أيام في معتقل الصالح.. الحلقة الثانية والثالثة

السبت, 06 يوليو, 2019 04:06:00 مساءً


الجمعة 22 يونيو 2018.. كان اليوم الثاني لي في الزنزانة 33.. بعد نزولي من التحقيق، حاولت النوم في احدى الغرف بعد صلاة الفجر..
 
لا نظاما محددا هنا للنوم، ومن يتحسس من الضوضاء والحركة فعليه أن يجن أو يتأقلم..
 
الزنازن لا تنام، بل يتناوب افرادها النوم لتبقى حية متحفزة متيقظة تنتظر خبرا مبهجا لأحدهم يتوقعه جميعهم مع كل طرقة باب.
 
على البلاط
 
نمت على البلاط، وتوسدت حذائي داخل كيس ووضعت فوقها شميزي وتغطيت بالمعوز، ولم يكن لدي ملابس غيرها.
 
رقدت عميقا واستيقظت عند العاشرة تقريبا.. كان موعد تعبئة الماء بواسطة انبوب طويل يتدلى من السطح ويمر على الزنازين.. يقوم المعتقلون بتعبئة العبوات البلاستيكية المرنة والشفافة التي تقدمها اليونيسيف وكان يبدو أن طبقات الأتربة المترسبة على العبوات قد اذهبت شفافيتها.
 
وفي ذات الوقت تستغل الفرصة لتصفية ارضية الزنزانة كاملة بالماء انقاذا للصحة، اذ التخاذل عن امر كهذا يوما ربما يعني ان تحتل جسمك الكتن والقمل وتحرمك نومك وراحتك.
 
جمعة المعتقلين..
 
حان وقت الجمعة.. قام شاب من منطقة اساودة ماوية خطيبا، وهو الذي اعتقل قبل ان يكمل شهرا على زفافه.. قال انه ليس بخطيب ولكنها الضرورة فوعظ عن الصبر والاحتساب والدعاء وعدم السخرية من بعضنا، وجميعها نصائح موجودة بخط واضح في أحد جدران الزنزانة الداخلية .. كان المؤذن شاب ملتح فارع الطول اسمه رياض كما اتذكر ينحدر من عدن أو أبين، وكان مؤذنا في احد مساجدها واظنه اعتقل اثناء زيارة اقارب له في إب.
 
صلينا وتغدينا غداء زدناه من صرفتنا الخاصة، ثم جلسنا في مقيل قات، وكان لدينا أحد الفنانين من المختلين عقليا يدق لحن العود بلسانه ويحرك يده في الهواء يغني لمن تريد يحفظ كلمة ويبتلع عشرا. وأن يغني لك ويطربك، أحدهم في السجن بأي شكل فذلك أفضل بكثير من حفلة صاخبة في أجواء الحرية.
 
في الزنزانة 34
 
انتقلت لاحقا مع آخرين من الذين تم التحقيق معهم سابقا من الزنزانة 33 الى 34 التي انتقل منها الذين لم يحققوا معهم في عملية فصل بين الصنفين.. ولأن الزنزانتين متقابلتين فقد كان المعتقلون يعرفون بعضهم من نافذة الزنزانين، تعانق المعتقلون مع اصدقائهم في الزنزانة التي قدمنا إليها كأنهم إخوة قدموا من غربة بعيدة.
لم اتمكن من التعرف كثيرا على "زملاء" الزنزانة 34، وهم لا يختلفون عن المكظومين في 33.. وهذه الزنازين هي من فئة "الضغاطة" مغلقة النوافذ بالحجارة باستثناء فتحة بحجم الكف، ومع ذلك فقد كان المعتقلون هناك يظنون أن "الضغاطة" هي أخرى بلا منفذ للهواء مطلقا إذ كانوا يتوعدونهم لأي سبب لنقلهم إلى"الضغاطة"، دون أن يدركوا انها هي ذاتها التي يعتقلون فيها.
 
عاقل وطلبات
 
وفي كل زنزانة عاقل يتولى استلام الاكل وتسجيل طلبات المعتقلين من السوق.. في الزنزانة 33 كان عبدالسلام الحجوري فك الله أسره إن كان لازال كذلك، وفي 34 شاب مهذب اسمه وليد كان يعمل في ثلاجة القائد بمفرق ماوية.
 
ودفعنا الفلوس ليقوم بدوره بتسليمها الى المراسل مشفوعة بقائمة الطلبات..
 
