بين جراح أُحد ومأساة حلب.. هلموا إلى العمل..

الجمعة, 16 ديسمبر, 2016 12:40:00 صباحاً


 بينما كان المسلمون يُلملمون جراحاتهم يوم أحد، إذ في اليوم التالي يستنفر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين رغم مصابهم، إلى غزوة حمراء الأسد، تحسُّبا لعودة جيش المشركين للهجوم على المدينة، ورغبة في ملاحقتهم، حتى يعلموا أن جند الله لا زالوا أعزة رغم الجراح، فنزل فيهم قول الله تعالى {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح}.
  إنه فقه الهزيمة والإخفاق، فحتى هذه الظروف الصعبة يجب أن يتعامل معها المؤمنون بإيجابية، وعدم الركون إلى الحدث، والنظر فيما بعده، ومحاولة إحياء البذل والعطاء.
  ما نعيشه اليوم من واقع أليم بعد المأساة الكبرى التي حلّت بأهلنا في حلب، وفي ظل الأنباء المُرعبة ، التي تقشعر منها القلوب والأبدان، لا ينبغي للأمة محاصرة نفسها داخل مشاعر اليأس والإحباط أو في دائرة مُغلقة تسبح في الفضاء الالكتروني، لا تتجاوز في مضمونها، حدّ ( النحيب والمرارة والرثاء ) .
  إنها ليست بأولى جراحات الأمة، وليست حتما الأخيرة، فلذا نحتاج إلى كثير من الجَلَد وشدة البأس، ونقل الخُطا على طريق بذل الجهد، وتحويل هذه الأحزان إلى طاقة بناءة، وهو ما يتطلب لتحقيقه استشعار المسؤولية الفردية، وإحياء وبعث ودعم الجهد الفردي والانطلاقة الذاتية لدى كل فرد من أبناء الأمة.
  أحد أبناء أمتي، قد أدرك هذه المعاني سريعا، وسطّر ملحمة فردية في البذل، فجّر معها الأمنيات في قلبي وفي قلب كل مسلم شريف، لأن أرى غيره من أبناء هذه الأمة يتهافتون إلى مثل ذلك الصنيع.
  رئيس مجلس الأمة الكويتي، مرزوق الغانم، لم ينتظر تحرّكات الدول والحكومات تجاه اخوته المنكوبين في حلب، فقرر أن يتكفل بنقل 120 ألف نازح من أبناء حلب إلى المناطق الآمنة.
  ذكر لي بعض الأعلاميين الشرفاء، أن أحد المُوسرين من دول الخليج، جمع ما لديه وما لدى عائلته من أموال نقدية، وأعطى لمحاميه توكيلا بأن يبيع العقارات التي يملكها ويُسدّد كل من اقترض منه إن لم يعد من الحدود التركية مع سوريا المكلومة .. والله إن الأمة ولاّدة، وسيظل فيها الخير إلى قيام الساعة، والله مهما اشتد الظلام، ستجد من هذه الأمة من يخرج بقنديله يذكرنا بأن الأمة ما زالت تتنفس وما زال فيها قلب ينبض.
  إن ما فعله الغانم وما فعله ذلك الخليجي المُوسر ، وما تفعله ( راف القطرية في الريحانية وقد شهدتّ على كثير ) وما يفعل شرفاء المملكة السعودية وما يفعلُ الأتراك البسطاء والمُتنفّذين وبمُنتهى الصمت وبلا أدنى استعراض، وما يفعل غيرهم من أبناء هذه الأمة التي كانت ولازالت وستبقى خير أمة أُخرجت للناس - يأخذ بأيدينا إلى أهمية الجهد الفردي، وبخاصة لدى المتنفذين وأصحاب الأموال والوجهاء، ليس بالضرورة أن ننتظر التحركات الرسمية، هؤلاء بإمكانهم تشكيل الوعي، هؤلاء نحتاجهم لصناعة النموذج والقدوة، هؤلاء يمكن التعويل عليهم بعد الله تعالى في أن تفكر الشعوب الإسلامية خارج نطاق الحدود الجغرافية بمنطق الأمة الواحدة.
  يا شرفاء الأمة كونوا لها، ولتجْرِ في عروقكم دماءٌ كدماء أويس القرني حين قال وهو الفقير المعدوم : "اللهم إني أعتذر إليك من كل كبدٍ جائعة وجسدٍ عارٍ، فليس لي إلا ما على ظهري وما حوَت بطني".
  اصنعوا لنا النموذج، افتقدنا القدوات فكونوا أنتم القدوات، والله ستفنى الأموال، وتُورث الضيعات، ولن يكون لكم رفيق في القبور سوى ما قدمت أيديكم.
  إن كنا نعجز عن الإتيان بحلول جماعية، فلا تعدمونا جهودكم الذاتية، لقد ذكر القرطبي في تفسيره، أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنّس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها ، فقيل له: إنه قاتلك. فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين".
  فلم ينتظر الفارس حلولا جماعية، تُمليها القيادة، إنما استشعر أهمية الجهد الفردي، ومسؤوليته تجاه أمته.
  يا شرفاء القوم، نملة أنقذت قومها من جنود سليمان، فرُب فرد يحيي أمة، فابعثوا الآمال في نفوس أمتكم، بالبذل والعطاء وتقديم النموذج.