«هذا العالم لم يُحبّنا».. كيف وجد هؤلاء طريقهم إلى الانتقام؟

مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ الخميس, 05 يناير, 2017 06:05:00 مساءً ]

  في سبتمبر (أيلول) عام 1657، أصيب السلطان المغوليّ المسلم في الهند «الشاه جاهان»، بمرضٍ شديد، كان الحكم سيؤولُ من بعده لابنهِ الأكبر -والمفضل لديه- «دارا شيخوه»، لكنّ أخاه الأصغر «أورنجزيب عالم كير»، كان لديهِ مخطَّطٌ آخر، فقد اتهم أخاه الأكبر بالإلحاد، وخرج عليه، واستطاع أن يقتله بالفعل ويُنحِّي بقية إخوته بالسيف، ويُحكِمَ سيطرته على إمبراطورية الهند الكبيرة عام 1658. كما وضع والده الشاه جاهان في القلعة، ونحَّاه عن أية قرارات تتعلق بالدولة، لمدَّة ثماني سنوات إلى أن وافاهُ الموت!
كان أورنجزيب رجلَ حروب، وقد دخل في معارك طيلة 26 عامًا ليسيطر على كامل الهند، ووصل بالإمبراطورية الهندية إلى آفاقٍ جغرافيةٍ لم يصل إليها أحدٌ قبله أو بعده، منع أورنجزيب العزف في كامل مملكته، وهدم معابد الهندوس، كما أنهى على تراثٍ كبيرٍ من اللوحات الفنية، وحظر الرَّقص وكتابة الوثائق التاريخية. الـ 26 عامًا من الحروب أضعفت الإمبراطورية الكبيرة التي بناها أورنجزيب وحكمها طيلة خمسين عامًا، وأوقعها في مشكلاتٍ اقتصادية، واستطاعت بعد ذلك الإمبراطورية البريطانية أن تتوغل في الهند، ثم تُحكم سيطرتها عليها كاملةً!
 
على فراش موته، أخبر أورنجزيب ابنه بالتالي:
 
"قد أتيتُ وحيدًا .. وسأرحلُ غريبًا، لا أعلمُ من أنا، أو ماذا كنتُ أفعل"؟!
 
يمكننا الآن أن نفهم الكثير مما حدث أو يحدث في العالم، قد يصلُ شخصٌ ما إلى الحكم لأسبابٍ يمكن أن نصفها بـ «القدريَّة» مثلًا، ويبدأ في تنفيذ كلّ ما هو داخل نفسه وذهنه، الأخطر أن تستحوذ على شخصٍ في مكان مسؤوليةٍ عامة مخاوفَهُ وخواطِرهُ الشخصيَّة، لا يمكن بالطبع أن نطلق أحكامًا عامَّة، ولكن إذا كان «الإنسانُ أسيرُ طفولتِهِ»، كما يقول سيجموند فرويد، فإنّ هناك الكثير لنبحثّ عنهُ في ثنايا حيوات المستبدِّين، والقتلة، ربما تحكَّمت مخاوفهم في قراراتهم، وربما أيضًا لم يُعطهم العالم: الأب، والأم، والمجتمع، والدولة، ما كانوا يطمحونَ إليه أو يحتاجونه، فقرروا الانتقام. أو ربَّما –وهي حالة أورنجزيب– لم يكونوا يعرفون سببًا لما يفعلون، فخَطَرُ القلق الوجوديّ مدمِّر!
 
هتلر.. «الفنان الذي رُفض مرتين»
"إن ما يستدعي الكره، هو ذلك الجزء من الذات المتعرِّض للإهانة والإذلال. الجزء الخاص بالدموع والشقاء، فهو الذي يُفصِحُ عن الحقيقة التي نودُّ كتمانها. *أدولف هتلر"
 
لنبدأ من البداية، ولكن قَبلَ أن نبدأ، فالاقتباس السابق يمكن أن يوضِّحَ لنا كيف يتعامل أدولف هتلر «الفوهرر» مع الجزء الضعيف منه، مع الدموع والشقاء، وحين نتحدث بعض الشيء عن طفولة هتلر سيتضح بشكلٍ أكبر هذا الاقتباس السابق، عن هتلر الذي لم يبكِ، ولم يسمح لنفسه بذلك أبدًا.
 