تاتي الطلبات بسعر زائد بعض الشيء لكنه يبقى مقبولا، فهي خدمة تنقذك من رداءة الطعام غالبا، إضافة لبعض القات الذي يصل بأسعار خيالية ونوعية رديئة اوراقا متيبسة لم تكن تباع في الأسواق خصوصا أننا في باكورة الصيف كأنه ذروة الغلاء الفاحش شتاء.
 
إلى التحقيق مجددا
 
منتصف ليل الجمعة استدعاني المحقق مرة ثانية (لم ادون بعد تفاصيل التحقيق الذي ساضيفه في حلقة منفصلة) ليسألني المحقق ما اذا كان لدي ما تذكرته لاضيفه الى تحقيقات الليلة الماضية..
 
قلت له إسال وسأجيب.. قال تعرف القنوات والفيسبوك شغالين قرعة علينا عاملين ضجة بسببك..
 
قلت له طبيعي لو ابلغتموني كنت سآتي إليكم باتصال ما كان وقع شي ولن يتكلم أحد.
 
كان متحوثة البلاد أبلغوا أقاربي أني اعتقلت في قضية خاصة ليس من مصلحتي النشر فجعلوهم يشتغلون كشرطي رقابة على كل من يكتب خبرا او منشورا متضامنا مع الضحية ليستروا بذلك جرم الجلاد.
 
سال تقدر تقلي منهم اللي كتبوا والقنوات اللي تحدثت عنك، فأجبته، كيف ساعرف وانا في "الضغاطة" مافيش حتى ضوء..
 
ضحك المحقق من إجابتي وقال مسرع عرفت "الضغاطة" قلي كم قد جمعت قصص سجناء وكيف السجن..
 
اجبته باني للتو دخلت الزنزانة وبالكاد تعرفت على بعض الاسماء، وبالنسبة للسجن يعني مش مثلما كنت اتوقع (دون ان اوضح) ..
 
ربما كان من حسن حظي أن وقعت مع محقق مهذب إلى حد كبير، تعامل معي باحترام غالبا وهو ما سمعته من آخرين، رغم بعض التلويحات بعقوبة الاعدام بتهمة التخابر مع دولة أجنبية، ورغم بعض النقاش الحاد احيانا.
 
بعدها قال لي، خلاص انا سارفع ملفك للقيادة يشوفوا وان شاء الله يومين ثلاث يوقع خير.. لكن الان بنقلك مكان ثاني ترتاح فيه وتفتهن احسن.. ونادى المراسل ان ياخذني الى البدروم..
 
 
البدروم ليس "ضغاطة"
 
ثارت لدي مخاوف الانتقال الى الضغاطة الحقيقية عديمة المنافذ والتهوئة التامة.
وبالفعل خرجت من غرفة المحقق، وكنت قد بصمت مغمض العينين، على مجموعة أوراق اخبرني المحقق أنها أقوالي وابعدوا "المشدة" عن عيوني وانزلوني "البدروم" ..
 
كان عبارة عن شقتين ملتصقتين بلا ابواب او قواطع، احداهما شقة كاملة تمت ازاحة جدران غرفها الداخلية وتأسيس قاعة للمحاضرات الثقافية باسم قاعة أبو شهاب الشهاري.. والشقة الثانية عبارة عن غرف على حالها ومطبخ بشباك كبير مفتوح للخارج وكلاهما متصلتان ولهما باب واحد شبك متصل بالدرج.
 
بمجرد وصولي بعد منتصف الليل تجمع المعتقلون حولي وباشروا التحقيق معي عن كل شي، حتى عن سعر قلص الشاي خارج وما اذا كان هناك سيارات وزفلت ومواصلات عامة ام عاد الناس لزمان الحمير والجمال.
 
احضروا ما تبقى من العشاء واصروا على ضيافتي وتعشينا سويا جبن وطحينية وعيش وشاي يبدو انه كان فائضا لديهم.. وهنا وجدت بعض المعمرين في هذه الزنزانة..
 
زنزانة متنوعة..
 
يقطن هذه الزنزانة الواسعة خليط متنوع من المعتقلين وجاهات قضايا خاصة كصلاح الشرعبي وهارون شداد المختلفين على محطة بترول في الستين ونذير صاحب محل تجاري في مفرق بني عون، ومعتقلون كبار وصغار السن دون 18 (كان هناك واحد فقط) معتقل على رسالة نصية ردا على احدهم ساله كيف الدنيا فرد عليه الدنيا حامي مشيرا بذلك الى اشتباكات في محيط منطقته باتجاه الدمنة.
 
