أنقذوا ألف بائعة كبريت في ممرات الدموع

الثلاثاء, 27 ديسمبر, 2016 06:19:00 صباحاً


 في عالمٍ يضجّ بصخب السماسرة الأكابر وتجّار الحروب، إذ تلك المستنقعات التي أطبقت واستحكمت، خرجت فتاة حاسرة الرأس حافية القدمين خاوية البطن لا لتحتفل مع المُبتهجين بليلة رأس السنة، وإنما لتبيع الكبريت بما يسُدّ الرمق، لكنها كشأن الكثيرين ممن يعيشون على هامش الحياة، لم يعبأ بها المارة المشغولون بترتيبات تلك الليلة بكل ما تعنيه من مظاهر البهجة والحفاوة بالعام الجديد، فانزوت وحدها حيث الثلوج المُتراكمة وقسوة البرد وضجيج المُحتفلين في غرف الجلوس الدافئة ودموعُ المنسيين إلى ركن تستريح، وقادها خيالها البريء مع كل عود ثقاب تُشعله، إلى أن تُبصر حلماً مع ذلك الضوء الخافت، مائدة تتزاحم عليها أصناف الطعام تارة، تتراءى لها شجرة الكريسماس المضيئة تارة أخرى، ثم تجد نفسها أمام مدفأة تتهادى في كنفها النيران، فتمدُّ قدميها ويديها للتدفئة، فتفيق على برودة تزامنت مع رحيل شعلة العود، وها هي الجدة العجوز الحانية تأتيها مع عود الثقاب الأخير، فتتهلّل أسارير الصغيرة، تهتف بجدتها أن: «خذيني معك»، ليكون ذلك هو الفصل الأخير من سلسلة أحلام تلك الصبية المنسيّة مع أعواد الكبريت. ماتت الصغيرة وماتت معها أحلامها البسيطة، التي تنتمي إلى عالم البسطاء الأشقياء، تلك الأحلام التي تتشابه دائماً ولا تتحقق أبداً.
  ذلك هو مضمون القصة التي كتبها الشاعر والمؤلف الدنماركي هانز كريستيان أندرسن، التي تجسد معاناة شريحة واسعة من البشر الذين يعيشون في منحدرات الحياة، ولا تصلهم إلا المياه الراكدة، أولئك الذين نال منهم البرد القارس كما نال منهم جحود مُدّعي الإنسانية.
  برد الشتاء كان ولا يزال مُلهماً للشعراء والروائيين، تصفو أذهانهم بتلك الرعشة المحببة إليهم ممزوجة بذلك الدفء المنبعث من الموقد أو المدفأة، وذلك الأمان الذي يكفُله المعطف والقبعة من الصوف، فتنساب الأفكار على مشهد قطرات المطر وهي تصطدم بالنافذة الزجاجية. برد الشتاء غنيمة العابد، يصوم نهاره القصير، ويشدّ عودَه بتسابيح الليل، ويلتمس الدفء في بضع آيات من القرآن، أو سكب العبرات في إناء ركعة بجوف الليل. فهنيئاً للكاتب والعابد.
  برد الشتاء لم يكن عدونا كفتاة الكبريت ونحن في زمن الصبا، عندما كنا نصرخ مع قطرات المطر التي تنهمر على هاماتنا وتُولد معها فرحتنا، وما هي إلا لحظات تصطك فيها الأسنان ونفقد الشعور بوجود أطرافنا، حتى نأوي إلى بيوتنا، ونتحلّق حول النار، ونرتشف الحساء، ونرقب في شغفٍ ذلك البخار المنبعث من الأفواه، ثم يلفُّنا الصمت على فراء الصوف ونحن نصغي إلى حكايات الكبار، حتى ترتخي الأجفان ونقتحم عالم الأحلام. هنيئاً لنا طفولتنا التي كانت. لكن تلك الحميمية مع برد الشتاء، لا يعيشها أولئك الهاربون من حِمم الموت إلى سطوة الصقيع، أولئك الذين لا ترصدهم العدسات إلا على استحياء، إذا ما جنّ ليلهم تمددوا في خيامهم البالية وأعينهم على الماء الذي يغزوهم ويسلب النوم من أعينهم، وإذا ما لاح الصباح لم تحمل إشراقته دفقة الأمل التي صورها الشعراء والبلغاء، فالخوف موصول، والهمة قد انصرفت لمصارعة المياه.