كان والد هتلر ابنًا غير شرعيّ لفتاة مزارعة، تزوجت الفتاة من شخصٍ يُدعى «هتلر»، ولكنَّ هتلر توفي، وتزوجها من بعدهِ أخوه «يوهان»، قام يوهان بتبنِّي الطفل غير الشرعي ونسبهُ إليه، هذا الطفل هو أبو أدولف هتلر. خرج «آلويس»، أبو هتلر شخصًا فجًّا، حادّ الطباع وسكيرًا، ولكنَّهُ مع ذلك كان مجتهدًا ووصل إلى منصبٍ مهمٍّ في مصلحة الجمارك. هناك تفصيلةٌ صغيرة يجبُ أن نشير إليها، وهي أنّ والد هتلر تزوَّج أولًا وقبل وفاةِ زوجته، حين مرضت، استعان بابنة عمه كلارا لتقوم بأعباء المنزل، ولكنهُ لم يحتمل وجودها دون أن يضاجعها. توفيت زوجته فتزوج كلارا (كان في الثامنة والأربعين وهي في الرابعة والعشرين حينها)
كان أولاد كلارا دومًا يموتون صغارًا، لكنّ أدولف الصغير، ظلّ حيًّا، فكانت أمه تحبُّهُ للغاية وتحيطه بالرعاية والمحبة الزائدين عن الحدّ. لكنّ والدهُ كان قاسيًا، لم يكن يحبُّ هتلر أو أيًّا من إخوته، كان يضربهم جميعًا عندما يكونُ سكرانًا بشكلٍ دائم، وفي مرحلةٍ ما كان هتلر هو أكثر الأطفال نصيبًا من الضرب والسخرية، كان أدولف الصغير يهرب من أبيه السكِّير، ويقف على تلة صغيرة ويوجِّه خطابات للا شيء، متخيلًا وجود جماهير تحت التلة تسمعه وتنصتُ إليه.
 
ليسَ التقرير ليبحث في الطفولة فقط، إنهُ يبحث عن التناقضات، أو ربما المساحات النفسية الشاسعة، التي قد تكونُ سببًا -إلى جانبِ أسبابٍ أخرى- في صياغة حياة هؤلاء الشخصيات القلقة للغاية. كان أدولف الصغير يتحدَّى أباه، فيفشل في الدراسة متعمِّدًا. في الثالثة عشر من عمر الصغير توفي والده، ولكنّ أدولف لم يتغيَّر أبدًا وظلّ يرسب ويرسب في دراسته.. ثمّ بدأت بعد وفاة أبيه مرحلةٌ أخرى محورية.
 
بعد وفاة والده، كان أدولف الصغير -حبيب والدته- في الثالثة عشر من عمره، سافر إلى فيينا وظهرت ميوله الفنية الكبيرة، دهش أدولف الصغير من عمارة فيينا الشاهقة البديعة، وكان يقفُ بالساعات متأمِّلًا وذاهلًا أمام عظمة المعمار هذه. ظهر هذا الافتتان لاحقًا في لوحاته، نعم قد يعجب القارئ الكريم ولكنّ هتلر كانت لهُ لوحات.
 
بدأ أدولف الصغير أولى خطواته ليصبح فنانًا، مشهورًا كما كان يتمنَّى، فدخل اختبار أكاديميَّة الفنون في فيينا، لكن تم رفضهُ بالفعل لضعف مستواه الفنِّي، وكانت صدمة أدولف الصغير هائلة. بعد فترةٍ أخرى قرر أدولف الصغير أن يخوض غمار التجربة مرةً أخرى، فحلمهُ لن ينهار، وسيصبح فنانًا عظيمًا. ولكنَّهُ هذه المرَّة لم يستطع الالتحاق بأكاديميَّة الفنون بسبب سوء وضعه المادي.
بعدما فشل أدولف -اليافع حينها- أن يصبح فنانًا، أو حتَّى أن يلتحق يأكاديميَّة الفُنون، ترك المنزل الذي يعيشُ فيه، وبدأ ينام في الملاهي والحدائق العامة والملاجئ، ويأكل من الهِبات التي يقدِّمُهَا الناس في شوارع فيينا، لكنَّ هذا الوضع لم يستمرّ، فقد قرر أدولف الفنان أن يرسم لوحاتهُ لأهمّ معالم فيينا، وبدأ في بيعها بمتاجر فنية. عادَ إلى ميونيخ وأكمل شغفه برسم الكثير والكثير من اللوحات (بيعت إحدى لوحاته الركيكة مؤخرًا بـ 161 ألف دولار).
 
