطر". وأضاف أوزيروف: "بالطبع سندرس بعناية كافة المعلومات، التي تدعيها مصر والسعودية، والدول التي انضمت إليهم بأن قطر ترعى الإرهاب الدولي".
 
موسكو لا ترى سببا للقلق على صعيد الطاقة بعد قرار عدد من الدول العربية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر
 
وتابع المسؤول الروسي قوله: "لكن موسكو لديها استقلالية في تطوير سياساتها تجاه العلاقات الدبلوماسية مع قطر". وفي الوقت نفسه، قال مصدر روسي مطلع لوكالة رويترز "إن موسكو لا ترى سببا للقلق على صعيد الطاقة بعد قرار عدد من الدول العربية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر"، مضيفًا أن "موسكو تخطط لمناقشة الوضع المتعلق بقطر في اجتماع لجنة المراقبة المشتركة بين أوبك والمنتجين المستقلين".
 
هل يكون عداء قطر بداية نكسة الخليج العربي؟
 
سواء أكان اختيار هذا التاريخ وهذا اليوم (ذكرى النكسة) لإعلان هذه الإجراءات ضد دولة قطر بريئًا أو محض الصدفة، فمن المؤكد أنه إذا ما تم تصعيد العداء ضد قطر من قبل الرياض وأبو ظبي ومن خلفهما، ستكون هناك نكسة جديدة نتائجها كارثية على الخليج العربي بشكل خاص، والوطن العربي والمنطقة بشكل عام، فليس من مصلحة دول الخليج تصعيد هذا العداء المستعر ولا من مصلحة شعوبها أيضًا، فهناك عدو مشترك للجميع يقف على الضفة الأخرى من الخليج العربي يدعى إيران وهو يتربّص للجميع.
 
ليس الموقف القطري من إيران هو السبب في كل هذا الحراب والعقاب، لإن دول الخليج جميعها لديها علاقات قوية مع إيران، ولديها تبادل اقتصادي قوي وعلى رأسها دولة الإمارات
 
وإذا ما استمرت أبو ظبي والرياض في تعنّتها في تصعيد الصدام مع قطر فمن المحتمل أن ينفرط عقد دول الخليج العربي، وربما يتمثل ذلك في حل مجلس التعاون الخليجي، فدول الخليج ليست على قلب رجل واحد اليوم، عُمان والكويت على سبيل المثال تقف الآن على الحياد دون أن تكون بمعسكر أبو ظبي والرياض والمنامة، وهذا لا يعطي المجال لأبو ظبي والرياض بالاستئثار بالخليج العربي وإدارة سياساته. كما أنه من المحتمل أن تتجه قطر لإيران كالكويت وعُمان اللتان تملكان علاقة جيدة مع طهران، وذلك بسبب إطباق الخناق عليها من شقيقاتها.
 
اليوم تعاقب قطر على وقوفها مع أحلام وطموحات الشعوب العربية التي تاقت للحرية والعدالة الاجتماعية والتحرر من قبضة الحكومات المتسلّطة، فليس الموقف القطري من إيران هو السبب في كل هذا الحراب والعقاب، لإن دول الخليج جميعها لديها علاقات قوية مع إيران، ولديها تبادل اقتصادي قوي وعلى رأسها دولة الإمارات، ولكن تبني قطر لهذه الأحلام ووقوفها مع الشعوب العربية وانتصارها لها وعدائها لحكومات الانقلابات هو السبب في كل ما يحصل لها اليوم.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات

شارك بكتابة تعليقك *