الإمام يحيى يغزو الجنوب

الإثنين, 09 يوليو, 2018 04:02:00 مساءً


استراحة مُحارب لا أكثر، هكذا كانت الحرب العالمية الأولى بالنسبة للإمام يحيى حميد الدين، ليدخل بعد انتهائها في حروب طويلة مع اليمنيين، تفاصيل احتلاله لـ «الضالع، الشعيب، الأجعود، القطيب»، تشبه تماماً تفاصيل احتلاله لمناطق «اليمن الأسفل»، وكما قاومت المقاطرة توغله لعامين، قاومت ردفان وأخواتها توغله لعامين.
 
طيلة جولاته التفاوضية مع الإنجليز، كان الإمام يحيى دائماً ما يطالبهم بأراضي أجداده، مُستدلاً بسيطرة الأمير أحمد بن الحسن قائد جيوش «المتوكل» إسماعيل على الجنوب، قبل أكثر من قرنين ونصف من الزمن، ناسياً أن أبناء تلك المناطق تعاملوا مع أجداده كمحتلين، قاوموهم من أول لحظة، وطردوهم شرَّ طرده، وقتلوا منهم الكثير.
 
في عدن ثمة مقبرة باسم «أحمد بن الحسن»، احتوت ضحايا الحملة التي قادها ذات الأمير «1646»، وفي أحور قتل الأهالي القائد محمد بن أبي الرجال، ومعه عشرات العساكر، وفي يافع رفض الشيخ عبدالله هررة الخضوع للائمة «1654»، واحتمى ومن معه بالشواهق العالية، ليطردوا بعد سنتين عامل الإمام حافياً، بعد أن قتلوا بعض أصحابه.
 
وفي يافع أيضاً، قاد الشيخان «الناخبي» و«ابن العفيف» المقاومة ضد القوات الإمامية، هُزم الأخير، وصمد «الناخبي»، قتل عشرات العساكر، جلهم من «آنس»، وحين استسلم، وأعطي الأمان، قتله أبناء ذات القبيلة غدراً، انتقاماً لقتلاهم.
 
توالت تمردات أهالي يافع، وكللت بطرد عامل الإمام للمرة الثانية «1682»، ثم قاموا بثورة شاملة «1686»، ليموت على إثرها الأمير الحسين بن أحمد بن الحسن كمداً، بعد فشل إحدى حملاته، قويت بعد ذلك شوكة الثوار، سيطروا بقيادة السلطان قحطان معوضة على لحج وعدن «1702»، إلا أن «المهدي» محمد بن أحمد بن الحسن نجح في ذات العام باستعادتها.
 
وحدها ردفان ظلت حينها عصية على السقوط، استمات ثوارها بالدفاع والمقاومة، وكبدوا الغزاة عشرات الضحايا، وفي جبالها الوعرة سقط عامر بن صالح ـ قائد الحملة الإمامية ـ بحصانه من على مرتفع شاهق، سميت المنطقة التي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة بـ «الحقفة»، انتصرت حينها ردفان، وعاد الغزاة من حيث أتوا.
 
قاد السلطان ناصر بن صالح هررة بعد ذلك ثورة يافع الكبرى «1705»، سيطر على لحج وحكمها لـ «22» عاماً، وامتدت سيطرته إلى أغلب مناطق الجنوب، وفي نفس العام أيضاً توجه «6,000» مقاتل يافعي صوب حضرموت، بطلب من «الكثيريين»، طردوا العساكر الإمامية منها، وحكموا ساحلها حتى العام «1866»، تحت مسمى الدولة «البريكية».
 
صحيح أن «المنصور» الحسين بن القاسم استعاد لحج وعدن «1727»، إلا أن فضل العبدلي تمكن بعد أربع سنوات من قتل عامله على لحج، ثم تحالف مع سلطان يافع سيف بن قحطان، واستعادها بسرعة خاطفة «1732»، بمساعدة مائزة من الأخير، معلناً قيام «السلطنة اللحجية».
 
