الفن في زمن الحرب..!

الإثنين, 22 أبريل, 2019 05:58:00 مساءً


قبل يومين احتفينا في عمان بتخرج وتفوق عدد كبير من طلاب وطالبات اليمن في الجامعات الأردنية.. وزاد من بهجة النجاح والتفوق  مشاركة عدد من الفنانين اليمنيين البارزين ..كان حضور أبناء الجالية اليمنية  الأعزاء كبيرا ومشرفا .
 
قيل لي إن هناك من قال كيف تحتفلون وتغنون وتبتهجون  والناس في قتال وحرب..؟!
 
عندما التحقت بالجامعة قبل ثمانية وثلاثين عاما ، سمعت من المتشددين حتى ظننت مثلهم لفترة، إن الغناء محرما..!  لكن ذلك الظن، الذي كان يحسن اجتنابه، تبدد سريعا  ولم يتعد السنة التحضيرية ..! بحثت وتحريت بعد ذلك ووقفت على آراء فقهاء دين سابقين ومعاصرين وحقائق حياة، فوجدت إن التحريم زائف وغير معقول.. وخلصت منذ سنين طويلة إلى أن "تحريم الفن حرام..! " ومنه الغناء والموسيقى، بل خلصت إلى إدراك الأهمية القصوى للفن في الحياة وضرورة رعاية الفن والفنانين والاعتزاز بفن اليمن العريق، والغناء منه خاصة.. لكن تيار المتدينين الغالب، في كثير من بلاد المسلمين وخاصة في الجزيرة العربية، ظل يرى التحريم أو الكراهية أو التعاطي بحرج مع كثير من أشكال الفنون ومن ذلك الغناء.. وكانت الحقبة "صحوة إسلامية" بعد تراجع "اليسار التحرري"  و"الليبرالية"  في عالمنا العربي المضطرب..
 
في حقبة "الصحوة"، كان رأي "الفقهاء" المتشددين  ومن في حكمهم لا راد له ولا معقب، في كل مناحي الحياة، ولا مجال لنقاشه.. وكان هناك فقهاء لهم رأي  آخر في قضايا كثيرة ، لكن كثيرا منهم لا يجرؤون على البوح به.. سألت ذات مرة ، وما زلت طالبا في الجامعة، مدرسا  لمادة الفقه وهو من سوريا ، عن الغناء والموسيقى، وتردد بتوجس وخوف، وقال : يا إبني ليس حراما.. ولكن لا تنقل ذلك  عني، ولا تقل إني قلت لك ..! وأرشدني إلى بعض الكتب الفقهية التي تناقش الموضوع ! ورحم الله الشيخ محمد  الغزالي الذي كان يصدع بما يراه حقا، وقال في الغناء إنه  كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح، قال ذلك وهو يعلق على اعتراض أحد طلابه عليه، وهو يدرس في جامعة أم القرى، عند ما وجد الشيخ يستمع لأغنية من الراديو..
 
قبل أكثر من عشر سنوات، دُعي الفنان نايف عوض، من عدن،  لحضور حفل زواج لقريب عندنا في الملاجم البيضاء.. ولما وصل نايف من عدن، بعد عناء ومسافة طويلة وسفر، وأخذ مكانه في المجلس الكبير، مع أدواته وفرقته، وأخذ يستعد للغناء، فإذا بثلاثة من الخطباء والفقهاء الشباب، يدخلون المجلس، وبدأ الأول يعظ، ويلمح، ويوضح، وخلَفه الثاني أكثر صراحة ووضوح في أننا سنقدم على منكر ..! وفندت ما قالوا بحزم وإصرار : وانسحبوا..! وكان الحاضرون في المجلس الكبير يرقبون بهدوء، نتائج  المعركة الحساسة التي حسمت لصالح الفن في ذلك اليوم.. ولعل الأعزاء الذين تسببوا في الإرباك والحرج في ذلك اليوم قد غيروا رأيهم اليوم، وصاروا أكثر أدراكا لقيمة الفنون في الحياة ..!
 