كانت زنزانة واسعة مرتبة اكثر وفيها اكثر من ستين معتقلا وفيها نامس اضعاف مافي الضغاطات، وبها شاب مشرف ثقافي "الخليدي" لديه غرفة خاصة داخل الزنزانة يخرج ويعود حسب رغبته وهو من يزودنا بطلباتنا من السوق مقابل ايجار الموتور الخاص به، ويقيم محاضرات من الملازم ويصلي بالمعتقلين هناك.. ومنهم من يصلي ويسربل ظنا أن الرجل سيصدر لهم صك براءة..
 
معتقل ومآس مختلفة
 
وجدت من امضوا عامين الى عام ونصف متنقلين بين زنزانة إلى أخرى.. أقدمهم لاكثر من عامين حينها، كان شابا من المخأ، لا اتذكر اسمه، اخبرني أنه معتقل لأن اباه قيادي اصلاحي في تعز لا أكثر، حسب قوله، ولم يكن هذا الشاب يشارك الاخرين كثيرا حول أماني قرب موعد الافراج.. كان هذا هو عاقل هذه الزنزانة.
 
وهناك الاستاذ محمود دائل، وهو تربوي وكان خطيب جامع جوار المطار القديم بتعز، وانتقل مع الحرب الى قريته التابعة للتعزية لكنها تقع داخل اطار شرعب الرونة وكان مصابا بطلق ناري في بطنه لحظة اعتقاله ومزق معدته واستغرق قرابة عام ونصف علاجه بسبب الالتهابات واجريت له اكثر من عملية.
 
وهناك محمود القاسمي من حذران، والصوفي، من احدى القرى بشارع الستين، وابراهيم ومجموعة أشخاص من الحيمة، ورجل بسيط من عمران اطلق عليه المعتقلون "فواز اتنفس" اعتقل في نقطة بالحوبان بعدما قال لهم إنه مسافر عدن "اتنفس".
 
وطاهر فارع الذي حبسوه ظلما بدلا عن ابنه بسام الذي فر من السجن رغم انه لم يزره لسجنه منذ عام ونصف فترة سجنه، لكن اتباع "قرين القرآن" كانوا يطبقون آية "ولاتزر وازرة وزر أخرى" بهذه الطريقة.
 
إمداد الساحل يعتقل في الستين!
وآخر لا اتذكر اسمه أخبرني أنهم ضبطوه في نقطة بالستين ومعه كيس رز او سكر، فاتهموه بأنه مسؤول الامداد في الساحل الغربي لانه لم يعد هناك في هذا الزمن الاجدب من يشتري بالكيس، وامضى أشهرا في السجن وافرج عنه بينما كنت هناك..
وهناك آخرون لا تسعفني الذاكرة لسردهم، وفي حالة الجميع لا ادري من نال حريته منهم ومن لازال في معتقله.
 
شركاء الغرفة الثلاثة
 
اخذت مكاني في غرفة صغيرة، مع شاب احدهما اخبرني أنه اعتقل على ذمة محاولة فاشلة للزواج بفتاة رفض اباها تزويجهما فهربا معا ولجأ إلى شيخ ظناه سينصفهما لكنه سلمهما للحوثيين فاودعوا كلا منهما في زنزانة.
 
وكان معنا شاب آخر اسمه محمود واعتقد أن لقبه القباطي، اعتقل ليلة العيد على ذمة نقل الجوازات المستخرحة من تعز للحوبان بدراجة نارية يعيل اسرته بها، ليسلمها الى كشك هناك لارسالها الى اصحابها في إب وصنعاء وذمار وغيرها واتهم بأنه مزور جوازات وكان لا ينام حتى يبكي وهو يتذكر حال اسرته التي لا يعولها غيره.
 
وثمة شريك رابع وطاغ في الغرفة.. انها اسراب النامس التي تبدأ مناوبتها من الغروب إلى الشروق..
 
قاعة "ثقافية"
 
كانت الصالة الكبيرة مفروشة بالموكيت وفيها كتب "ثقافية" لا تستحق قراءة العنوان غالبا.. وهناك شاشة تلفزيونية تعمل بالطاقة الشمسية وتفتح نادرا اذا كان هناك ما يقتضي عرضه للمعتقلين من قناة المسيرة يتفرجون منها مآسيهم.
 
في هذه الصالة يقيمون محاضرات او دورات للسجناء غالبا بإغراء الافراج إن ثبت الصلاح أو بترقيتهم من زنزانة إلى أخرى.
 
