موعد مع الجحيم

الخميس, 17 يناير, 2019 04:44:00 مساءً


«أنا لكم ما شئتم، إمام أو سلطان»، قالها «الناصر» صلاح الدين محمد، لفقهاء مذهبه الذين اعترضوا عليه بعد وفاة والده «المهدي» علي بن محمد «ربيع أول 774هـ / سبتمبر 1372م»؛ وذلك لعدم اكتمال شروط الإمامة فيه، سيطر بالقوة على الأمر، ثم مضى في حكمه الدموي، مُسجلاً في «اليمن الأسفل» وتهامة فُصولاً سوداء من القتل والتدمير والنهب، مُكملاً ما بدأه أبوه، وبصورة أشد فضاعة.
  
كان الإمام الجديد مُغامراً مُتهوراً، لم يكل ولم يمل من مقارعة خصومه، والتنكيل بهم، استغل ضعف «الدولة الرسولية»، وكثرة الخونة والمُتربصين من حولها، ووحد القبائل الشمالية، وأمن جانبها، وقادها ووجهها جنوباً وغرباً، من أجل القضاء على تلك الدولة المُنهكة، إلا أنَّ محاولاته باءت بالفشل.
  
يُعد الشيخ أبو بكر السِّيري من أبرز أعيان «اليمن الأسفل» الذين تمردوا على «الدولة الرسولية»، استقل بجبل بعدان قبل «20» عاماً، ليعمل السلطان «المجاهد» علي ومن بعده «الأفضل» عباس على التخلص منه، نجح الأخير في قتله «ذي الحجة 775هـ»، فاستنجد ولده محمد بـ «الناصر» صلاح الدين.
  
لبى «الناصر» تلك الدعوة، وجهز في «رمضان» من العام التالي جيشاً عظيماً قاده بنفسه، التقى بـ «السِّيري» في إب، ثم تقدما بوقت واحد صوب تعز، خيما بالجند لثلاثة أيام، وحين أدرك الإمام أنَّ السلطان قد أعد العدة لملاقاتهم؛ انسحب من طريق آخر، تاركاً من استنجد به لمصيره، فما كان من الأخير إلا أن عاد إلى بعدان مُنكسر القوة والخاطر.
  
كانت تهامة بنظر «الناصر» الجهة الأضعف، توجه إليها منتصف العام «777هـ»، لم يعترض طريقه أحد، استباح عساكره مُمتلكات المواطنين، وخربوا دورهم ومزارعهم، ونهبوا كل شيء وجدوه أمامهم، استعد والي زبيد الأمير أمين الدين أهيف للمواجهة، استنجد بمشايخ المناطق المجاورة، فأمدوه بالرجال والسلاح، وما أن رأى الإمام تلك الحشود حتى راعه المشهد، فخفَّ حماسه، وحماس من قَدموا معه.
  
ينقل لنا «الخزرجي» الذي كان حينها حاضراً جانباً من تفاصيل تلك الواقعة: «حصل قتال بين عسكر الإمام وأهل المدينة، فبينما الناس يقتلون إذ خرج رجل من زبيد عظيم الخلقة، طويل القامة، على فرس كأعظم ما يكون من الجمال، وحوله من الناس جمع كثيف، فلما خرج في جمعه ذلك ورآه العسكر انهزموا بين يديه، فتبعهم فتوجهوا شمالاً، ولم يلتفت منهم أحد، فكان آخر العهد بهم»، وذكر مؤرخ مجهول، أنَّ ريحاً عاتية هبت على «الناصر» وجنوده في طريق عودتهم، وقتلت منهم نحو «1,300» رجل.
  
توجه السلطان «الأفضل» عباس في العام التالي إلى زبيد، وفيها كانت وفاته «21 شعبان 878هـ / ديسمبر 1376م»، فخلفه ولده «الأشرف الثاني» إسماعيل، اضطر الأخير إلى خوض عديد من المعارك لإصلاح ما أفسده الدهر، وكان عهده أكثر استقراراً من سلفه.
  
كانت صنعاء خلال تلك الحقبة خاضعة لـ «الحمزات»، دخلها «الناصر» دون حرب «784هـ»، وذلك بعد مرور عامين من زواجه بوالدة الأمير إدريس الحمزي، أسر الأخير لبعض الوقت، ثم اصطلحا، فيما هرب الأمير داؤود بن محمد إلى السلطان «الرسولي»، وبقي في ضيافته حتى وفاته.
  
بعد خمس سنوات من الصراع، تم الصلح بين السلطان إسماعيل وبين الإمام صلاح الدين، إلا أنَّ الأخير نقضه بعد خمسة أشهر، وعاد لغاراته الجنونية، وحروبه العبثية، توجه صوب تهامة للمرة الثانية، وعاد منها خائباً، ثم توجه بحملة كبرى قاصداً تعز، وحين علم باستعدادات «الرسوليين»؛ استقر بجبلة، خربها ونهبها «شعبان 787هـ»، وعاد أدراجه أيضاً خائباً.
  
