حتى لا نكرر أخطاء الماضي

الاربعاء, 18 مايو, 2016 05:37:00 مساءً


ماذا لو حدثت معجزة, وهي مستبعدة طبعاً ووافق الانقلابيون "الحوثي وصالح" في الحل السلمي وتطبيق القرار الأممي، ومن ثم قاموا بتسليم السلاح, إضافة إلى الانسحاب من المدن، وتسليم مقرات الدولة ومعسكراتها، وعودة الحكومة إلى صنعاء, ومن ثم استئناف العملية السياسية من حيث توقفت بحسن نية.
 
يبدو هذا الخيار مرضي للشعب بشكل عام، مع أنه "أي المواطن" لا يدرك مخاطر وأبعاد هذه الخطوة التي نستبعد أن يخطوها الانقلابيون، إذ ستكون محطة إنقاذ لهم دون أن يستشعروا, كونهم ينظرون إلى تطبيق القرار انتحاراً لهم ولأهدافهم, بحيث أنه لا خيار آخر حيال القرار الأممي 2216، الذي سيطبق إما سلماً أو حرباً.
 
المواطن يريد أن تضع الحرب أوزارها, ليعيش ويمارس حياته، وتتوافر له أبسط مقومات الحياة, دون الاكتراث للعوامل الأخرى, لكنه لا يريد أن يعرف الأسباب التي أوصلتنا إلى واقع الحال المعيش المتدهور، الأهم لديه هو إنهاء الحرب عن طريق الأمم المتحدة, التي هي سبب رئيس في إطالة أمد الصراع لمصالحها الإقليمية, إذ تسعى إلى إشراك من أوصلوا البلاد إلى هذه المرحلة في إدارة البلد بشكل قوي وفعّال، بينما هم ممن أوجدوا هذه الحرب يماطلون ويراوغون، ويرون في التطبيق الانتحار السياسي والعسكري والمجتمعي، مع أن غريزتهم الانتقامية ستمكنهم خلال فترة قصيرة عندما يستعيدون ترتيب صفوفهم، وتموضعهم بواسطة إشراكهم في الدولة بإسناد غقليمي ودولي ستمكنهم من تكرار السيناريو الحاصل اليوم، مع إعادة فتح باب الصراع تحت مسمى السلام والتسوية, والمواطن هو الخاسر الوحيد في هذا المضمار، وهو من سيتجرع المرارة, ويدفع الثمن أضعافاً وعلى مراحل وفترات.
 
الشعب بحكم طبيعته الفكرية منغلق عما يدور من حوله، يعيش همومه الذاتية اليومية, غير مكترث لأية أمور أخرى أو مخاطر مستقبلية، يريد أن تفضي مشاورات الكويت إلى النجاح، بغض النظر عن مآلاتها، ويأمل في نجاحها عملياً مهما كانت أساليب تطبيقها ونوعية استخدام ذلك, وضمانة التنفيذ, وقبل كل ذلك لا يهمه من هذا الأمر شيء سوى وقف الحرب, ليست مشكلة لديه إن عادت بأي غطاء، أو تحت أية لافتة.
 
المواطن لا يدرك حساسية المرحلة والأدوار الإقليمية والدولية التي تسعى إلى التسوية السياسية, دون أي اعتبارات للضحايا أو للمدنيين وللمدن وللشعب وللمستقبل.. وهنا المواطن مشترك في ذلك وما زال وسيظل مشتركاً في حال لم يستوعب المشهد، ويحفظ الدرس جيداً ويعي ما يجري ويدور.
 
نوع من التفكير ما زال يُقيد المواطن, ويمنعه من التحرر والاندماج والتعمق بالأحداث ومجرياتها، وإن كان يراعي هذا الأمر لما وصل الوضع إلى ما وصلنا إليه, فكما هو معروف أن وعي المجتمع هو الركيزة الأساسية  في النجاة والتنمية والازدهار.
 
فعلى المجتمع إذاً أن لا ينجر وراء الأقوال، ووراء المناكفات والشائعات التي تأتي من مطابخ المخلوع صالح وأدواته، إذ تسعى إلى إبقاء الوضع في البلاد كما هو عليه، بما في ذلك المواطن اليمني كونه يتقبل ويستقبل ويتأثر بما يقال, بل ويندفع لها.
 