مثلا ابلغني بعض المعتقلين أنهم عرضوا لهم التقرير الذي كان عنهم، حين أخرجوهم لخارج الزنزانة والبسوهم معوز منقط وتي شيرت مخطط واخبروهم أنه سيتم الافراج عنهم بعفو من عبدالملك الحوثي بمناسبة عيد الفطر.
 
وجعلوا المعتقلين ظلما وعدوانا أغلبهم يؤدون الصرخة أمام الكاميرات ويقدمون عبارات الثناء والولاء المطلوبة من معتقلين مغلوبين على امرهم، ثم اعادوهم إلى الزنازين لاستكمال الإجراءات التي لم تنته بطبيعة الحال.
 
ولا أسوأ تعذيبا للنفس من إثارة أمل الحرية عند المكبلين من قبل السجان، وجعلهم في حالة انتظار منهكة للروح والاعصاب والكرامة.
 
لا ضير فهذه هي الجماعة التي تتنفس الكذب ولا تملك ذرة من ضمير أو انسانية ترعوي مثل هذه التصرفات الفتاكة بمعنويات المقهورين بسجنهم وأكثر بأكاذيب الافراج عنهم..
 
لا غرابة أن تسمع بعدها من يبتهل إلى الله مع مرور كل طائرة في الأجواء - يخشاها الحوثيون أضعاف ما يخشون الله ويستبشر بها هؤلاء - أن تقصف مدينة الصالح بمن فيها نحن.. سمعت أحدهم يقول أشهدك يا الله أني مسامح اذا ضربتنا الطائرة معاهم..
 
**************
 
في غرفة التحقيق..
لم يكن الأمر سهلا بالمطلق، كانت قضايا المعتقلين تحاصرني كلما وضعتها في كفة وقضيتي في أخرى ونحن في عمارة معتقلي الواتس أب أو "اللاتهمة" غالبا، أو كلما قابلت معتقلا أمامي وعرفت أنه على ذمة رسالة أو صورة أو نكتة وصلته عبر "واتس أب"، أو ذاك العجوز طاعن السن لأنه كان يبحث عن غنمه بالقرب من موقع حوثي، وذاك المثقل بتهمته أن كان يبحث عن راتبه.
 
الغالبية كانوا لا يدركون جرمهم ولا يحقق معهم، إذ اعتقلوا اعتباطا وعشوائيا فقط لإشاعة أكبر قدر من الخوف والارهاب بين الناس.. جماعة إرهابية بكل معنى الكلمة ومنهجها العاجز يقوم على مبدأ "ابطش بالبريء ليهابك غيره".
 
رسالتهم للناس أن هذه الجماعة لا ترحم ولا تعقل وأنها تعتقل الأبرياء بالمزاج ولأدنى الشكوك وبلا عاقل يرشد جرائمها، ظنا أنها بذلك تحد من تحركات معارضيها في مناطقها، بينما الحقيقة تعكس أنها تملك جهازا أمنيا مهترئا ورديئا مضطربا يشك بجميع الناس من ينخرطون معهم أكثر من المخالفين لهم.. جهاز قذر يوجهه مجموعة من عديمي الأخلاق والضمير والانسانية اذ بلغت به درجة الوقاحة أن اعتقل ميتا في جنازة ومن شيعها سآتي على ذكرها لاحقا.
 
ولهذا السبب تفعل وترتكب كل تلك الجرائم بحق الأبرياء بشكل ممنهج ومقصود تماما، فاعتقال الابرياء والاكثر براءة هدفه تخويف من لديه نوايا للقيام بأي تحرك مناوئ او حتى الذين بلا نوايا.. الحوثة لا يثقون بأنفسهم ولا بحوثية تلك المناطق، ويخافون من أين ستأتيهم الطامة.. لا يثقون بقدرتهم على البقاء في هذه المناطق التي يزرعونها بالألغام كما بالعداوات والصراعات والثارات في المجتمعات المحلية.
 
لا يثقون بمتحوثي منطقة "الهشمة"، يمنعونهم من الاقتراب من جدران البنايات، ويسجنونهم إن فعلوا، فيما يتركونهم هناك بعيدا ويتعاملون معهم ككلاب الحراسة في "ديم" وصنادق بلا أبواب ولا نوافذ ليشكلوا سورا يطوق العمارات التي يسكنها المشرفون الأوغاد أو المجندون "المستعبدون" باسم الجهاد من أبناء محافظات الشمال.
 
