العلمانية

الجمعة, 17 أغسطس, 2018 05:22:00 مساءً


موضوع قديم جديد، لكنه حديث الساعة الآن لدى كثير من رواد التواصل الاجتماعي ومجالس الناس، لكأن الدولة استقرت وهذا أوان البحث عن فكرة أو منهج يحكمها.
 
يغالي البعض في الأمر ويرى ألا حل ينهضنا من عثرتنا ويلحق بنا في ركب الحضارة المعاصرة إلا من بوابة العلمانية، وأننا من دونها لا يمكن لنا أن نعيش بسلام، وأن سبب تخلفنا إنما هو لعدم أخذنا بهذه الفكرة الساحرة التي أخذ بها الغرب وعلى ضوئها نما ودرج حتى وصل إلى هذا المستوى.
 
لا مراء أن العلمانية نشأت في الغرب المسيحي، نتيجة لعدد من الظروف والأسباب التاريخية والاجتماعية والدينية أي إنها جاءت ردةَ فعل طبعي للسلوك الذي اتخذته الكنيسة بعد تحريف الكتاب المقدس، لا أحد يملك مجرد المماراة في ذلك.
 
وسواء كانت العلمانية تعني علمنة ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية، وهو المعنى الأول لها أم الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقضية الإيمان بالقبول أو الرفض أم كان معناها فصل الدين عن الدولة وهو من أكثر التعاريف شيوعاً، ويعني فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية، أم كانت تعني فصل الدين عن الحياة (السلطة وعموم الأفراد)، فإن لنا_نحن المسلمين_ بيئتنا الخاصة وتاريخنا الخاص وديننا الصحيح وغير المحرف والصالح لكل زمان ومكان، وظروفنا التي لا تتشابه مع ظروفهم.
 
لقد جاءت العلمانية في بلاد الغرب المسيحية نتيجة لظروف قاسية وتخلف شديد وصراع مرير بين العلم وتعاليم الكنيسة، واللافت أن هذا التخلف والمعاناة كان باسم الدين المسيحي (الكنيسة)، فقد كانت الكنيسة مصدر الظلم والتخلف ومنبع الجهل والخرافة والسند القوي للإقطاعيين، لا بل كانت الكنيسة تمارس بنفسها مهنة الإقطاعيين، تستعبد الناس وتستخدمهم وأولادهم في خدمة الأرض، وتفرض عليهم الإتاوات وتجردهم من جل حقوقهم، وتنشر الدجل والخرافة، فهناك صكوك الغفران التي يشتريها العامة، مرغمين أحيانا، لينالوا الغفران من الكنيسة، وصكوك الغفران هذه هو العشاء المبارك كما تزعم الكنيسة وهو عبارة عن خبز وخمر، يأكله العامي وتقول الكنيسة له إن هذا الخبز هو لحم المسيح والخمر دمه، وإنه إذا فعل ذلك فقد اتحد بالمسيح وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
 
إلى ذلك، كان الإقطاعي يستبيح زوجة العامي في أول ليلة من الزواج، في ممارسات تأبها الطباع وتمجها الأذواق. وبسبب من هذا ورغبة في تكريس هذا الوضع حاربت الكنيسة العلم وقتلوا وسجنوا الكثير من العلماء وكان الصراع قويا بين العلم والكنيسة أو بين الطبقة المستنيرة والكنيسة، على ذلك النحو الذي يعرضه دان براون في إحدى رواياته الواقعية.
 
 لقد وصل الناس لدرجة كبيرة من المعاناة والضيق جراء هذه الحياة القاسية والظلم المرير باسم الدين.
 
وهذه الظروف ولدت لدى الناس حالة من الاحتقان والهيجان وزرعت فيهم أطنانا من السخط العام، ولم يكن بد أن يعلنوا مع العلماء ثورة قوية وعنيفة أطاحت بأركان الكنيسة وأنهت الإقطاع، وقالوا عبارتهم المشهورة: اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس. لقد كان الرد عنيفا وقويا لشدة ما عاناه الناس وطول أمده.
 
هذه هي الظروف والأسباب التي أنتجت العلمانية، وكانت حبل النجاة لهم فهل هي الظروف نفسها التي يحياها المسلمون، هل لدينا من الفراغ في أي مستوى أو مجال من مجالات الحياة حتى نبحث عن أفكار ومناهج أخرى، نشأت في بيئات أخرى وظروف أخرى مواتية!؟
 
ليس بمقدور أحد_ على سبيل المثال_ أن يجادل في أن الإسلام اعتنى بالعلم وحض عليه، كما لا يستطيع أحد أن يذكر مثالا واحدا لعالم مسلم قتل بسبب اختراعه أو اكتشافه شيئا جديدا. لقد شجع الإسلام العلم ووضع العلماء في المكانة العالية والموضع المهيب، ليس العلم الديني فحسب، بل كل أنواع العلم. لقد جعل الإمام الشافعي تعلم الطب مثلا أفضل العلوم بعد العلوم الشرعية، وينكر الإمام الغزالي على أهل قرية أشد الإنكار لأن في قريتهم طبيبا يهوديا.
 
وليس خافيا الحركة العلمية الكبيرة التي شهدها العصر العباسي في كل المستويات، أي إنه لا يوجد مشكلة بين الإسلام والعلم. وإذا كان الغرب المسيحي لجأ إلى هذه الفكرة (العلمانية)فلأنه وجد الدين المسيحي محرفا ويتناقض تماما مع العلم، فعلام يتحمس البعض في جلب نظريات وأفكار نشأت في بيئات أخرى وظروف أخرى لحل مشكلاتنا!؟ 
 
ليس من شك في أن ثمة ممارسات خاطئة من البعض، ولكن هذا ليس دليلا على عدم صلاحية الإسلام مع الواقع مهما بدا هذا الواقع، أكثر تشابكا وأكثر تعقيدا، لأن الأمر باختصار لا يعدو أن يكون ممارسات خاطئة يرفضها الإسلام الذي صاغه الله على نحو يجعله صالحا للتطبيق في كل مكان وزمان. وبلاش كلام فارغ!
 
لا تفسير لتحمس البعض وراء هذه الفكرة، إلا الانهزام الحضاري وضعف التصور، وقلة الوعي بالإسلام وشموليته والتقليد الأعمى، وربما أن جريهم وراء هذه الفكرة يمنحهم شعورا بالزهو والثقافة والتمدن، وهو شعور زائف وارتداد حضاري رهيب!