كان ثمة توجه انجليزي بتسليم الإمام يحيى أغلب المحميات الجنوبية، مع الحصول منه على بعض الامتيازات، الكرنل هارولد جيكوب كان من أكبر الداعين لذلك، عزم على التوجه إليه عبر الحديدة «21 أغسطس1919»، إلا أن أبناء «قبيلة القُحري» التهامية احتجزوه لأربعة أشهر، وحالوا رغم المغريات والتهديدات دون وصوله إلى صنعاء، وذلك خوفاً من ربط مصيرهم بالإمام.
 
كانت الحديدة حينها تحت سيطرة الإنجليز، احتفظوا بها لأنفسهم، وسلموا باقي مناطق تهامة لحليفهم محمد الإدريسي، ووعدوا الإمام يحيى بتسليمها إياه، إن هو رضخ لشروطهم، لم يرضخ الأخير، غضب من عدم تأديبهم لـ «قبيلة القُحري»، وجدد العزم على احتلال الضالع، وبعض المحميات المجاورة لها، فما كان منهم ـ بعد أكثر من عام ـ إلا أن سلموا الحديدة لعدوه اللدود «الإدريسي».
 
قبل ذلك، سقطت قعطبة بيد قوات الإمام يحيى دون قتال، وعُين أحمد محمد الأنسي عاملاً عليها، وفيها تمرد أهالي «مريس»، وأصلوا الجحافل الغازية نار غضبهم، وحين دارت الدائرة عليهم، ولوا هاربين إلى الشعيب، لتأتي الأوامر المتوكلية لـ يحيى بن محمد ـ حفيد الإمام عباس بن عبد الرحمن، وأمير الجيش في تلك الناحية ـ بالتوجه جنوباً، قاومه في البدء أهالي منطقة «الجليلة» من «بلاد الشاعري»، لينجح بداية العام «1920» في اجتياح إمارة الضالع.
 
الضالع حينها لم تكن ضمن السلطنات الجنوبية الخاضعة لحماية الإنجليز، رغم احتلالهم لها في العام «1902»، بل أن أميرها ناصر سيف تلقى دعماً من قبل الإمام يحيى لمحاربتهم، وقد فعل ذلك، ثم ما لبثا أن اختلفا، والسبب، عدم رغبة «ناصر» الدخول تحت وصاية الأمير يحيى عباس، وقد أرسل لذات الغرض شقيقة الأصغر «نصر» إلى الأمير علي الوزير، طالباً منه التدخل، والمطالبة بضم الضالع إلى «لواء تعز»، إلا أن الإمام رفض ذلك، فكانت الحرب.
 
من اللحظات الأولى لاجتياح القوات المتوكلية منطقة الضالع، تداعى رجال القبائل المجاورة لمواجهتا، بقيادة الأمير ناصر، فشلوا في إيقاف توغلها، فأكمل الغزاة احتلالهم لباقي المناطق، لتسقط بعضها دون قتال، مثل «جبل جحاف» الذي أعلن شيخه علي طه الاستسلام، وكذلك «جبل حرير»، وما والاه من «بلاد المفلحي»، لتأتي الأوامر المتوكلية بتعين محمد الشامي عاملاً على الضالع.
 
أما «الشعيب»، فقد انقسم الأهالي هناك إلى فريقين، فريق خنع، وفريق قاوم، وهؤلاء حضوا بدعم ومساندة من «مشايخ يافع»، كان «حصن شُكُع» مقرهم المنيع، وعلى تخومه دارت أولى المعارك، صمدوا فيها ليومين، لينسحبوا بعد سقوط الحصن إلى أطراف منطقتهم، مجددين العزم لجولة حاسمة.
 