يرتاب الحوثيون حين يقل عدد المعتقلين في إحدى الزنازين فيذهبون لطلب بدلاء لتغطية الفاقد.
 
في الليلة التالية لاعتقالي، وانا هناك أحضروا 25 معتقلا دفعة من لوكندات الحوبان، لتعويض الفاقد بدل الدفعة التي نقلت إلى ذمار.
 
//حقد طافح//
 
وسط كل هذا الظلم الخبيث والحقد الطافح وبتلك المعايير العمياء كنت اقدر أن سجني سيمتد لبضع سنين..
 
كيف لا وهؤلاء يعتقلون الناس اعتباطا من النقاط والشوارع وانا ذهبوا لاعتقالي بطقمين واكثر من 20 مسلحا وسألوني عن علاقتي برئيس الوزراء السابق أحمد بن دغر، وبدول التحالف مجتمعة او احداها، وعن علاقتي بالوزير عبدالعزيز جباري، ومحمد العرب، وتوكل كرمان، حمدي البكاري، محمد عايش، وعن علاقتي بحزب الاصلاح والاشتراكي واللقاء المشترك وشهداء جمعة الكرامة وثورة فبراير.
 
كيف لا وقد سألوني ما اذا كنت أدرك عقوبة التخابر مع دولة أجنبية، أم لا.
 
كيف لا وقد سالوني عن كل شيء منذ الابتدائية وحتى يوم الاعتقال..
 
\الاصلاح.. التهمة الجاهزة//
 
سألوني عن انتمائي السياسي فقلت لهم أني مستقل.
 
أراد المحقق استمالتي للإعتراف بانتمائي لحزب الإصلاح وأخبرني أن هناك حوارات سرية وتفاهمات تتم بين الحوثيين والاصلاح لمواجهة العدوان.
 
فقلت له هذا جيد لكنه لا يعنيني إذ لا علاقة لي بالإصلاح، وإن كنت منتميا له فسأقول ذلك بصراحة لأني لا اعتبر الانتماء للإصلاح جريمة، لكن إن أردت تصنيفي فأنا اقرب للحزب الاشتراكي ولست مؤطر تنظيميا.
سألني: معك بطاقة إشتراكي..
 
أجبته: رفض الحارس يصرف لي.. ذهبت إلى مقر الحزب عام 2002 لاقطع بطاقة مع زميل من كلية المجتمع فأعادنا حارس البوابة في الصافية بعدما أخبرناه أن معانا بطائق (مؤتمر) ضاعت من أيام الثانوية قطعت لجميع الطلاب تقريبا حين كانوا يغالطون عفاش أن الشعب كله حقه.. فقال ما بنقطع لكم بطائق إلا لما تسلموا السابقات، وهكذا احبطنا الحارس وتركنا الالتزام التنظيمي إلى اليوم.
//"زنقة" الإصلاحي "بن دغر"..//
 
سألني المحقق: طيب اذا انت اشتراكي ليش بتدافع عن بن دغر وهو إصلاحي.
 
أجبته: بن دغر مؤتمري حاليا وكان سابقا قيادي اشتراكي ضمن المطلوبين لنظام عفاش بعد حرب 94، وانتقل للمؤتمر في انتخابات 2006 ولا اعلم انه انتمى للاصلاح او حزب ثاني.
 
قال: هو الان اصلاحي ليش بتدافع عنه أنت بتشتغل معه سكرتير.
 
اجبت: لا يوجد لدي وظيفة حكومية بالمطلق أنا صحفي مستقل فقط.
 
قال: انتم الصحفيون مرتزقة ما تكتبوا كلمة إلا بدولارات.. كم تستلم من بن دغر..
 
فكرت بالهروب من الموضوع إذ لا فائدة من انهاك معنوياتي بعلاقتي العديمة مع بن دغر الذي لم اقابله ولا مرة في حياتي فخطرت الإجابة في لحظة.
 
قلت: بن دغر كان صديق الوالد وبينهم عيش وملح ومعروف، وكان يستقبل الوالد ويستضيفه في عدن بعد الوحدة لان الوالد كان ناشط في الحزب الاشتراكي وبن دغر قيادي، وهذا هو السبب الوحيد.
 
سأل: وين الوالد الآن.
 
أجبته متنهدا: الله يرحمه توفي منذ 15 عاما.
 
وهكذا أغلقنا زنقة بن دغر، خارجني الوالد الله يرحمه.
 