كانت لـ «الناصر» صلاح الدين محمد حروباً كثيرة مع «الإسماعليين»، واقعة «المنقب» في همدان كانت الأشهر «788هـ»، وصل عدد القتلى فيها إلى أكثر من ألف قتيل، وعنها قال صاحب «غاية الأماني»: «فلم يكن بأسرع من أن دخل عليهم جند الإمام وحكموا فيهم السيف الصمصام، حتى أتى القتل على آخرهم.. وذلت رقاب همدان لما وقع بهم من عقاب الله وزجره».
  
وعن تلك المعركة قال الهادي بن إبراهيم الـوزير:
واذكر لنا فـتح الإمـام محمـد
بلد الطغـام الفرقـة الأنجـاس
أفنى الإمام الباطنيـة عـن يـدٍ
ومحى رسوم الكفـر والأدنـاس
  
عدن ـ ثغر اليمن الباسم ـ لم تسلم هي الأخرى من مغامرات «الناصر» وطيشه، توجه إليها أواخر العام «789هـ» بجيش كبير، حاصرها لمدة «12» يوماً، ولما دنت عساكره من بابها تقدم أحد قادته وكان مشهوراً باقتحام الحصون، فرُمي بصخرة كبيرة حتى خرَّ صريعاً، ورجع الإمام وعسكره خائبين مهزومين، بعد أن فتكت الأوبئة بأكثرهم.
  
قُدر لتهامة أن تدفع ثمن الجنون «الإمامي» أكثر من غيرها، سكانها بسطاء، وتضاريسها سهلة، وتحصيناتها هشة؛ أسباب اجتمعت وجعلت «الناصر» يشحذ الهمم للسيطرة عليها أكثر من مرة، تحرك إليها بجيشٍ هو الأكثر عدداً وعدة «جماد الآخر 791هـ»، وانضمت إليه وهو في طريقه إليها عدد من القبائل المُتمردة.
  
قويت بذلك شوكته، وزادت عزيمته، اقتحم حرض، ثم المحالب، ثم المجهم، ومارس في كل منطقة سلوكه المحبب في التدمير والنهب، الأمر الذي أثار الرعب في سكان تهامة و«اليمن الأسفل» قاطبة، وكثرت الأراجيف، وظن الجميع حينها زوال «الدولة الرسولية» وإلى الأبد.
  
كان السلطان «الرسولي» حينها في زبيد، استقبل ولاته وعساكرهم الهاربين، واستعد لمعركة الدفاع عن عاصمة دولته الثانية جيداً، استدعى الإمدادات، وأمر بزيادة التحصينات، وحفر الخنادق، حصلت مناوشات محدودة في أطراف المدينة المحاصرة، كبدت «الإماميين» الكثير من الأرواح، قدرها «الخزرجي» بـ «50» فرداً.
  
ظن الجميع أنَّ «الناصر» ولى مُنهزماً، غير مدركين أنَّ الحرب خدعة، وأنَّ المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، حتى السلطان إسماعيل خُدع بالأمر، وعاد إلى مدينة تعز ومعه حشد كبير من عساكره وحاشيته، وصارت زبيد بفعل ذلك التصرف على موعد مع الجحيم.
  
استجمع «الناصر» ـ نيرون ذلك العصر ـ بعد أقل من شهر قبحه، وتوجه إلى زبيد موزعاً عساكره على أبوابها الأربعة، وابتدأ «النشابة» بصب سهامهم على نوبات الحراسة، لتقتحم المدينة من الباب الغربي الأقل تحصيناً، هرب العسكر «الرسولي» وكانوا قلة، وتركوا المدينة المنكوبة ومواطنيها لقدرهم المحتوم.
  
غادر السكان منازلهم، على وقع عويل النساء، وصراخ الأطفال، فيما بقي الرجال للدفاع والمقاومة، وقد استطاعوا بأسلحتهم المتواضعة أن يخرجوا الغزاة إلى خارج أسوار المدينة، الأمر الذي أغضب «الناصر» واشعل نار حقده، ولكي يطفئ ذلك، أمر بإحراق القرى المجاورة، فاشتعلت النيران، وأخذتها الرياح حتى زبيد، فأحرقت المدينة، وطمست كثيرٌ من معالمها المائزة.
  
ابتدأ الجنود «الرسوليون» يتوافدون بقيادة الأمير بهاء الدين الشمسي لإنقاذ المدينة المحروقة، وتحرير تهامة، دارت مواجهات مُتقطعة، خسر فيها «الناصر» حوالي «80» فرداً، أحدهم صهره، وحين أدرك ألا طاقة له بمواجهة تلك القوات، عاد أدراجه من نفس الطريق التي أتى منها، ولم يعد إليه صوابه.
 
قال صاحب «مأثر الأبرار» متباهياً بما فعله سيده: «وكان الإمام قد دوخ بلادهم وأخربها، وحمل من أبواب زبيد وغيرها أشياء كثيرة.. وذكر لي بعضهم: أن الشباك الحديد الذي فوق بيت من بيوت مسجد الهادي، وهو مركب فيه إلى جهة المطراق شامياً من بعض بيوت قرى زبيد».
  
