في تعز.. العظمة و الرجولة والبطولة

السبت, 14 مايو, 2016 09:22:00 مساءً


مواطنو تعز خلال شهور الحرب والبلاء, نالوا من العذاب ما لم ينله غيرهم في أنحاء اليمن قاطبة, سواء وهم داخل تعز أم  خارجها، ومازالوا تحت رحى العذاب والقتل والدمار, ولا ندري ما يخبئ لنا المجهول بعد من معاناة.
 
في الحروب, وحدهم الأبرياء والضعفاء هم  الحلقة الأضعف, إذ لا يجدون لهم مناصراً ونصيراً سوى رب العباد, وهو على نصرهم لقدير، وليس أعظم من أن يولد من الضعف قوة وإباء وإصرار على الحياة.. وهذا ما أثبته أهل تعز بثباتهم وإصرارهم على سلخ الحياة من جلد الموت و يعد ذلك انتصاراً ما بعده انتصار.
 
التعزيون بملامحهم المكدودة وأنفاسهم اللاهثة ونظراتهم المصرة على انتصار الحياة رغم الموت والقصف أقوياء رغم كل عناء وأبطال رغم كل بلاء.
 
البطولة لن يصنعها مدفع أو قنبلة و لن تأتي بها قوة ماجنة همجية, تدك بوحشيتها البر والسماء، البطولة الحقيقية إصرار عظيم على الثبات وعلى فرض الحياة رغم كل تكهنات القتل الرجيم.
 
البطولة الحقيقية أن تبتسم رغم خناجر الألم, التي تنغرس في الروح كل زفرة ورغم كل دمعة جارية تختبئ خلف مسامات الفؤاد.. رغم كل جرح على فقد حبيب أو أخ أو رفيق أو زوج أو أب أو عم أو خال, طال كل بيت في تعز, في كل حارة وكل شارع.
 
 
الرجولة الحقيقية.. حين تسمع دقات طبول الموت تجاور أنفاسك ليل نهار, مع ذلك  تجوب دروب مدينتك بحثاً عن رمق العيش الباهت المخفي, خلف ضوء نهار شاحب, بحثاً عن لقمة عيش مغمسة بعرق الإباء بالرغم من صعوبتها وهذا ما يفعله أهل تعز العظماء.
 
الوطنية الحقيقية ليست شعارات جوفاء أو مؤتمرات خرقاء أو ميكرفونات مهترئة, يقودها من لا يعرفون من كلمة وطن سوى أنهم سبب في هدمه, الوطنية الحقيقية جسدها أطفال تعز بأجسادهم النحيلة السمراء, الذين هجروا طفولتهم واحترقت ألعابهم, وشاخوا قبل أوانهم وهم يحفرون شوارع تعز بحثاً عن شربة ماء، يواجهون الرصاص الغادر والشظايا المباغتة وقناصة النذالة بكل شجاعة بعيداً عن مدعيّ الوطنية الزائفة.
 
الوطنية الحقيقية تتجسد في نساء تعز, وهن في ليالي الخوف والقصف يلملمن أطفالهن تحت أجنحتهن وتسقيهم حب الوطن بمزيد من الصبر مهما كان القتل وحشيا.. وفي نهارات الخوف ورغم قسوة الظروف والفقر والعوز تلملم جراحاتها وتوقد الحطب وتسعى لتدبر ما يشبع أفواهاً جائعة  حتى ولو برغيف يابس خوفاً من الموت جوعاً وذلاً.
 
كم أنتم عظماء وعظيمات يا أهالي تعز في شهور البلاء, وأنتم تنحتون الصخر كي تقاومون الانحناء والموت جبناً، وتنتصب أرواحكم وتقوى عزائمكم, رغم كل محاولات الانكسار, التي تحيط بكم.. إنما لا تنكسرون.
 
 
علموهم يا أطفال تعز ونسائها ورجالها وكهولتها كيف صرتم تقبضون على الحياة كجمرة من لهب, ومع هذا لا تحترقون بل تزدادون قوة وإصراراً على الثبات.
 
علموهم معنى العظمة, علموهم كيف يكون الوطن حاضراً في الألم وفي المعاناة في الدمعة, وفي كل قطرة عرق زكية يباركها رب السماء.
 
علموهم كيف يكون الوطن معنى عظيماً وجليلاً, فعلاً وصبراً وجلداً, وليس كلمات جوفاء, يلوكها أرباب الحرب وأعداء الإنسانية.
 
بالفعل عظماء أنتم يا أطفال تعز ونساءها وكهولتها،علموهم معنى الرجولة والبطولة والشجاعة والوطنية والإباء, ربما يصبحون ولو لمرة واحدة رجالا..

خاص بـ"مُسند للأنباء"