بعد سيطرة الحوثي على صعدة ، اتجهت مسيرة من الشباب إلى صعدة، تدعوا للسلام والتسامح وتؤكد أن صعدة تابعة للدولة ويجب عودتها، وجلست مع بعض الشباب قبل الذهاب وبعد الإياب.. وعند عودتهم أخبروني بأنهم حرصوا أن يغنوا عبر مكبرات الصوت في شوارع مدينة صعدة، وأن الحوثيين الذين يمنعون الغناء ويحرمونه، تغاضوا عن مسيرة الشباب وعن الغناء عبر مكبرات الصوت..!
 
كانت قناة سهيل رتيبة و كئيبة للغاية في بدايتها، ولا أثر فيها للفن، والموسيقى، وكنت سألت بعض العاملين فيها فقالوا : نود ذلك، لكن نواجه صعوبات من المراقب الشرعي ، أو هكذا كانت إجابتهم  ..!  أرجح الان  تلاشي الصعوبات تلك، ولعل أكثر الشباب أخذوا الأمر بأيديهم وتجاوزوا الفتاوي المتزمتة ..
 
قبل عقود كانت الموسيقى، ضمن المقررات الدراسية في اليمن، وكانت السينما متوفرة في المدن الكبيرة ،  أما في عدن فكان الأمر متقدما  بكثير.. وهناك الآن حاجة ماسة لإعادة الاعتبار للفنون ومن ذلك الموسيقى في مدارسنا وحياتنا .. ولست أعرف كيف سينظر زميلنا اللدود، البرلماني،  يحيى الحوثي، الذي قضى بعض الوقت في ألمانيا، إلى موضوع الفن والموسيقى في المدارس، وهو مستحوذ الآن على جل طلاب اليمن ومدارسها ، بفعل منصبه في الانقلاب، أم أن الأمر سيُحصَر على تلقين الطلاب ملازم حسين الساذجة المضللة، وشعارات الموت واللعن والسباب ، وترسيخ الاكتئاب، وإحياء ذكرى الشهداء والأموات منذ أكثر من الف عام..
 
وكنت حضرت دورة في القيادة في واشنطن قبل سنوات ، مع خبراء من أكثر من بلد، وشاركت في اختبار مكتوب يخص الذكاء العاطفي، وكانت النتيجة عالية! ما عدا ما يتعلق  بمستوى السعادة (happinness)، وسألني أحد الخبراء،  لماذا.. ؟ وأجبت : هذا طبيعي ، فأنا قادم من بلد مضطرب، اليمن..! فقال : في مثل هذه الحالة لا بد أن تحاولوا الاحتفال والابتهاج بأصغر الأمور المفرحة  وابسط المناسبات، وهكذا يحسن  أن يكون في كل الظروف المشابهة لبلادكم..! كان الحوثي ما يزال حينها بعيدا عن صنعاء، لكن وجوده في بعض مناطق البلاد مع ملامح فشل قيادة الدولة، كان كافيا لتبديد أي قدر من السعادة ..!
 
وكتبت حينها ، مقالا بعنوان ، لنبتهج ولو أحيانا، وكان ذلك بمناسبة خليجي عشرين الذي أقيم في عدن..
 
ونحن نعيش الظروف المأساوية التي نعرف، يبقى مهما تبديد الكآبة والحزن ما أمكن ، من خلال الترويح، رياضة وفنا وخلافه، حتى لأولئك الأبطال في الجبهات،  كلما كان ذلك ممكنا ، لكن يجب أن يكون ذلك بأقل التكاليف وأبسطها.. وما يعترض عليه الناس وهم محقون ، هو البذخ في بعض المناسبات الخاصة بالمسؤولين ، أما الفرح والابتهاج فمن المفيد إشاعته ونشره على أوسع نطاق، وخاصة في ظروفنا.. كل ذلك لنبقى أسوياء ، ونتغلب على نتائج خمسين عاما من الكآبة، بسبب تغليب الفقه المتزمت، الذي  انتهى بأن يذبح بعضنا بعضا، ونفقد بلدنا، ويظن أمثال الحوثيين وداعش والقاعدة والانفصاليين أنهم على حق..!