الإمام البخيل.. وفرن الكُدم (1)

الاربعاء, 27 يونيو, 2018 06:21:00 مساءً


بعد يوم واحد من وفاة الإمام محمد يحيى حميد الدين «4 يونيو 1904»، خلفه في الإمامة والمقاومة ولده الوحيد «يحيى»، ذو الـ «36»، حدث بادئ الأمر لغط كبير حول تنصيبه، اجتمع فقهاء الزيدية في حصن «نواش»، فدفع «يحيى» بصاحبه شيخ حاشد ناصر بن مبخوت الأحمر للضغط عليهم، ولم يدعهم الأخير يخرجوا من مجلسهم إلا بعد بيعتهم، تردد في ذات اللقاء العلامة أحمد عبدالله الجنداري عن المبايعة، لعدم وجود شرط الكرم والسماحة في الإمام الجديد، وضع الشيخ الأحمر حينها يده فوق عصاه، وقال مهدداً: «وهذا الشرط الناقص».
  
كان حصن «شهارة» المنيع مقراً لحكم الإمام الجديد، الذي تلقب بـ «المتوكل»، وعد مقاتليه بـ «الغنائم الكثيرة» وأفتى بـ «أن من قتل تركياً دخل الجنة»، بدأ عهده كأبيه بمحاربتهم، وسيطر بـ «20,000» مقاتل على أغلب مناطق «اليمن الأعلى»، في البدء سيطر على «عمران»، ثم «حجة»، ثم «ثلا»، وغيرها.
  
كانت رسائل الإمام يحيى إلى كبار مشايخ القبائل الذين توافدوا عليه لقيادة حملاته العسكرية، تبدأ بهذه المقدمة: «إلى خادمنا، إلى الشيخ فلان الفلاني، وسائر خدامنا من حاشد وبكيل»، فيما كان رد هؤلاء يبدأ بعد صدور السلام، مروراً بتقبيل بواطن الكف والأقدام، وينتهي من المملوك فلان ابن فلان، وقد وافقت تلك التحركات إقالة الأتراك لعبدالله باشا، وتعيين توفيق باشا بدلاً عنه، الذي لم يستطع أن يعمل شيئاً لمجابهة تمدد قوات الإمام يحيى.
  
في تلك الفترة، أعلن الحسن بن يحيى الضحياني نفسه إماماً، وتلقب بـ «الهادي»، وهو من الأسرة القاسمية، كان واسع العلم، وذو طموح سياسي محدود، اكتفى بحكم المناطق التي تحت يديه، وتسمى بـ «إمام الشام»، وسمى منافسه بـ «إمام اليمن»، ولولده «عبدالله» كتاب في سيرته، وقد عمد بعض مؤرخي العهد المتوكلي على تسميته بـ «المشاقق».
 
أختار علماء صعدة «الضحياني» إماماً فور تلقيهم نبأ وفاة «المنصور»، وذلك بعد ستة أيام من دعوة الإمام يحيى، وقيل أنهم بايعوه من قبل، بسبب تجاهل الأخير لمطالبهم الإصلاحية، وأنه أجل دعوته احتراماً لسلفه، الذي كان حينها يحتظر، لم يعادِ «الضحياني» الأتراك، وقيل أنهم ساندوه في حروبه الدفاعية ضد الإمام يحيى، صمد لـ «5» سنوات، وبالحيلة أستطاع منافسه أن ينتصر عليه، وأنتهى به الحال بالموافقة على العيش بـ «باقم»، متخذاً منها هجرة للعلوم الدينية حتى وفاته «1927».
  
بالعودة إلى الإمام يحيى ومعاركه مع الأتراك، فقد حاصرت قواته صنعاء، لـ «6» أشهر متتالية، ليدخلها بعد جلاء نحو «9,000» تركي بعائلاتهم، وانسحاب عساكر الحامية التركية ومعهم «800» بندقية موزر إلى «حراز»، بموجب إتفاق صلح، وقعه الطرفين «27 ابريل 1905»، أشرف الإمام بنفسه عليه، كما أشرف من قبل على سير المعارك.
  