مع بدأ الحرب العالمية الأولى كان هتلر في الخامسة والعشرين، دخل هتلر الحرب في الجيش الألماني، أعطتهُ الحربُ ملاذًا من بؤس حياته المتفشِّي، والحزين. أصيب في عينيه في الحرب، وأثناء تعافيه علم الخبر الحزين باستسلام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، صبّ هتلر حينها جام غضبه على اليهود، الذين اعتبرهم سببًا في هذه الهزيمة المنكرة.
 
ودَّع هتلر حلمهُ الفنيّ، المرهف، والحزين.. لكنَّهُ لم يودِّع الشهرة، ولم يترك نفسهُ تحت تأثير ضربات والده المهينة، أو تحت تأثير فشله الرهيب في أن يصبح فنانًا، وأصبح الشخصيَّة الأكثر وحشيَّة في العصر الحديث. الصغير أدولف الذي كان يقفُ فوق التلة ويلقي خطاباته للا شيء، أصبح يُلقي الخطابات للأمَّة الألمانيَّة، يتابعهُ الملايين عبر العالم، ويخافون منه، أين والدهُ السيد «آلويس» الذي رسم له حياةً كحياته ليصبح موظفًا كبيرًا في مصلحة الجمارك الألمانيَّة؟
لقد انتقم هتلر من العالم بالفعل، فهل كان سينتقم لو كانت طفولتهُ أرقّ وأحنّ؟ أو لو أنَّهُ استطاع أن يصبِحَ فنَّانًا بحقّ؟  يمكننا أن نتساءل أكثر حول والده، السيد آلويس، الذي كان لقيطًا لو كان قد تلقَّى حياةً أكثر هدوءًا، هل كان سينتج طفلًا متعصبًا كأدولف الصغير؟
 
لا يمكننا الإجابة بالطبع، ولكن يمكننا أن نسأل سؤالًا واقعيًّا أكثر: هل أوضح لك الاقتباس السابق كيف كان أدولف هتلر يتعامل مع الجزء الضعيف منه؟!
 
أبو بكر البغدادي.. الرجل الذي حلم بعالمٍ مثاليّ دمويّ.. وحقَّقه!
 «مسيرة المجاهدين سوف تستمر حتى تصل إلى روما. *إبراهيم البدري، أو أبو بكر البغدادي»
سيكون من الغريب بالطبع أن يجتمع أدولف هتلر الذي لم يكن مؤمنًا، مع إبراهيم البدري، الملقَّب بـ «أبي بكر البغدادي»، والذي يعتقدُ في الإسلام بطريقتِهِ الخاصَّة، والتي عارضهُ فيها كل من لم يكن منتميًا لتنظيمه، أو لدولته كما سمَّاها «الدولة الإسلامية في العراق والشام». ولكن نعم كلاهما سيجتمعان، ليس فقط في طريقتهما في الحكم على الأشياء، أو نظرتهما لأي شخص أو كيان مخالف لهما باعتبارهِ عدوًّا، وليس في طريقتهما في تنفيذ عقوباتهما على هؤلاء المخالفين فقط، وإنَّما سيجتمعان أيضًا في انطوائيّتهما وعزلتهما الشديدة الذاهلة منذ الطفولة، وسعيهما الحثيث، والمتَّقد، نحو السلطة.
 
كان إبراهيم البدري، طفلًا لأسرةٍ دينيَّة، والدهُ محفِّظ قرآن بسيط، ينتمي لعترة النبيّ مُحمَّد، يصفهُ بحث ويليام مكانتس، الزميل في مركز سياسات الشرق الأوسط في معهد بروكنجز: «كان منطويًا، قليل الكلام، وبالكاد يُسمع صوته عندما يتحدَّث. والجيران الذين عرفوه عندما كان مراهقًا يتذكَّرونه كشخصٍ خجول لا يختلطُ بالآخرين. وحتى عندما كان الناس يصطدمون به خلال مباريات ودية في كرة القدم ، وهي رياضته المفضلة، كان يظلُّ محتفظًا بهدوئه ولا يبدو عليه أيَّ انفعال».
 نفس الصفة ستلاحقه أيضًا عندما يكبر، اجتمع زملاؤه في المعتقل، وجيرانه، وفي تنظيم القاعدة -سابقًا- على وصفه بأنَّهُ كان منعزلًا، ولا يختلطُ كثيرًا بالناس، وقليل الكلام. حلم إبراهيم البدري بعالمٍ مثاليّ، يمكن وصفهُ بالـ«جنينيّ». فالإسلام كان في فترته الجنينيَّة مثاليًّا، فترة حُكم النبيّ مُحمَّد، وخلفائهِ الأربعة، والبدريّ في حالة توقٍ دائم لهذه الفترة، حتَّى أنَّهُ وبعد تأسيس «دولته» اتخذ لقبًا «جنينيًّا»، فلقبُهُ «أبو بكر» نسبةً إلى الخليفة الأوَّل بعد النبيّ مُحمَّد «أبو بكر الصِّديق»، وهو أكبر مثال على محاولاته للعودة دومًا إلى رحم الدين، وفترته الجنينيَّة.
 