كثف الثوار من استعداداتهم للمواجهة، تمركزوا في «حصون القزعة»، وما هي إلا أيام معدودة حتى أقبل إليهم الجند الإمامي بحشده الكثيف، فقد تكاثروا وتجاوز عددهم الـ «5,000» مقاتل، وكان غالبيتهم من قبائل «نهم، وخولان، وجبل عيال يزيد، وبني عبد»، لتدور بين الجانبين معركة كبرى استمرت لثمانية أيام، كان النصر في النهاية حليف القوات الغازية، التي نجحت بعد ذلك في السيطرة على «حصن حالمين»، لتأتي الأوامر المتوكلية بتعيين محمد علي إسحاق عاملاً على الشعيب.
 
كان «مشايخ يافع» يعتبرون الشعيب من المناطق الخاضعة لسيطرتهم، استمروا بمراسلة الإمام يحيى مطالبين إياه بإعادتها إليهم، وحين يأسوا، ذكروه ببطولاتهم في دحر قوات أسلافه من لحج إلى حضرموت، وهددوه: «واليوم جاء دوركم»، وأضافوا: «لقد اعتديتم على حدودنا، وقتلتم أنساب من أهلنا، وتعلمون أن أكثركم عندنا قليل، ومقامكم عندنا ذليل، فلا تهلكوا أنفسكم بأيديكم، واحمدوا الله إذ خاطبناكم قبل أن تطرح الحرب بأوزارها».
 
خلال العام «1921» بدأت المقاومة اليافعية المُنظمة، تصدرها هؤلاء المشايخ، وتداعى لها رجالات «الأجعود، والقطيب»، وبعضاً من أهالي الشعيب، وكونوا قوةً ضارية، قوامها «8,000» مقاتل، قسموها إلى ثلاث مجموعات، مجموعة توجهت إلى الأجعود بقيادة ناصر بن سيف، وأقدمت هناك على قتل مجموعة من العساكر، وإلى الشعيب توجهت قوات أخرى بقيادة أبوبكر النقيب، وقد حاصرت العامل إسحاق ومن معه فيها لأسابيع، أما المجموعة الثالثة فقد توجهت صوب «جُبن»، وتولى قيادتها الشيخ صالح البكري.
 
أيقن حينها الغزاة بالهلاك، وما هي إلا أيام معدودة، حتى وصلهم المدد تلو المدد، بقيادة الشيخ قائد بن راجح الخولاني، توجه الأخير بمن معه إلى الشعيب، وإلى الأجعود توجهت قوات أخرى بقيادة «عامل الضالع» الشامي، نجح الأخير بالسيطرة عليها، أما «قائد» فلم يستعيد الشعيب، ويفك الحصار عن أصحابه، إلا بعد عناء.
 
أجبرت الزحوفات الإمامية المتتالية الثوار المرابطين في «جُبن» على العودة إلى الشعيب، لنصرة أصحابهم هناك، لتدور في أحراش وشعاب تلك المنطقة معركة كبرى، خسر فيها الفريقين عشرات الضحايا، وكان النصر كالعادة حليف القوات الغازية.
 
يصف المؤرخ المُتوكلي عبدالكريم مطهر تلك الواقعة: «كانت ملحمةً كبرى، ويوماً من أيام الله التي لا يزال يتردد لها في العالمين ذكرى، أسفر عن إنزال الله نصره على المؤمنين، وهزيمة الباغين والمتفرنجين»، وأضاف: «وانقشعوا عن الشعيب كله ـ يقصد الثوار ـ ولم يستقروا إلا في بلادهم، وكفى الله المؤمنين شرهم، وانتهب المجاهدون ما وجدوه من أموالهم ومهماتهم، وتعدى النهب إلى أموال أهل الشعيب».
 
أعلنت الأجعود دخولها حضيرة دولة الإمامة، وبذل مشايخها رهائن الطاعة، أما القوات الغازية فقد أكملت تقدمها، ولم يعترض طريقها سوى قلة من الثوار، لتبدأ مع وصولها تخوم ردفان مُقاومة شرسة، تصدرتها قبائل «العبدلي والقطيب»، وقد تولى الشيخ محمد صالح القطيبي مهمة قيادتها.
 