//عقدة الايجابيات..! //
 
سأل: ايش تشتغل الان.
 
أجبته: في موقع "المصدراونلاين" لكن لا اشتغل الا نادرا تبعا لظروف اقامتي في القرية غالبا.
 
لم يكترث للموقع بقدر اهتمامه بصفحتي في الفيسبوك والبحث عن شيء فيها إذ فتح حسابي من هاتفه.
 
سأل: ليش ما تكتب الا نادرا.. أجبته: خايف منكم.
 
قال: لا تخااااف.. خذ راحتك بس اكتب "ايجابيات وسلبيات".
 
قلت لدينا 15 صحفيا معتقلون منذ اربع سنوات وايا كانت التهمة عليهم تكفيهم العقوبة التي امضوها.. فكيف اكتب وهؤلاء بالسجن وانا اعرفهم حق المعرفة وجريمتهم الكتابة.
 
//السجن أرحم..!//
 
قال: تعرف أن السجن ارحم لهم لانهم "مفتهنين" وعايشين اما لو حولوهم المحكمة عتحكم عليهم بالإعدام أو بالعمالة والتخابر وخيانة الوطن.
 
قلت له صح قد حكموا على الجبيحي من قبل وبعدين خرج.. حولوهم محكمة وخليها تحكم عليهم بالإعدام أحسن من "فهنة" السجن.
 
قال: شوف احنا في وضع حرب وعدوان والمجاهدين بيدوا أرواحهم وانتم جالسين تبعسسوا وتطعنوا في الظهر.. ميليشيات -غاز -رواتب مدري ماهو وتستلموها دولارات، وعمالة وارتزاق.. كيف نسويكم اسكه قلي.. نصفق لكم..
 
لم أكن أحبذ مجاراة النقاش بعدما يبدأ بالانفعال واكتفي بالصمت لينتقل الى موضوع آخر، اذ لست بموقف يسمح بالأخذ والرد وانا معصوب العينيين أمام محقق لم يكن سيئا، لكن إلى جواره أشخاص سيئون للغاية ويستمعون بدون "نفس" عدى طرق القداحات التي تشعل السجائر..
 
//محمد عايش.. //
 
سأل: من آخر صحفي التقيته من أنصار الله..
 
أجبته: محمد عايش هكذا سلام على الطريق في صنعاء(كانت بداية مرحلة افتراقه عن الجماعة).
 
ضحك: عايش مش من أنصار الله! هذا واحد مرتزق.
 
أجبته: محمد عايش صديقي من 15 سنة.. وهو اكثر واحد اشتغل لصالح الجماعة بإخلاص مؤيدا او منتقدا.. بس هذا اوضح رد عليك لما تقول اكتبوا ايجابيات وسلبيات.. "عايش" كتب مجلدات وانهك عقله في ابتكار افكار تمجد "الحوثية" وفي الاخير كتب موضوعين حتى الان انتقد فيها الجماعة فخونوه، كيف واحد يقدر يكتب عن سلبيات وايجابيات معكم أفضل من عايش.
 
//هاشمي ضد المسيرة//
 
سأل: ليش أنت هاشمي وضد أنصار الله؟.
 
اجبته: أنا مواطن.. وخياراتي لا يحكمها أي ش إلا قناعاتي.. وأنا أؤدي عملي من هذا المنطلق ليس مع او ضد أي طرف ولا اؤمن بغير المواطنة.
 
قال: جاوب على سؤالي؟
 
أجبت: ليش الجماعة تمثل الهاشميين بس وإلا فيها غير هاشميين ومن كل القبائل.. كذلك أنا وفي كثير غيري مش معها..
 
أجاب وقد بدى منفعلا: هي مسيرة عامة للأمة مش للهاشميين ومعاها قيادة موحدة.. و"الهاشمي" الذي ما ينتمي للمسيرة عقوبته مغلظة على الآخرين. احنا نستغرب لما يكون معانا كادر يستفيد منه الوطن والامة والدين يقوم "يتدعوش". ليش بتشتغل مع العدوان ضد المسيرة القرآنية؟

أجبته: أنا مواطن أؤمن بالمواطنة ودولة وطنية لكل الناس وهذه قناعتي ولا اشكل مواقفي تبعا للعرق أو القبيلة او المنطقة.. وليس لي سبب آخر غير ذلك.
 