لكنَّ البغدادي لم يسأل نفسهُ كثيرًا عن أفعاله، هل قام بها النبيُّ مُحمَّد أو أيّ من خلفائه الأربعة الذين يمثلونَ الفترة الجنينيَّة التي يسعى إليها البغدادي أم لا؟
 
وفقًا لبحث مكانتس السابق ذكره، كان أبو بكر صارمًا مُنذُ صِغَره فيما يتعلَّق بـ «تطبيق الشريعة» وفق تصوراته، فقد منع بعض جيرانه في أحد الأفراح أثناء شبابه من الرقص لأنَّهُ كان يرى أن هذه مخالفة صريحة للشريعة.
 
حلم البغدادي بعالمٍ مثاليّ، لكنَّهُ في الآنِ نفسِهِ دمويّ للغاية، لا يؤمن بوجود أيَّةِ آفاقٍ أخرى غير أفقه، ورغم أنّ علماء الإسلام يؤكدونَ دومًا أنّ «الاختلاف بين العلماء والفقهاء رحمة»، إلَّا أنّ أبا بكر لا يقبل الخلاف أبدًا، فقائمة أعداء التنظيم، تشمل: الأنظمة السياسية بكامل تياراتها، والسنَّة الخارجين عن طاعة أمير المؤمنين أبي بكر البغدادي أمير التنظيم، والخليفة الذي يحكم تمهيدًا لظهور المهدي المنتظر، كذلك تضم قائمة الأعداء الشيعة حيثما وجدوا، والأقليات الدينيَّة، والجماعات الجهادية المنافسة.
 
سُجن البغدادي في «معسكر بوكا» بعد غزو العراق، كان البغداديّ ذكيًّا كالعادة، انطوائي ولكنَّهُ يُتقن صنع التحالفات والأصدقاء، أو فلنقل الأتباع والمريدين، ببراعةٍ ودقةٍ شديدة. خرجَ البغدادي من المعتقل ومعه قائمة بأتباعه، الذين استطاع أن يكوِّن منهم بعد ذلك هيكل «الدولة الإسلامية في العراق والشَّام». الملحوظة العابرة التي يجب أن نذكرها هنا أنّ هواية البغدادي التي برع فيها هي كرة القدم. ففي منطقته كانوا يشبهونه بالنجم العالمي «ميسِّي»، بينما في معسكر بوكا، وأثناء فترة اعتقاله كانوا يلقِّبونه بـ «مارادونا».
استطاع الآن الرجل الانطوائيّ المنعزل، الذي يهوى كرة القدم، ويعشق تحفيظ القرآن وتوجيه الناس للصواب منذ صغره، والمعتقل، ودكتور الجامعة في تخصص علوم القرآن، استطاعَ الآن أن يحقِّقَ كامل أحلامه، أن يصبح مسيطرًا، أن يُطبِّقَ عالمهُ المثاليّ، بالعودة للفترة الجنينيَّة للإسلام، والتي تخالف تمامًا ما وصل إليه البغدادي. لكنّ البغدادي، ربما يكونُ قد فشل في تحقيقِ هدفٍ آخر، الهدف الخاص بكونِهِ كان يمتعضُ بشدَّة حين يفشل في إحرازِ هدف في شباك الفريق المنافس. فربما لم يعد يستطيع البغدادي أن يلعب كرة القدم وهو «أمير مؤمنين». فهل يكفيه انَّهُ حقَّق العالم المثاليّ، الدمويّ الذي حلم به؟!
 
بابلو إسكوبار
هذه المرَّة سننطلق في مساحةٍ أخرى، في أمريكا اللاتينيَّة. عاشَ بابلو إيميلو إسكوبار جافيريا، طفلًا فقيرًا في ريف كولومبيا، لكنّ الطفل الفقير كانَ يحدُوهُ أملٌ خفَّاق، أملٌ في ألا يصبح فقيرًا، أو مهملًا، وكلَّفهُ حلمهُ هذا حياته، وحياة الآلاف من أبناءِ بلده.
 
