السفر على الهوية المتشظية

الأحد, 01 يوليو, 2018 09:03:00 مساءً


على طول الطريق من صنعاء وحتى مأرب يفقد المواطن يمنيته على يد مبندقين حلوا أنفسهم بدلا عن السلطة المغتصبة ويتعاملون مع اليمنيين كمشتبهين بتهم الهويات الجغرافية والانتماءات المناطقية واقع مبكي صار المواطن فيه محط شك لدى المبندقين وخطر على الامن بسبب هويته وهو الحال نفسه ايضا في الطريق إلى عدن.
 
يشكو اليمنيون دائما من التعامل السيء في كل مطارات وبلدان العالم لكن التعامل الأسوأ والمهين لليمنيين صار من قبل النقاط المسلحة المنتشرة على طول الطرق الرئيسية في البلد.
في كل نقطة يصعد مسلح للباص الناقل للركاب ويطلب منهم هوياتهم لينتقى ضحاياه حسب انتماءاتهم المناطقية.. ليتم منعهم من السفر لمجرد أن يكون احدهم من تعز أو عمران أو المحويت أو غيرها من المحافظات .
 
في هذه النقاط يبقى الباص متوقفا بين الساعة والساعتين لإشباع رغبات مسلحين يتعاملون مع اليمنيين كمجرمين في اعتداء صارخ على حق التنقل ،وهو حق اصيل مكفول لأي انسان وتنظيمه يحتاج لإجراءات سلسة ومسئولة لا فصول من العذاب للمرضى وكبار السن والنساء والاطفال.
 
قبل ان نطلب من الاخرين احترام حقوقنا وهويتنا علينا أن نحترمها نحن.. لا ان نبقى دواعش ومرتزقة في نظر المسلحين من صنعاء إلى رداع أو الضالع وقناديل وحوثة لدى نقاط البيضاء ومأرب ونقاط المحافظات الجنوبية ايضا من الضالع الى عدن.
 
رحلة التفتيش والمعاناة بدأت من نقطة مستحدثة خارج صنعاء مرورا بنقطة خارج مدينة ذمار وصولا إلى مأرب جميعها تحاكم الركاب على انتماءاتهم الجغرافية.
 
في نقطة أبو هاشم برداع اعتلى مسلح الباص وطلب الهويات لينزل اثنين من الركاب بسبب انتماءاتهم الجغرافية ، وما هي إلا دقائق وآتى مسلح آخر ليمارس نفس الدور.. رد عليه السائق ان شخصا سبقه في التفتيش ليغادر ، وما هي إلا دقائق من الانتظار ليأتي مسلح آخر يستهوي اللذة في التفتيش ايضا.. ابلغناه ان هناك من سبقه إلى هذه المهمة وتم انزال اثنين من الركاب ونحن الآن في انتظارهما.. فرد بعنجهية:" اثنين فقط هذا لا يصح" وبدأ في التفتيش في الهويات مرة اخرى.
 
بعد انتظار طويل وتعنت النقطة في موقفها الرافض لسفر اثنين من الركاب اضطر السائق لتركهما هناك مع مواساتهما بأنه يمكنهما اللحاق بنا مع اي باص بواسطة التذاكر التي معهما.
 
في البيضاء كان الباص يشق الظلام والطريق معا.. وفي إحدى نقاط الشرعية اعتلى مسلح بزي عسكري يبحث عن القناديل والسادة حد تعبيره بين الركاب المنهكين والنائم أغلبهم بفعل ويلات الطريق وقساوة إجراءاتها.
 
كان سؤالا صادما ايضا .. قابله الصمت من الجميع الذين يحرصون على تحمل كل هذا النزق الذابح للهوية اليمنية.
 
في النقطة المتاخمة لمدخل مأرب انزل احد الجنود أشخاصاً بالهوية أيضا مشككا بالتقارير الطبية التي يحملونها للعلاج في الخارج ، متعاملا معهم كحوثة يريدون الهرب خارج اليمن حد وصفه طالباً منهم معرفا لهم في بلادهم التي لم تعد البطاقة الشخصية فيها كافية لإثبات يمنيتك ... لكنه وبعد أكثر من نصف ساعة انتظار أعاد لهم بطاءقهم..
 
يمشي اليمني كغريب في بلاده يحتاج لإخفاء موطن مولده أو مكان إقامته لا لجرم ارتكبه سوى ان هذه الحرب اللعينة مزقت النسيج الاجتماعي وعادت بين اليمنيين وأشعلت ثأرات لن تتعافى البلاد منها على مدى عقود قادمة.
 
من بعد مأرب يتنفس المسافر الصعداء ويتجاوز حالة التوتر والقلق من أن يكون بين لحظة وأخرى متهم بدون جرم ارتكبه سوى ان ويلات الحرب أجبرته على السفر بحثاً للعلاج اأو الأمان أو طلب الرزق.
 
23 ساعة قطعناها من صنعاء إلى سيئون كانت جرعة عناء ومشقة لا تحتمل خاصة للمرضى وكبار السن والنساء والاطفال .. معاناة طويلة للوصول إلى منفذ جوي تطير منه أوجاعنا ومآسينا بحثا عن تطبيب أو متنفس ولو لبعض الوقت.
 
هنا لا بد من دعوة لكافة الأطراف لتسهيل حق التنقل واتخاذ الإجرءات السلسة وفتح الطرق التي تحولت الى متارس وساحة موت بدلا من ان تكون منافذ نجاة .

من حائط الكاتب على "الفيسبوك"