قال: واحنا مواطنين والكل والا قصدك أننا عبيد.. سيبك من هذا الكلام حق الاشتراكيين والعلمانيين والملحدين.. هذا دين الله مش مزاج قالك مواطنة.. وهذي مسيرة قرآنية مش حزب، الانتماء لها واجب.. وترجعوا تبكوا ليش تحبسوا الصحفيين؟ لأنكم ما تفهموش بالاحترام.
 
//من قتل الخيواني؟
 
التزمت الصمت بلا تعليق.. فصمت قليلا ثم عاد وسأل: من قتل الخيواني؟
 
أجبته: قتل وأنتم تحكموا البلاد بالشراكة مع عفاش والاجابة عندكم مش عندي..
 
قال: يعني افهم انكم بتتهمونا احنا.
 
أجبته: لا اتهمكم لكن انتم الحكام وانتم من مسك ملف القضية وحقق فيها.. ايش نتيجة التحقيقات؟
 
قال: أنا اقلك نتيجة التحقيقات.. قتله زملاؤه الخونة امثالكم، وأخذ يحكي كيف قتلناه لأننا ابتعدنا عن المسيرة القرآنية وعن النهج الذي مضى عليه لآخر يوم في حياته.
 
التزمت الصمت أيضا، وطلبت ماء لأشرب بعدما جف لساني وفمي، فعرض علي الانتظار ليعطيني ماء بارد.. لكن فضلت الموجود على الانتظار..
 
// العرب والبكاري وكرمان وجباري
 
سأل: ايش طبيعة علاقتك بمحمد العرب، مراسل العربية؟
 
أجبته: أعرفه مثلما تعرفه أنت بالضبط.
 
قال: وإذا ثبت العكس وانك بتطلع في العربية والحدث..
 
قلت: قدنا محبوس قبلما يثبت الأمر كيف بيكون العقاب إذا ثبت.. ومع ذلك اثبت وبعدين احكم!
ضحك ثم سأل: وتوكل كرمان؟
 
أجبته: زميلتنا أعرفها وتعرفني من زمان بس من لما حصلت جائزة نوبل ما التقينا أبدا.. بنتواصل بالنادر سلام ومباركات فقط.
 
سأل: وعبدالعزيز جباري؟
 
أجبته: أعرفه معرفة صحفي بعضو مجلس نواب ومن لما كان يروح بلجان الوساطة يتوسط لايقاف الحروب في صعدة.. كنا نتواصل.. قاطعني (راغبا بعدم تذكيرهم بأيام المظلومية الزائفة).
 
وسأل: وحمدي البكاري؟
 
أجبته: هذا أخي وزميلي وصديق عزيز على قلبي التقينا آخر مرة سواء في تونس قبل رمضان (مايو 2018) وقضينا أياما جميلة هناك. (كان قد رأى صورة تجمعني بالبكاري بصفحتي على الفيسبوك وربما أراد بسؤالي عنه اختبار مصداقيتي أو شيء آخر).
 
// سواد العيون//
 
سأل: أيش كان معك في تونس ومع من سافرت ومن استضافك؟
 
أجبته: دورة تدريبية لمنظمة انترنيوز، وسافرت مع زملاء وناشطين كثير من كل المحافظات اليمنية.
سأل: مقابل أيش.
 
أجبت: بدون أي مقابل.. تأهيل وتدريب في مجال عملنا.
 
سأل: شوف هؤلاء اليهود والنصارى ما بيمشوكم هكذا عشان سواد عيونكم، عندنا معلومات عن هذا الشغل والدورات كلها فقلي ايش طلبوا منكم تشتغلوا (يلمح إلى الجاسوسية).
 
أجبته: حتى الان لم يطلبوا منا شيئا ولا من غيري، واذا عندك معلومات مؤكدة واجهنا بها؟
سأل: أين سافرت غير تونس؟
 
أجبت: سافرت ألمانيا وتركيا ومصر والمغرب لبنان والسعودية؟
 
سأل: وأمريكا؟
 
أجبته: لا ما سافرت.
 
سأل: متأكد؟
 
أجبته: وليش أنكر.. واذا زرتها فلن اعتبرها جريمة، واذا كنت تشتي نفس المعنى فأنا اتمنى أن ازرها ولن أتردد إذا تلقيت دعوة.
 
سأل: يعني تشتو توقعوا عملاء وخونة ومرتزقة أين ما كان.
 
اجبته ممازحا: ما تفرقش.. في ناس محبوسين عندكم وهم ما تجاوزوا نقطة الازرقين ويسلح (نقاط تفتيش في محيط صنعاء).. النتيجة نفسها.
 