ماذا لو نظر المواطن إلى المصلحة العامة.. ماذا لو تجنب الخوض في الجدال والمناكفات التي تجعله ينحصر في إطار معين. دون الخروج من الدائرة المغلقة, التي تحاصره في يومياته وأبسط مقوماته التي لا تكفي للبقاء والاستقرار طويلاً .
 
ماذا لو خرج عن إطار مصلحته اليومية, التي يمررها دون إنجاز للحياة للوطن للمجتمع، للأجيال، للمستقبل، للتاريخ.. ماذا لو انعزل عن دائرته المغلقة واطلع من النافذة ليرى كل ما يدور حوله بشتى أنواع التوجهات والمواقف, بغض النظر عن تباعد الرؤى, التي لا مجال لأن تكون عائقاً أمام المصلحة العامة بما تخدم المجتمع والبلاد.
 
مواطن لا يمتلك إرادة التفكير، والتمتع بمناخ الحياة وأدواتها ومجريات الأحداث، ومخاطرها, كيف لبلده أن يخرج من هذا الوضع وهو مشحون ويعيش الحقد والكراهية، بشكل تجعله لا يتطلع إلى مصلحة الوطن والشعب والمستقبل وكيف سيحرك عجلة التغيير والنهوض بدافع شعبي ومجتمعي, يفرمل كل عوامل النزاع والتعصب والبغض والتنافر غير المبرر والمؤامرات والطبخات التي تُحبك والأهداف التي عفى عليها الزمن، وهي لا تفي غرض الوجود وليست وسيلة لبناء المستقبل المنشود.
 
الشعب التركي لم ينجح في تنميته ونهضته خلال فترة قصيرة بوجود طيب أردوغان أو داؤد أوغلو, لم ينجح لوجود دراما (مراد علمدار  وميماتي).. نجح عندما رأى المصلحة العامة, التي تعطيه حقوقه وحرياته على أكمل وجه, من خلال وعيه وفكره الواسع عندما غرست في عقليته بذرة العطاء والاجتهاد ونبذ التعصب والحقد والمناكفات الخارجة عن الإطار والهدف والرؤية، مع مسح كل المؤامرات والخطط الداخلية والخارجية, إضافة إلى عدم الانجرار وراء أي تشويه أو مسميات أو لافتات من شأنها التأجيج وإحداث تخلخل في الأمن الداخلي وشروخ في جدار المجتمع.
 
علينا أن نعي ما سنثمره من خلال مشاورات الكويت والطرق المؤدية إلى التنفيذ ومدى جديتها, بل علينا أن نرى وندرك حقيقة ما يجري على تلك الطاولة، وفي أروقة المجتمع الدولي إزاء الوضع في البلاد, وسط مراوغة ومناورات وعدم جدية وفد الحوثي وصالح في التوصل إلى حل.
 
علينا كشعب أن نفرمل كل الخطط والتدخلات, التي من شأنها قد تعيد لنا الحرب والصراع تحت مسميات أخرى, باستخدام الأطراف نفسها وبكل غباء, بل وبترحيب وتقبل بعض الشعب الذي يضع رهاناته من أجل مصلحته أولاً وأخيراً.
 
علينا ألا ندع مجالاً لتكرار الأخطاء السابقة, مهما كانت الوقائع والتضحيات, ومهما كان حجم المعاناة وتفاقمها, كوننا في ظل حرب مصيرية, ستفضي إلى نبذ الوضع الراهن بكل الوسائل الممكنة, التي تضمن لنا حق الاستقرار والخروج من المرحلة الحرجة, وذلك مرهون بالمواطن الذي يعتبر محور المستقبل وركيزته الأساسية في النهوض من خلال إدراكه ووعيه لكل  الأحداث ليتسنى لنا الخروج بالوطن من عنق الزجاجة، والوصول به إلى بر الأمان والاستقرار، مع تطلع إلى مستقبل منشود، في بناء دولة مدنية حديثة, كانت وما زالت حلماً يراود اليمانيين بشغف ولهفة لا يوصفان.

خاص بـ "مُسند للأنباء"