  كان الفاروق عمر إذا حلّ الشتاء تعاهد أهل الشام بالوصية: «إن الشتاء قد حضر، وهو عدو، فتأهَّبوا له أُهبته من الصوف والخفاف والجوارب، واتَّخِذوا الصوف شعاراً ودثاراً، فإن البرد عدو سريع دخوله، بعيد خروجه». النازحون والمشردون والمبعدون من أهلنا لا عُمَر لهم، ولا خِفاف ولا جوارب لهم، شعارهم ودثارهم أردية يهزمها برد الشتاء، ذلك الفصل الذي يرمز به للقسوة، فعادة العرب كما قال الزمخشري: «أن يذكروا الشتاء في كل صعب قاسٍ». «ممر الدموع»، ليس عنوان فيلم هوليودي أو حتى بوليودي، إنما أُطلق على طريق سلكه 50 ألفاً من الهنود سيراً على الأقدام في البرد القارس إلى معسكرات «أوكلاهوما»، بعد أن أصدر الرئيس الأميركي أندرو جاكسون قانون ترحيل الهنود، لم يصل إلى المعسكرات سوى القليل، وهم الذين تحملت أبدانهم غارات البرد والجوع التي صرعت معظمهم. كثيرة هي ممرات الدموع التي تدفَّق عبرها النازحون من حلب وغيرها من المدن السورية، اصطحب كل منهم شيئاً من المتاع وكل الحكاية، وأدرك أن إزهاق روحه هو المطلوب، فإن لم يكن بالقصف كان بالقهر والكمد، والناجي يتلقفه الصقيع والزمهرير.
  لله در الشاعر: فالليالي من الزمان حبالى... مثقلات تلدن كل عجيبة ومن تلك العجائب أن أمة البليون لم تعد تتسع لمفهوم الجسد الواحد، فإن اشتكى عضو، لم يصغ سائر الجسد إلى أناته وزفراته، وربما نودي بقطع العضو المريض، كما كان ينادي هتلر كي لا يبقى إلا الأقوياء. أتدري كيف قابلني الشتاء... وكيف تكون فيه القرفصاء وكيف البرد يفعل بالثنايا... إذا اصطكت وجاوبها الفضاء أيها الشاعر كلنا هذا الرجل، نرثي وننعى مثلك، غير أن حروفك أسرعت بك، لكننا لا نشعر بحقيقة معاناة أولئك البؤساء. إن التعويل على إنقاذ صرعى البرد والجوع ليس على القطاعات الحكومية، ولا على قطاعات الأعمال، وإنما على القطاع الثالث، وهو القطاع التطوعي الخيري، الذي ازداد دوره بقوة في الاقتصاديات المتقدمة.
  إدوارد بلادور رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، عندما سئل عن الذين قضوا نحبهم من البرد في شوارع باريس في 1993، أظهر عجز الدولة في التكفل بحل المشكلات الاجتماعية، وأكد أهمية القطاع الثالث في حل تلك الأزمات، وقال إن التضامن الطبيعي بين الناس يجب أن يغلب على تدخل الدولة. إن تنشيط مجالات التبرع والوقف، ربما يكون الحل الأمثل في استيعاب تلك الأعداد الضخمة المتزايدة من اللاجئين، وإنه من العار أن تُهمّش تلك المجالات، في الوقت الذي يدعمها الغرب وبقوة، وحسبنا أن نعلم أن الإحصاءات الرسمية لعام 2003 في أميركا كشفت أن القطاع الخيري (الوقفي منه والتبرعي)، بلغت إيراداته 212 بليون دولار. إنها صرخة استغاثة أُطلقها من هذا المنبر إلى أصحاب الأموال، لأن يفزعوا ويهبّوا لإنقاذ إخوتهم الذين حاصرهم الجوع والبرد، إن لم نستطع نصرتهم أمام قوى الشر التي هدمت منازلهم وقتلت ذويهم وانتهكت أعراضهم وشردتهم عن الديار، فلا أقل من أن نكون لهم عضُداً وعوناً لكيلا يسقطوا صرعى برد الشتاء.
  هذه الفزعة لا بد وأن ترتبط بالدقة في تعيين حاجاتهم بعد المعاينات الميدانية، لتحديد المواد اللازمة لهم، وألا يقتصر الأمر على جمع التبرعات فحسب، وإنما توظيفها بدقة لمصلحة هؤلاء النازحين، وهذا الفقه ليس عن الأمة ببعيد، فإنّ مِن السابقين من كان يكسو في الشتاء ألف جسد عارٍ، وكان الإمام الليث بن سعد يتعمد أن يطعم الناس في فصل الشتاء الأغذية التي تُولد الطاقة في أجسامهم، ومن قبله كان أنس بن مالك ينصح الناس بالاستعانة على برد الشتاء بأكل التمر والزبيب. أستحلفكم بالله، أنقذوهم قبل أن يسحق البرد عظامهم، أنقذوهم قبل أن يموت فينا الضمير، قبل أن نُدمن الغفلة ونستمرئ التخاذل، أنقذوهم في ممرات الدموع يا قراء «الحياة».