ضحك وانتقل لموضوع آخر لا أتذكره قبل أن يختم الجلسة.
 
//تحقيق بالنقاش والجدال..//
 
انتهى التحقيق أخيرا دون أن توجه لي أية تهمة، إذ كان بمجمله أخذ أقوال أعطيتهم من المعلومات عشرات أضعاف ما دون في البلاغ السخيف.
 
يحسب للمحقق أن منحني مجالا واسعا للنقاش والجدال كان ينتهي احيانا بتراجعه او صمتي قسرا تبعا لانفعاله من إجابتي، أو إرضاء لمن حوله من الحاضرين، وربما هي طريقته التي رآها مجدية للتعامل معي واستخراج المعلومات.. لا أدري..
 
كنت ادرك ما يدون في محضر التحقيق المنتقى اذ كنت اسمع جرة القلم على الورقة في الليل الساكن إلا من أصوات "القوارح" المختلفة بين الحين والآخر عند تجريب الأسلحة المتوسطة وربما الثقيلة التي يجري صيانتها في الورش المحمية –كما القيادات الحوثية الشجاعة- بسياج من العمارات المحيطة المأهولة بأجساد المعتقلين المتوزعين في زنازنها الكئيبة.
 
// البصمة العمياء..!
 
طلب مني أن ابصم، قلت له كيف أبصم وأنا معصوب العينين.. قال: سعليك هن اقوالك والله ما ضفت كلمة من عندي، قلت له: أنا متاكد بس اشتي اقرأ أيش عجبك من كلامي.. قال وقع بس ولا تخاف وامسك إبهامي وضغط بها على خمس أوراق تقريبا، وأنا أقول له: ابصم وانا مغمض العينين يعني أني بصمت على ورق ابيض وأنت اكتب ما تريد.
 
أحدهم (عرفته لاحقا وأدركت صوته)، كان إلى جوار المحقق لخمس ساعات صامتا يستمع افادتي وعندما انتهت الاسئلة نهض وتحرك مغادرا متحدثا للمرة الاولى متنمرا شاتما أمي وأبي.
 
قال عاده يتليقف (يجادل) الصحفيين خونة ومرتزقة وعيال حرام بيلعبوا بالدولارات ويبيعوا دينهم ووطنهم وأعراضهم، وهذا المرتزق (يقصد حضرتي) أمانة ما يصحى الا بتربية بانفرادية ومنع زيارة ودسع (ضرب) لما يستضي قالك جدتي قالك "كعلة أمه".
 
قلت للمحقق ليش زعل هذا الولي مني هل قلت شي غلط..
 
قال سهل إن شاء الله ما يوقع إلا كل خير..
 
ليلتها عدت للزنزانة 33، والليلة التالية استدعاني المحقق ودردش معي حوالى نصف ساعة دردشة عابرة واخبرني انه بعد يومين الى ثلاثة ايام بيرجع الامر من القيادة ويقولوا كلمتهم وإن شاء الله ما يكون الا كل خير.. ثم أمر المرافق ينقلني الى الدور الأرضي الذي مكثت فيه بقية الأسبوع.
 
وصبيحة اليوم الذي نقلت فيه للزنزانة الأرضية وبمجرد أن وجدت نافذة صغيرة تطل على الحراسة المحيطة، وأغلبهم من أبناء منطقة "الهشمة" دونت ارقاما في ورقة قصدير صغيرة انتزعتها من باكت سيجارة، ودونت فيها ارقاما وماذا اريد منهم، ورميتها داخل الباكت وبها 1500 ريال كانت بحوزتي.
 
طلبت منه إبلاغ ثلاثة من الأقارب والأصدقاء أني موجود في عمارة المدعو "أبو يحيى"، لأنهم سينكرون وجودك إذا جاؤوا ليسألوا عن فلان دون أي معلومات إضافية..
 
طلبت من الحارس صاحب الهشمة أن يبلغ أحد أصدقائي أني معتقل، وكنت قد أبلغته سلفا أن يبلغ بعض الأشخاص خارج اليمن حال اعتقال.. ابلغت أقاربي أن يرسلوا لي ملابسي ومصاريف كافية..
 
بعدما رأيت أبرياء الناس الذين ساذكر نماذج لقصصهم في آخر حلقة، معتقلين لأشهر بلا تهمة ولا تحقيق، أدركت أني وقد حققوا معي لخمس ساعات، قد أبقى لخمس سنوات على الأقل.
ولكن الله سلم..