«واشنطن بوست»: عالم اليوم يشبه عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى بشكل مخيف

مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ السبت, 31 ديسمبر, 2016 07:26:00 مساءً ]

 هل من الممكن أن تكون الموجة الحالية من صعود القادة اليمينيين وزيادة انتشار الأفكار القومية والفاشية رد فعل عكسي على العولمة؟ وهل اللحظة الحالية فريدة من نوعها؟ هذا ما حاول الإجابةَ عنه هذا التقرير الذي نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.
 
يبدو أنَّ ثمة رد فعل على العولمة، يكتسب زخمًا، حول العالم حاليًا. فالسياسيون الأمريكيون، من اليمين واليسار، يدعون للحد من اتفاقيات التجارة الحرة، التي يزعمون استفادة الأجانب أو النخبة العالمية منها. ودافع الرئيس المنتخب، «دونالد ترامب»، عن فرض التعريفات على البضائع المستوردة، ووضع قيود على الهجرة، وألمح إلى الانسحاب من التحالفات الدولية لاتفاقات التجارة. وفي غضون ذلك، اكتسبت الحكومات الشعبوية والقومية أرضًا جديدة في أوروبا وآسيا، واختار الناخبون البريطانيون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.
 
بالنسبة للبعض، فإنَّ ما يحدث الآن يشبه لحظة مشؤومة أخرى في التاريخ: تلك الفترة التي تمخض عنها اندلاع «الحرب العالمية الأولى»، والتي أنهت عدة عقود من التوسع في العلاقات العالمية التي يطلق عليها الكثيرون أول عهود العولمة.
ونقل التقرير عن «جوش فينمان»، كبير خبراء الاقتصاد العالمي لشركة «دوتش أسيت مانجمينت»، ما قاله، في تقرير في حديث، عن أنَّ العالم قد يشهد تراجعًا في العولمة يمتد لعقود قادمة. وقال فينمان «لقد شهدنا حدوث هذا من قبل، في سنوات الفوضى والانعزالية التي شملت الحربين العالميتين وفترة الكساد العظيم».
 
وأضاف فينمان «إنَّ الموجة الأولى من العولمة، في النصف قرن الذي سبق الحرب العالمية الأولى، قد أشعلت جذوة رد فعل عكسي شعبوي، تمخض في النهاية عن الكوارث التي وقعت بين عامي 1914 و1945».
 الـ بي بي سي: الحرب العالمية الأولى: هل كانت فعلًا الأولى؟
 
وبحسب التقرير، فقد طرح اقتصاديون آخرون نظريات مشابهة في الماضي. إذ قال «برانكو ميلانوفيتش»، و«داني رودريك»، و«نيال فرجسون»، و«فريد بيرجستون» وآخرون «إنَّ العولمة عملية دورية، فهي تتسارع وتتباطأ على مدى عقود، ذلك أنَّ من طبائع الأشياء أنَّ التكامل العالمي ينتج عنه رد فعل عكسي عنيف». ويرى الكثيرون، مثل فينمان، أنَّ الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى تصلح مثالًا توضيحيًا لذلك الأمر.
وأشار التقرير إلى أنَّ التقدم الذي وقع بين منتصف القرن الثامن عشر حتى عام 1914، مثل اختراع السفن البخارية، والتلغراف، والهاتف، وقناتي السويس وبنما ــ أدى إلى تقليص المسافات بشكل جذري، وزيادة التواصل؛ فشهد العالم فترة من العولمة المتزايدة.
 
وبحسب فينمان، فقد ترك حوالي 60 مليون أوروبي البلاد ذات الأجور المنخفضة في أوروبا، إلى البلاد الغنية بالموارد، مثل الولايات المتحدة، وكندا، والأرجنتين، وأستراليا، وأماكن أخرى. كما قللت الدول من الحواجز المفروضة على استيراد البضائع، وانخرطت في التجارة. وكما يظهر هذا الرسم البياني، المأخوذ من تقرير فينمان، فإنَّ البضائع المصدّرة قد ازدادت بوصفها جزءً من الاقتصاد، وهو دليل على العولمة.
ويقول فينمان: إنَّ تلك «التغيرات أدت إلى نشر فوائد الثورة الصناعية حول العالم، لكنها فاقمت أيضًا من عدم المساواة في بعض الأماكن، خصوصًا في البلاد الأغنى؛ إذ أدت التجارة إلى إثراء بعض الناس، دون الآخرين؛ ما قدح شرارة الاضطرابات وردود الفعل السياسية العنيفة».
 
وبحسب فينمان، فقد بدأت الدول، تدريجيًا، في فرض المزيد من الحواجز التجارية والقيود على الهجرة. من ذلك أنَّ الولايات المتحدة مررت قانونًا، عام 1921، بدعم من العمال الأمريكيين، فرض حصصًا صارمة على المهاجرين، خصوصًا الفقراء منهم، أو القادمون من أماكن غير شمال أوروبا. وانهارت العولمة بالحربين العالميتين والكساد العظيم، وسادت الحركات القومية ومبادئ الانعزالية الاقتصادية لعقود.
 