احترف جافيريا تهريب المخدَّرات، خصوصًا الكوكايين، في السابعة والعشرين من عمرهِ أصبَح عرَّابًا للمخدرات في كولومبيا. بدأ إسكوبار في تمديد تجارته وتهريبه للمخدرات، فأسس «كارتيل ميديلين» مع غيره من كبار مهربي الكوكايين والمخدرات في ميديلين، كان دخل هذا الكارتيل اليوميّ 60 مليون دولار. بهذا أصبح إسكوبار ملكًا للكوكايين في العالم، وأصبح يسيطر على 80% من تجارته في العالم، فخيوط إمداد الكواكيين امتدت ليس فقط لشواطئ ميامي الأمريكيَّة، وإنما إلى بيرو وفنزويلا وبوليفيا والهندوراس. في عام 1989، أدرجته مجلة فوربس كسابع أغنى رجل في العالم، بصافي ثروةٍ بلغت 25 مليار دولار. وصُنّف حينئذٍ كـ «أغنى خارج عن القانون في التاريخ»، بالطبع ليس هذا الجانب هو المهم فقط في حياة إسكوبار، فهو ابن ميديلين الفقير لم ينسَ رفاقه وجيرانه، بل لم ينس الفقراء في ميديلين كلها، فأسس مدارس ومستشفيات ومنازل للفقراء، ولذلك أطلقوا عليه «روبن هود»، وبدأ في استخدام شهرتهِ هذه لحجز مقعد في البرلمان الكولومبي!
 بدأ إسكوبار رحلته في عالم السياسة، ودخل البرلمان بالفعل عام 1982، مرشحًا بديلًا للحزب الليبرالي الكولومبي، الحزب الذي حظي بدعمٍ هائل من أموال إسكوبار التي لا تنفد. في البرلمان لم يرحِّبوا به، فابن ميديلين الفقير لا يجب أن يكون ممثلًا عن الشعب، كانت أموال إسكوبار «مصدر قوته» هي نفسها مصدر ضعفه، فصعوده السريع جعل معارضيه ينشطون في التحقق من مصدر أمواله الكثيرة، كان إسكوبار يقول إن أمواله جاءت من شركة تاكسيات صغيرة يملكها، لكنّ هذه الحجة لم تقنع معارضيه، خصوصًا أنَّه كان قد صرح أنه سوف يقوم بتقديم 10 مليارات دولار لسد ديون بلاده، بالطبع كان يحدو إسكوبار طموحٌ آخر أكبر، أن يصبح رئيسًا لبلاده!
 
استطاع معارضوه، وعلى رأسهم وزير العدل والمدعي العام رودريغو لارا بونيلا، أن يعودوا لسجلاته القضائيَّة، ووجدوا أنّ إسكوبار قد سُجن وهو شاب، عام 1976 بتهمة تهريب المخدَّرات. في الحال، كان الضابطان اللذان قبضا عليه في عداد الموتى. طرد إسكوبار من البرلمان، لكنّ معارضيه، والذين تسببوا في طرده كانوا أول ضحاياه، والآلاف الأخرى من ورائهم، فقد دخل إسكوبار حربًا مفتوحة ومجنونة مع الحكومة الكولومبيَّة، وحتَّى مع السياسيين الكولومبيين.
 
أوَّل هؤلاء الضحايا، كان عدوه الأول، بونيلا الذي تسبب في طرده من البرلمان. فقد قتله شابان يركبان دراجة نارية عام 1984. وخلال ثمانية سنوات قادمة، كان ضحاياه بالآلاف، صحفيون، وسياسيون، ومحامون، ورجال شرطة، وحتَّى المرشحون للرئاسة. فقبيل انتخابات عام 1990 الرئاسية قتل ثلاثة مرشَّحين رئاسيين. كانت -مثلًا- مكافآت إسكوبار لأهالي ميديلين كالتالي:
 
قتل مجنَّد عادي يساوي 1000 دولار.
 
قتل مارتينيز قائد وحدة Search Bloc يساوي 30 ألف دولار.
 
قتل خافيير بينا العميل الأمريكي، يساوي 300 ألف دولار.
 