فشل الغزاة بقيادة «الشامي» ـ عامل الضالع ـ بتجاوز «دار الخروف»، عززوا تواجدهم بالمدفعية، وبقوات أكثر فاعلية، بقيادة قائد بن راجح، لتدور على مشارف الدار عدة معارك، انتقلت المواجهات بعد ذلك إلى «الحصن»، و«رهوة المنقل»، و«جبل حقلة»، وبعد سقوط تلك المواقع، تحصن الثوار في «الداعري والضنبري»، الأكثر وعورة.
 
كانت معركة «الحصن» هي الأشهر، سقط فيها «الرويشان»، قائد الغزاة الأبرز، أدركه المُقاومون وهو يحتضر، وفي ذلك قال أحدهم:
والعبدلي بالحصن سي ليه
لما وصل عند الرويشاني
قال اسقني وتبرء الذمه
والموت قد شفته بلعياني
 
يقول المؤرخ الردفاني، سالم راشد ذيبان: «كان الزيود يتصلون بمراكزهم بواسطة النفير، ويتفاهمون به، وقد أكثروا من ضرب الطبول والهيد، وكانوا يهتفون بأصوات مُرتفعة: يا إماماه.. يا متوكلاه.. وكلما سقطت منطقة، تمركزوا في منازل المواطنين، وفرضوا المصروفات عليهم».
 
في تلك الأثناء وصلت رسالة من الإمام يحيى إلى مقاتليه، حثهم فيها على اسقاط «جبل ودنه»، وذكرهم بنصر الله الذي مكن المجاهدين ـ قبل أربعة أشهر ـ من الاستيلاء عنوة على قلعة المقاطرة، وأن «ودنة» ليس بأمنع منها، ولا المجاهدون هنالك بأرغب منهم في ابتغاء ما أعد الله لهم من الأجر والثواب.
 
تحفز بعد ذلك الغزاة لاجتياح «جبل ودنه»، وقرروا الهجوم عليه ليلاً «16 فبراير 1922»، بعد أن اقتسموا لثلاث فرق، فرقة بقيادة قائد بن راجح وأصحابه من خولان، ومهمتها الهجوم على الجبل من الجهة الشرقية، وفرقة بقيادة الشيخ علي بن مصلح العبدي، وأصحابه من «بني عبد ـ حاشد»، ومهمتها الهجوم من الجنوب، ومجموعة ثالثة من حاشد أيضاً، مع بعض عساكر النظام، ومهمتها الهجوم من جهة الشمال.
 
يقول «مطهر»: «وأعان الله الأنصار على النهوض إلى أعلى الجبل، والاستيلاء عليه، وطرد المخالفين، بعد مصادمة شديدة، وجلادٍ عنيف.. فاستولوا على غنائم كثيرة، وأحرقوا بعض البيوت، ورتب المجاهدون جبل ودنه، وقد فازوا بما راموه بحول الله ومنِّه».
 
بعد سقوط «جبل ودنه»، قام «800» مقاوم بهجوم ليلي مباغت على «جبل حقلة»، استولوا على بعض المواقع، وقتلوا ثمانية من العساكر، وحاصروا من تبقى في أحد الحيود، ثم كان انسحابهم بعد وصول قوات إمامية كبيرة لإنقاذ المحاصرين، وقد أدت تلك الحادثة إلى هروب بعض العساكر إلى بلدانهم، وتخليهم عن الخدمة في الجيش الإمامي.
 