بعد ثلاثة أشهر من تلك الواقعة، تم الصلح بين «الأشرف الثاني» ومحمد السِّيري، واتحد الاثنان لإعادة المناطق المُتمردة لكنف «الدولة الرسولية»، الأمر الذي أغضب «الناصر»، فحشد الحشود القبلية، واقتحم بهم جبلة للمرة الثانية، استعد السلطان للمواجهة، وطلب من أهل البلاد مساعدته، ولولا وصول المدد في الوقت المناسب لمني بهزيمة نكراء، بسبب موالاة بعض القبائل التي اعتمد عليها للإمام نيرون.
  
انسحب «الناصر» إلى ذمار، وارسل في نفس اليوم حملة عسكرية إلى تهامة؛ وكان الموت مصير قائدها وأغلب افرادها، وفي العام التالي توجه صوب مدينة جبلة للمرة الثالثة، وعاد منها مهزوماً، دون أن يحقق مراده.
  
مع بداية العام «793هـ» توجه «الناصر» إلى بعدان، بلاد محمد السَّيري الذي استنصره بالأمس، مارس فيها جنونه، من قتل ونهب وتخريب، فجادت السماء بغيثها، وتجمعت المياه على الطرقات، وجعلتها أكثر وعورة، الأمر الذي سهل لأبناء البلد أن يصدوا توغل تلك الحملة، ويقتلوا الكثير من أفرادها، توجه الإمام بعد ذلك إلى الشعر، وهناك أخرج غله وحقده على سكان تلك المنطقة، وحين لم يظفر بها، عاد أدراجه خائباً كعادته.
  
أجمع كثير من المؤرخين أنَّ «الناصر» كان أقرب للملك من الإمامة، اهتم بالبناء والعمران مجارياً «الرسوليين»، واشتهر رغم ذلك بتعصبه المذهبي، وسعى بكل ما أوتي من قوة وحقد على إجبار كثير من سكان المناطق «الشافعية» على اعتناق المذهب «الزيدي»، وخُطب له ـ كما ذكر بعض المؤرخين ـ في «ينبع، وتهامة، والشحر، وعسير».
  
والأسوأ من ذلك أنَّه كان جريئاً في سفك الدماء، وحين قام سكان أنس بقتل عامله عليهم، قتل منهم «70» رجلاً، وأخذ منهم «70» دية، وفيه قال أحد الشعراء:
لولا حسامك يا ابن الشم من مضر
ما كان في عين دين المصطفى نظر
ودست هامات أهل البغي فانصرعوا
قتلى ومأواهم من بعد ذا سقر
 
الطغاة من أمثال «الناصر» لا يستسلمون إلا لحتفهم، تأخذهم العزة بالإثم حتى النهاية، ولا وجود للتوبة في قاموسهم، وقد كانت الوجهة الأخرى والأخيرة لهذا الطاغية «بني شاور» من بلاد لاعة، حيث الفقيه الشافعي أحمد بن زيد الشاوري «رجب 793هـ».
  
كان هذا الفقيه مناوئا للأئمة، كثير الانتقاد لمذهبهم، وصنف مُختصرا في ذلك، كما أنه منع أبناء منطقته من ترك المذهب «الشافعي»، بعد أن أجبرهم «الناصر» على اعتناق المذهب «الزيدي»، ولأجل ذلك هاجمه الإمام، وقتله هو وولده أبا بكر، وأخوته، وطائفة من فقهاء مذهبه، وخرَّب ونهب بلده، وكان فيها أموال كثيرة مودعة عنده، لثقة الناس به، وقد رثاه إسماعيل المقري بقصيدة طويلة، خاطب بها قاتله قائلاً:
أراني الله رأسك يا صلاح
تداوله الأسنة والرماح
فلا تفرح لسفك دم ابن زيد
فما يرجى لقاتله صلاح
  
استجاب القدر، وتحققت عدالة السماء، ولم يكد «الناصر» يُتم رحلة عودته، حتى سقطت به بغلته، وافتك وركه، وانكسر كعبه، ودخل به إلى صنعاء محمولاً، وكانت بعد ذلك ببضعة أشهر نهايته «3 ذو القعدة 793هـ / أكتوبر 1391م»، عن «54» عاماً، وأخفى أهله خبر موته لأكثر من شهر، كي يستتب الأمر لولده الأكبر علي، وقيل غير ذلك.
  
رب ضارة نافعة، ولولا وفاة «الناصر» صلاح الدين، وعودة الصراع والتنافس «الزيدي ـ الزيدي»، ما استعاد «الرسوليون» عافية دولتهم، وما امتد عمرها حتى العام «858هـ»، تاريخ نهايتها المحتوم، على يد أصهارهم «الطاهريين»، ـ كما سيأتي ـ وكأنه قدر لسكان «اليمن الأسفل» ألا يرتاحوا وينعموا بالأمن والأمان؛ إلا إذا اختلف وتحارب «الإماميون».