كان إسكوبار أغنى من حكومة بلاده، وجميع أحزابها السياسيَّة، فكان يستطيع أن يضع مكافآت على رؤوس خصومه، وكان ينتصر دومًا، فقد وصل ضحايا هذه الحرب (1984 – 1991) إلى 7081 قتيلًا، منهم 600 شاب فقط من رجاله. في تلك الفترة صُنِّفت كولومبيا كأول دولة في نسب القتل حول العالم. ولأنّ إسكوبار انتصر على دولته، بعد حصاره للمحكمة الدستورية العليا وتفجير جزءٍ كبيرٍ منها، واحتجاز 300 محامٍ وقاضٍ، اضطر الرئيس بالنهاية إلى توقيع اتفاقية معه لوقف أعمال العنف، سلَّم إسكوبار نفسه للحكومة واعترف بقضية واحدة يحاكم عليها، لكنَّهُ بنى سجنه الخاص ليسجن فيه!
 
لم تدم هذه الاتفاقية طويلًا، فقد قَتَل إسكوبار داخل سجنه الخاص بعضًا من أتباعه وقامت الصحافة وسلَّطت الأضواء على هذا الموقف، فهرب بابلو من سجنه وبدأ في حربه من جديد مع الحكومة، لكنَّهُ هذه المرة قُتل، وحيدًا.. بحارسٍ شخصيٍّ واحد، في أحد بيوت ميديلين الراقية. بلاده، كولومبيا، لم تكن تستطيع أن تقتله لولا اشتراك إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية في الأمر.
ربما يمكننا هنا أن نسلط الضوء على أمرين في حياة بابلو جافيريا، أولًا: الفقر المريع الذي كان يعيشُ فيه ويكرهه كطفل عاش يتيمًا يبحثُ عن مأوى دومًا، النقطة الثانية والأهم والأبرز، عندما قام معارضوه بمواجهته بأنَّهُ تاجر مخدرات ليس إلَّا، كان إسكوبار يعتقد أن السياسيين ليسوا أخلاقيين، مثله بالضبط. بل هو أفضل منهم لأنه يهتم للفقراء حقًّا. مواجهة إسكوبار بحقيقة أنه تاجر مخدرات وطرده من البرلمان، جعلته يبدأ حربًا لمدة ثماني سنوات لم ينهها إلا مقتله. هل يمكن لنا أن نتساءل الآن إذا ما كان أحدٌ ما سيحبُّ أن يمارس قهرًا مكثَّفًا على أحدهم؟!
 
أيهما يخلق الآخر؟
يمكن لنا أن نتساءل عن الظروف التي قد تتسبب في بناء إمبراطورية من «الإرهاب»، أو «الجرائم»، أو أيًّا ما كانت تسميتها. فبعد الحرب العالميَّة الأولى خرج مؤتمر باريس للسلام (1919) بمعاهدة فرساي مع الإمبراطورية الألمانية  المنهزمة، حمَّلوها فيه مسؤولية ما أفضت إليه الحرب، وفرضوا عليها مديونيةً ضخمة كتعويضاتٍ مادية عن الدمار الذي أدَّت إليه الحرب، لكنّ هذه العقوبات الاقتصادية، والحال المتردِّي للجيش الألماني، كان سببًا في صعود هتلر وحزبه، بعد المعاهدة بـ 14 عامًا فقط، الرجل الوحيد الذي أدرك هذه المخاطرة في معاهدة فرساي، كان جون مينراد كينز، حيث استقال من وظيفته في وزارة الخزانة البريطانية، وأنتج كتابه «العواقب الاقتصادية للسلام»، قال في كتابه إنّ تعريض ألمانيا لهذه العقوبات الاقتصادية سيتسبب في ظهور ما هو أسوأ، وهو ما حدث بالفعل.
 
يمكننا أن نضرب مثالًا آخر، وهو «سجن بوكا»، الذي سُجن فيه أبو بكر البغدادي بعيد غزو العراق، واستطاع من خلال هذا المعتقل أن يجمع قاعدة بيانات للأصدقاء، والأتباع، وأن يجد مكانًا خصبًا لأفكاره، ليؤسس «الدولة الإسلامية في العراق والشام»! نعم كان معتقل بوكا هو نقطة الانطلاق. إنّ العنف لن يولِّد إلا المزيد من العنف.
 
«حين تخضع الناس لضغوطٍ لا تُحتمل ولتهديداتٍ دائمة فإنهم مجبرون، إذا ما أرادوا تجنُّبَ الموت، على إيجاد حلول. وهذه الحلول: 1- الجريمة. 2- الفن. 3- الجنون. ستتخذُ بالضرورة طابع المشاكل التي ولَّدتها: التَّطرُّف. *نانسي هيوست» 
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات

شارك بكتابة تعليقك *