نجح الغزاة بعد ذلك في اختراق «وادي تيم»، وعلى ضفافه دارت أشرس المعارك، استمرت لشهرين، نقل الشاعر سعيد الحجيلي تفاصيلها بقصيدة طويلة، نقتطف منها:
شهرين ذي ضلت طوارفنا وكد
والنار بتوقد بحر أشعالها
ضرب المدافع والمرافع والهيد
زيدة بني مزيد وكثر انسالها
عاهيه جثثهم باقية في كل حد
للكلبة تجلس تعيّش حالها
 
وحين لم «يتمكن الأنصار من التقدم إلى جبل ردفان، ومناجزة من فيه من الأعداء اللئام» ـ حد توصيف «مطهر» ـ رأى الأمير محمد يحيى عباس أن يتوجه إلى هناك بنفسه، ومعه المدد من بشر وعتاد، ليقوم بمجرد وصوله بتقسم جيشه الجرار إلى عدة مجموعات، أشرف بنفسه على سير المعارك، وعلى يدية سقط جبل ردفان، وذلك منتصف العام «1922».
 
مَشايخ كُثر قَدموا الطاعة للإمام، وتبعاً لذلك تَدخل بعضهم لإيقاف سعير المُواجهات، تنكر الغزاة لجهودهم، ولم يقبلوا شفاعتهم، يقول «ذيبان»: «تقدم جيش الزيود وهدموا دار الشيخ صالح عبدالحبيب، ولم يتمكن الشيخ ثابت عثمان في اقناعهم بالعدول عن ذلك»، الأمر الذي ولد ثارات وأحقاد، اُتهم «ثابت» بالتواطؤ مع الغزاة، قتله المقامون، وكذلك فعلوا بالشيخ صالح أسعد البكري، فيما بعد.
 
لم يخسر المشايخ الخانعون بلدهم وأهاليهم فحسب، بل خسروا أنفسهم، تعرضوا لصنوف شتى من الإذلال، صيرهم الغزاة ورعاياهم كعبيد لتوفير المؤن، وإيصالها مع الذخائر إلى أماكن المواجهات، ومن تخاذل منهم كان مصيره السجن.
 
وهذا الشيخ محمد صالح لخرم، صحيح أن الأئمة أحسنوا استقباله ـ حين أعلن طاعته بادئ الأمر ـ وأطلقت له المدفعية في قعطبة أربع طلقات ترحيبية، وخصوه بمرتب شهري، وعينوه حاكماً على بلاده، إلا أنهم ـ فيما بعد ـ لم يرحموا كُهولته، حبسوه لسبعة أشهر، ولم يفرجوا عنه إلا بعد أن افتدى نفسه بمال عظيم، وكذلك فعلوا بالشيخ عبدالنبي العلوي، والشيخ مقبل عبدالله، وقد نُقل عن الأخير قوله وهو في سجنه بصنعاء:
قال أبو سيف من صنعاء ذكرت البلاد
وني كما الحيد ذي مابتليَّن حجاره
 
كان ذلك التخاذل من أهم أسباب سقوط ردفان، وفي ذلك قال «ذيبان»: «تمكن الزيود من التمركز وبناء المراتب في بلاد البكري، وفي سليك، حيث استخدموا الناس بالسخري.. فقدمت القبائل المقاومة الطاعة، وسلمت الرهائن..».
 
«يا مُكسي العَاري ومُخضر العُود.. نَجي قَائد مِن حَرب لجْعُود»، هكذا كانت قد توسلت إلى الله تعالى زوجة الشيخ قائد بن راجح الخولاني، بعد أن توجه الأخير بمجاميع كثيرة من قبيلته إلى جبال ردفان، تعزيزاً للقوات الإمامية المُنكسرة هناك، نجا «قائد»، إلا أن «جبال ردفان» ابتلعت مئات الجنود.
 
قبل سقوط ردفان بعدة أشهر، عُقد في القاهرة «مؤتمر الشرق الأوسط»، وكان من أهم توصياته الاعتراف بسلطة الإمام على المحميات، إلا أن المقيم السياسي في عدن عارض ذلك وبشدة، وقد ساهم ذلك التخبط الانجليزي بفتح شهية الإمام، طالبهم صراحة بأراضي أجداده، وأبتدأ بمراسلة السلاطين، وحثهم على الانضمام إليه، وقد انخدع به البعض.
 