مالت الأمور، في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، ناحية الاتجاه المعاكس؛ فقادت الولايات المتحدة العالمَ في خلق وتوسيع المنظمات الدولية، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، و«الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة» (اتفاقية الجات)، التي بشرت بقدوم منظمة التجارة العالمية. وكل هذه منظمات آمن مؤسسوها أنها ربما تساعد في خلق عالم جديد تكون فيه الحرب العالمية أمرًا محالًا. منذ ذلك الحين، والعالم يعيش ـ فيما يعتقد الكثيرون ـ أنه الموجة الثانية العظمى من العولمة.
 
ونقل التقرير عن فينمان قوله: إنَّ هناك الكثير من الفروقات بين فترات العولمة والانغلاق تلك، «فلم تكن الحربان العالميتان والكساد العظيم مجرد رفض للعولمة فحسب؛ إذ إنَّ رفض العولمة كان نتيجة هذه الأحداث بنفس القدر الذي يعتبر به مسببًا لها».
 
ومع ذلك فهناك بعض أوجه الشبه القوية، بحسب فينمان، الذي قال «إنَّ العولمة الحديثة قد انتشرت على يد بعض القوى التي شكلت عصر ما قبل الحرب العالمية الأولى: التكنولوجيا الجديدة، ونظام اقتصادي عالمي مفتوح مبني على التجارة الحرة والقواعد، تدعمه القوى الرائدة في عالم اليوم، إلى جانب فترة من السلام العام بين الدول الكبرى».
 
أما اليوم، فإنَّ التدفق الحر لرأس المال والتجارة قد تجاوز ما كان عليه الحال في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى. وكما يظهر الرسمان البيانيان التاليان، فإنَّ حصة الأمريكيين المولودين خارج الولايات المتحدة، وحصة الثروة التي يمتلكها أغنى الأمريكيين ــ وهو ما يصلح مؤشرًا لعدم المساواة ــ قد عادتا إلى مستويات ما قبل الحرب العالمية الأولى، بعد أن كانتا قد تناقصتا في منتصف العقد الأول من القرن العشرين.
 
وبحسب التقرير، فقد أدت الموجة الثانية من العولمة، كما كان الحال قبل الحرب العالمية الأولى، إلى ارتفاع كبير في الهجرة، وزيادة في عدم المساواة في بعض البلدان، وهو الأمر الذي من المرجح أنه أسهم في قدح شرارة رد الفعل الحالي.
ويقول فينمان «إنَّ العولمة أبعد ما تكون عن كونها المسؤول الوحيد عن المحنة الاقتصادية التي يعاني منها البعض في الولايات المتحدة وفي أنحاء العالم؛ فقد ساهمت التكنولوجيا، والتغيرات الاجتماعية، والسياسات الحكومية، مجتمعةً، مع العولمة، في تحديد المستفيدين والخاسرين من التكامل الاقتصادي العالمي في العقود الماضية».
 
لكنَّ العولمة أضرت أيضًا ببعض العمال الأقل مهارة بتعريضهم إلى المنافسة. ويقول فينمان «إنَّ العولمة، بالإضافة إلى ذلك، تصلح كبش فداء سهلًا: إذ من الأسهل على السياسيين أن يلقوا باللائمة على الدول الأجنبية على مشكلاتهم، بدلًا من لوم التكنولوجيا، التي عادة ما ينظر إليها بإيجابية».
 
من وجهة نظر اقتصادية، فنحن نرى علامات على تباطؤ العولمة.
فقد توقعت منظمة التجارة العالمية أنَّ النمو في التجارة العالمية سوف يقل إلى 1.7 ٪ عام 2017، وهي النسبة الأقل منذ الأزمة المالية التي حدثت عام 2009. أيضًا، تناقصت حصة الأمريكيين المولودين بالخارج من الثروة، ويشهد العالم المزيد من الحواجز التجارية، وتباطؤًا دراماتيكيًا في صوغ اتفاقات تجارية جديدة.
 مترجم: «جاليبولي»: معركة الحرب العالمية الأولى التي شكَّلت الشرق الأوسط اليوم
http://www.sasapost.com/gallipoli-a-wwi-battle-that-shaped-todays-middle-east/
 
وقال فينمان: إنَّ التهديد الذي يواجه العولمة، حتى الآن، في أغلبه خطر لا حقيقة، «وفي النهاية قد يفوز الأهدأ». واختتم التقرير بالإشارة إلى أنَّ الاقتصاد العالمي لا زال متكاملًا إلى حد كبير، وأنَّ التكنولوجيا الجديدة تربط الناس من كل العالم بروابط أقوى من أي وقت مضى. ومع ذلك، كما يوضح التاريخ، فإنَّ هذه العملية قد تنعكس.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات

شارك بكتابة تعليقك *