سيطرت قوات الإمام يحيى حينها على معظم مناطق اليمن الخاضعة للأتراك عدا تهامة وتعز، استقر بـ «كوكبان» مدة، ثم بـ «القابل»، ليدخل صنعاء بعد شهر من توقيع ذلك الصلح، اللافت في الأمر أنه سمح باستمرار الدعاء للسلطان، واستبقى الراية العثمانية ترفرف في المدينة، مبرراً ذلك، بأنه يصب في مصلحة المسلمين.
 
استطاع الإمام يحيى بموجب ذلك الإتفاق الحصول على كمية هائلة من الأسلحة، قدرها الأتراك أنفسهم بـ «56» مدفعاً، و«27,000» بندقية، و«160» صندوق ذخيرة، وقد وجه على الفور بإخراجها وإرسالها إلى «شهارة»، وأما المدفع الكبير الذي لم يستطع إخراجه فقد أمر بتقطيعه، واستخدام أجزائه في صناعة أدوات أخرى، وهذا وإن دل فإنما يدل على أن أمله بالبقاء في صنعاء كان ضعيفاً.
 
وهذا أحد عساكر الإمام يحيى، ممن شاركوا في اجتياح صنعاء، يقول لأمين الريحاني: «بعد أن حاصر الإمام صنعاء، وسلم الترك، غنمنا من البنادق خيرات ـ أي كثير ـ فكانت بندقية الموزر تباع بريال واحد، وبعد واقعة شهارة ـ سيأتي ذكرها ـ من استطاع أن يجر مدفع إلى بيته أعطي له».
  
حدثت في ذلك العام مجاعة كبرى، فتكت هي والحصار بآلاف البشر، نقل المؤرخ «الواسعي» جانباً من معاناتها: «فتجمعت القبائل على صنعاء، وتكاثرت، وضاقت على أهلها بما رحبت، واشتد الحصار، وخرج الصغار والكبار والنساء والمخدرات، وقاسوا عظيم الأهوال، وباعوا جميع الأموال، والأمتعة والفراش، وكان الثمن في غاية الرخص، ومات في قرية القابل من الجوع الف وستمائة شخص، غير الذين ماتوا في سائر القرى».
   
شملت تلك المجاعة معظم نواحي اليمن، وعنها قال «العرشي»: «في تلك السنة وقعت مجاعة عظيمة، وخلت قرى كثيرة من سكانها، فأهل بلاد لاعة مات أهلها جوعاً، وفي آنس وتعز وإب مات واحد وستون ألف نسمة».
 
مدينة إب هي الأخرى تعرضت للمجاعة والحصار، وقد بلغ عدد الوفيات فيها حوالي «10,000» نسمه، حسب وثيقة لمؤرخ عاش تفاصيل تلك الأحداث، جاء فيها: «واجتمعت الأعراب بسوق المدينة من كل فج وعميق، ووقع بهم الفناء والموت، وما زالت الجنائز عن كل يوم عشرين وثلاثين»، لم تكد تنتهي تلك المجاعة، حتى قام أنصار الإمام يحيى بقيادة عبدالله بن إبراهيم بمحاصرة ذات المدينة، وفي ذلك قال ذات المؤرخ: «وامتد الحرب بين أهالي المدينة، وبين الأشقياء البغاة المدعين النصر والجهاد.. وتابعهم المتوطنين بالبلاد، من قبائل ذو محمد، وذو حسين، وخولان، وغيرهم».
  
جهز الأتراك حملة عسكرية قوامها «50,000» مقاتل، بقيادة أحمد فيضي باشا، الرجل الثمانيني، الذي سبق وتولى ولاية اليمن مرتين، ما أن علم الإمام يحيى بمقدمه، حتى خرج بقواته من صنعاء بعد شهرين من دخولها، مُتذرعاً هذه المرة بخوفه على سكانها.
  
بعد معارك محدودة، تمكن «فيضي» من دخول صنعاء «5 أغسطس 1905»، ومنها وجه قواته لاستعادة باقي المناطق، أرسل إلى إب فرقة عسكرية بها مجموعة من اليمنيين، بقيادة غالب باشا، وقد تمكن الأخير من فك الحصار على المدينة، وملاحقة المتمردين إلى خارجها، وإلى ذمار وآنس أرسل قوات بقيادة رافق بيك، كما استطاع يوسف باشا من دخول مدينة عمران، وجبل عيال يزيد.