بفشل المُفاوضات بينه وبين الانجليز «1923»، أخذ الإمام يحيى «البيضاء، وإمارة العلوي، والأميري، والمسبعي، والعواذل العليا، والعواذل السفلى» من تحت أيديهم، كما تمكن من السيطرة على الحديدة «1925» دون قتال، زال بذلك مبرر وجوده في المحميات، حسب رؤية المقيم السياسي في عدن، فأرسل بداية العام التالي إلى صنعاء بالسير جلبرت كليتون، ليعود الأخير منها بعد «26» يوماً خائباً.
 
السماح للإمام يحيى بالبقاء في المناطق التي احتلها، سيحفزه أكثر لمعاودة القضم التدريجي لباقي المحميات، كانت هذه هي النتيجة التي استخلصها «كليتون» من محادثاته تلك، مُشدداً على ضرورة استخدام القوة لحل ذلك النزاع، وقد دون في مذكراته: «أن استخدام سلاح الطيران الملكي البريطاني ضد اليمن، أمر لا مفر منه».
 
بأسلوبه التقليدي المُذل، حكم الإمام يحيى تلك المحميات، عض حينها من ناصروه أصابع الندم، وتوجه بعضهم صوب الإنجليز طالبين المُساندة، وقد حمل المؤرخ ذيبان الإمام مسؤولية ذلك، قائلاً: «لو كان الإمام جعل حملته ذات طابع وطني، دون أن يُثقل كاهل المواطنين، ما تخلف عن أمره أحد».
 
وفي المقابل، كان «أمير اللواء» يحيى عباس، من كبار غلاة الزيدية، عمل أثناء توليه تلك النواحي، على إذلال الرعية، وإجبارهم بأن يتحاكموا بموجب المذهب الزيدي، وأن يزيدوا في الأذان بـ «حي على خير العمل»، بل ووصل به تعصبه بأن يفسخ زواج العلوية من غير العلوي، وقد اتهمه أحمد الشامي ـ ابن «عامل الضالع» ـ بأنه كان يحبذ سياسة القوة، والتشدد، وعدم الاقتناع بما في اليد، مما أدى إلى تجدد المواجهات.
 
وهذا أمين الريحاني أثناء رحلته إلى اليمن «1922»، التقى بمواطنين من «لحج، والحواشب، وماوية»، استغرب من تفضيلهم للأتراك والإنجليز على الإمام، قدم حينها نصيحته الصادقة للأخير، قائلاً: «لو حكم الإمام يحيى حكماً مدنياً بحتاً، لا حكماً زيدياً، لتمكن من تحقيق مطامعه السياسة، أما اليوم فالشوافع في حكمه غير راضين».
 
وهي الصورة ذاتها التي عمد عبدالعزيز الثعالبي على نقلها في كتابه «الرحلة اليمنية»، أثناء مروره من مدينة السياني «1924»، صحيح أن رجالها منعهم الخوف من الإفصاح عن مكنونات استيائهم من الإمام وعساكره، إلا أن النساء تحدثن له بقوة عن ذلك، قالت إحداهن: «وأما حكم الزيدية فنحن لن نرضى به أبداً، ولا يمكن أن يدوم، فهم بدويون لا يدرون قيمةً للحرية، ولا يذوقون طعماً للعدل، دأبهم أن ينهكوا كواهلنا بالجبايات، وينعموا بها».
 
وما أثار استغراب «الثعالبي» حينها، حنين أولئك النسوة لحكم الأتراك، وحديثهن بحسرة عن ماضيهم، وعن الخير الوفير الذي جادت به الأرض أثناء تواجودهم، وأنهن لم يعرفن في عهدهم مجاعة ولا استلاب، مُتسائلات: «متى يعود الأتراك؟!»، وحين قاطعهن: «كيف يعودوا وأنتم قاتلتموهم»، ردت ذات الفتاة: «لا تتهمنا باطلاً، فإننا لم نقاتل الأتراك، بل كنا نموت إلى جانبهم فداء لهم، وإنما قاتلهم الزيدية، وهم أعداؤنا وأعداؤهم».
 
اشتعلت جبال ردفان بداية العام «1928» بالثورة، وتمكن أبطالها الصناديد من طرد الحامية الإمامية في «حصن سليك»، أرسل عامل قعطبة بـ «900» مُقاتل، تعزيزاً للقوات المنهزمة هناك، هزمهم الثوار، قتلوا «18»، وأسروا ثمانية، وأتموا ثورتهم باستعادة «الحامورة، والردوع، والدمنة، والبكري»، الأخيرة سلماً، وهكذا تحقق لهم تحرير ردفان قبل تدخل الإنجليز.
 
وجد الانجليز في دعوة المشايخ لتدخلهم فرصة ذهبية للانتقام من الإمام يحيى، الذي سبق وتحالف نكاية بهم مع الطليان، دعموا الثوار بالأسلحة المتطورة، فيما قامت طائراتهم بـ «48» غارة على الحاميات الإمامية بالجنوب، ولم يستثنِ القصف مدن شمالية، كـ «تعز، وقعطبة، والتربة، ويريم»، سقط بسببه أكثر من «300» شخص بين قتيل وجريح، وقد سميت تلك الحرب بـ «حرب الطائرات».
 
فرَّ عساكر الإمام بصورة مُخزية، ليعلن سيدهم الانسحاب التام، بعد ستة أسابيع من الحرب الغير مُعلنة «14 يوليو 1928»، أصيب العشرات منهم بالجنون، كونهم لم يألفوا أزيز الطائرات من قبل، ولا انفجارات «قنابرها» ـ حد تسميتهم ـ وحين تواردت الأخبار إلى صنعاء، بأن الأسطول الانجليزي رابض في سواحل الحديدة، استعداداً لاحتلال اليمن، سارع الإمام بنقل معظم أمواله إلى شمال الشمال.
 
كان بعض السلاطين قد تعاطوا إيجاباً مع مبادرات الإمام يحيى، إلا أنهم بعد أن رأوا سوء أعماله، ارتموا في أحضان الإنجليز، وصاروا أكثر عمالة لهم، وأكثر رفضاُ للإمام، ولتدخلاته، عقدوا في العام التالي مؤتمرا كبيراً، وفيه أشهروا توجههم الجديد.
تبعاً لذلك فتح الانجليز صفحة جديدة مع الإمام، الذي انسحب سلماً من «العواذل، وبيحان»، اللتان بقيتا تحت سيطرته، وقعوا معه «معاهدة صنعاء»، اعترفوا له فيها باستقلال مملكته، ونجحوا بانتزاع اعتراف منه بالحدود الشطرية القائمة «11فبراير1934»، لتدخل قواته نهاية الشهر التالي في مواجهات مسلحة مع «آل سعود»، تعرض لهزيمة ماحقة، ضعفت بعد ذلك قوته، وتبددت هيبته، وأخذ الأحرار اليمنيون يفكرون جدياً في كيفية التخلص منه، مُعلنين بدأ العد التنازلي لطي صفحته.
 
ما سبق، لمحات موجزة، لتاريخ مُشبع بالمُقاومة، أشار إليها معظم المؤرخين إشارة عابرة، وحده مؤرخ ردفان تعمق في تفاصيلها أكثر، عبر كتابه «من حقيبة الدهر»، ومن هنا تبرز أهمية إنعاش الذاكرة الشعبية، وعلى المُهتمين تولي تلك المهمة، كلٌ في محيطه، تماماً كما فعل «ذيبان».